مقالات الأهرام اليومى

مالم يتحدث عنه الرئيس‏!‏

قال الرئيس مبارك كلمته‏..‏ ووجه رسالته‏..‏ وحدد الاتجاه الذي لا بديل عنه لحماية الحقوق المصرية والفلسطينية والعربية‏,‏ واستعادة الرشد الذي غاب عن البعض‏,‏ وكان خطابه في عيد الشرطة كاشفا للحقائق وشاملا بالقدر الذي يلزم عقولا ناضجة أن تفهم حقيقة ما جري ويجري في غزة‏.‏

أسامة سرايا
ووضعت كلمات الرئيس القضية برمتها في إطارها الصحيح‏..‏ فهي كلمات دقيقة معبرة ومحددة‏..‏ تفيض بالوطنية والحب لمصر‏,‏ ولقضايا العرب ووحدتهم‏,‏ وقضية فلسطين‏,‏ وتشرح وتحلل وتفسر‏,‏ وتحذر‏..‏ وتطالب بما هو ضروري لحلها‏.‏

..‏ أيضا كانت كلماته قاطعة شامخة شموخ الموقف المصري الراسخ والثابت‏,‏ وقد ذكرتنا بما توقعته والأزمة مشتعلة في مقال الجمعة‏2‏ يناير الماضي بعنوان الشموخ المصري‏,‏ والذي توقعت فيه أن يدرك الجميع ـ عربيا‏,‏ وخاصة فلسطينيا‏,‏ وعالميا ـ مغزي سياسات الرئيس مبارك الذي كشف العدوان الإسرائيلي بكل تعنته وبربريته وفشله‏,‏ ووضع بأسئلته المشروعة القضية الفلسطينية بكل متغيراتها وأبعادها أمام أصحابها‏,‏ مثلما وضعها أمام العالم بكل حقائقها‏.‏

وتبدت صورة مصر المعاصرة القوية أمامنا ظاهرة وحقيقية‏,‏ وعرفنا كيف استفادت مصر من تاريخها‏,‏ خاصة فيما طرحه الرئيس مبارك عن أزمة‏1967,‏ ومحاولات استدراج مصر للخروج عن سياستها‏,‏ أو نصب فخاخ الحروب لها لتصيدها‏.‏

واليوم أدارت مصر معركة غزة‏2009‏ بكل القوة والقدرة السياسية والاستراتيجية‏..‏ وهزمت العدوان وكشفته‏,‏ وهزمت المتآمرين وعرتهم‏,‏ وحدد مبارك بدقة أدوارنا‏,‏ وكيف أوقفنا العدوان‏..‏ بينما تفرغ الآخرون للتآمر علينا‏.‏

إن تاريخنا العربي حافل بأمثلة عديدة لمن علا صوتهم وتضاءلت أفعالهم‏.‏

ولم يخف الرئيس مبارك قوة مصر وشموخها في جيشها المنتصر والقوي‏,‏ وأننا سوف نواصل تعزيز قدراته مؤمنين بأن السلام تحميه القوة‏,‏ ويبقي أبناء قواتنا المسلحة مستعدين دائما لرد الصاع صاعين‏.‏

واستكمل الرئيس مكاشفته حول وضعنا الإقليمي‏,‏ وكان واضحا ومحددا ودقيقا‏..‏ لقد أقمنا سلاما في العلن مع إسرائيل‏..‏ ورفضنا الادعاءات الإسرائيلية المكشوفة حول التهريب والأنفاق‏,‏ فالتهريب جاء نتيجة للحصار‏,‏ ويجب أن ينتهي فورا‏,‏ كما أن الاتفاق الإسرائيلي ـ الأمريكي لمراقبة تهريب السلاح لا يلزمنا في شيء‏.‏

لقد كانت للرئيس كلمات واضحة كاشفة عن المحرضين والمزايدين وأصحاب الأدوار الإقليمية‏,‏ ومن يحاولون النيل من وضع مصر‏..‏ فمصر لا يزايد عليها أحد‏,‏ وإذا كان التاريخ شاهدا‏,‏ فإن الجغرافيا أيضا لا تكذب‏,‏ ولمن ينسي عليه أن يتذكر الحجم والمكانة‏.‏

وكشف الرئيس اللعبة الإيرانية بنفس الشموخ‏,‏ ولم يذكرها بالاسم لاعتبارات المكانة المصرية‏,‏ لأننا نراعي ونبقي علي شعرة احترام الجوار الجغرافي لمن يتعظ ويدرك‏.‏

وكشف أيضا أخطاء من تعاونوا معها من العرب‏,‏ ولم يذكرهم بالاسم‏,‏ وهم معرفون‏..‏ وتحديدا سوريا وقطر‏,‏ لاعتبارات الحفاظ عليهم وعلي دورهم معنا ومكانتهم لدينا‏,‏ فباب المصالحة العربية مفتوح‏,‏ ولكنه مرهون بسلامة القصد وصدق النية وتطابق الأقوال مع الأفعال‏,‏ ومراجعة المواقف والتوجهات‏,‏ خاصة لمن يتعظون‏..‏ ومن تطاولوا علي مصر ومازالوا يتطاولون‏.‏

..‏ نعم يامبارك

إن التحديات والأزمات تكشف المعدن الحقيقي للشعوب كما تكشف قدرة القادة العظماء‏.‏ وقد أظهرت أحداث غزة ـ التي أدمت قلوبنا جميعا كما وصفت ـ صورة حية عن عظمة مصر وصدق رئيسها وشموخه‏,‏ الذي هو من شموخ بلاده وقدرتها‏,‏ فالدور الإقليمي والدولي لا تصنعه رغبات الدول‏,‏ ولا تكفي الإرادة وحدها للقيام به‏,‏ كما أنه لا يتحقق عبر مصادفات تاريخية‏,‏ إذ إن هناك مقومات موضوعية لهذا الدور لا يغني عنها العامل الذاتي‏,‏ بمعني رغبة دولة ما في الحصول عليه‏,‏ وله أيضا عامل ذاتي تبرز أهميته عند توافر المقومات الموضوعية‏,‏ وهو عامل القيادة القادرة علي تحديد الاتجاه‏.‏

……………………………………………………..‏

إنها القيادة الحكيمة‏,‏ كما كان الكثير من الفلاسفة يسمونها في مراحل سابقة من التاريخ أو القيادة الرشيدة بفكر هذا العصر وهو ما تحقق لمصر‏,‏ وفي قيادتها لإقليمها في تلك الأزمة العصيبة كوطن‏,‏ وفي رئيسها حسني مبارك كقيادة حكيمة في هذه الأوقات الصعبة والدقيقة‏,‏ من الصراع العربي ـ الإسرائيلي من أجل تحقيق الأهداف العربية‏,‏ وإقامة الدولة الفلسطينية لمن يتساءلون عن طبيعة الدور والمكانة المصرية وأهدافها‏..‏ سعيا إلي استقرار منطقة الشرق الأوسط كلها‏,‏ بهدف تنميتها ونمو شعوبها‏,‏ وهو الهدف الذي تسعي إليه مصر منذ الثمانينيات وحتي الآن ولن تحيد عنه‏.‏

ولم يبالغ أحد في كشف الدور التخريبي للسياسة الإيرانية في المنطقة فسجلها متخم‏,‏ خاصة بعد احتلال العراق واختلال التوازن الإقليمي‏,‏ فإيران كما خربت في العراق وفي المشرق العربي‏(‏ لبنان وسوريا‏)‏ وتحاول يوميا أن تخرب في كل بلدان الخليج‏..‏ مع احتلالها لجزر إماراتية تتدخل في قطر وتلعب في البحرين‏,‏ ولاتخفي أطماعها في الكويت وعمان‏,‏ وتتطاول علي السعودية بكل ترفعها وكبريائها‏,‏ وحاولت هذه المرة التخريب في أخطر قضايانا العربية‏:‏ القضية الفلسطينية‏,‏ بل وجر مصر بكل عظمتها وتاريخها ودورها لتغيير سياساتها أو التأثير علي مكانتها في الشارع العربي‏,‏ فكان من الضروري مواجهتها‏,‏ وتحديد أهدافها التخريبية‏,‏ ولو من باب التحذير حتي لا تنزلق في هذه السياسة‏,‏ أو حتي من باب إعلامها مخاطر هذا الدور علي موقعها ومستقبلها في الشرق الأوسط كله‏,‏ أو علي مستوي إدارتها لمفاوضاتها المستقبلية مع الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي‏.‏

وعلينا أن ندرك الاختلاف حول تأثير الجغرافيا في إدارة هذا الصراع كما حدث هذه المرة‏,‏ فعبقرية المكان التي ترجمها المفكر المصري الرائع جمال حمدان‏,‏ لعبت دورها فقد كان لهذا المكان أهميته التاريخية في مختلف العصور‏,‏ وقبل أن تظهر الدولة الوطنية المعاصرة‏,‏ كما نعرفها الآن‏,‏ وهذا التاريخ الذي له مجلداته‏,‏ هو الاعتبار أو العنصر الثاني الذي ورد في خطاب الرئيس مبارك أمس الأول‏,‏ والذي جمع فيه الكثير من مقومات الدور المصري في مواجهة الأزمة الصعبة‏,‏ ومحاولات الآخرين تهميشه‏,‏ أو مواجهته والحد من آثاره‏,‏ فهزمهم الموقع الجغرافي الذي لا يمكن تهميشه‏,‏ إذ إن هذا التاريخ يحوي من التجارب والخبرات والمعالم ما يفوق تواريخ كثيرة من كل دول منطقتنا مجتمعة‏,‏ بما فيها إيران وتركيا‏,‏ حتي مع ضم الخلافة العثمانية عندما أمسكت بالخلافة الإسلامية‏,‏ وبالرغم من أن لتاريخهم عمقا لا ينكر‏,‏ لكنه لا يضاهي تاريخ مصر من ثراء واستمرارية‏,‏ وتراكم تحقق لها عبر العصور‏.‏

…………………………………………………….‏

وغني عن القول إن تاريخ مصر لا يقارن‏,‏ ومن خلال هذا التفاعل الخلاق بين الجغرافيا والتاريخ تبرز أهمية حجم الدولة‏,‏ وما تمثله من قدرات وطاقات‏,‏ ومن ثم عناصر القوة‏,‏ كما نعرفها في عالمنا المعاصر‏.‏

صحيح أن قيمة الحجم في هذا العالم المعاصر تتعاظم‏,‏ حيث يقاس التقدم بالعقل والعلم وإلانجاز‏,‏ ولكن هذا التغير يحدث بشكل متفاوت بين مناطق العالم‏,‏ وفي منطقتنا مازال الحجم مهما في بناء الدولة‏,‏ حيث يكتسب أهمية حين يكون جزءا من منظومة تجعله مكونا من مكونات المكانة‏,‏ وعندئذ يتحقق الارتباط بين الحجم المادي والحجم المعنوي‏,‏ ممثلا في مكانة الدولة وما تحظي به من احترام علي المستوي الدولي‏,‏ وهذا ما تحقق لمصر خلال تلك الأزمة الصعبة والدقيقة‏,‏ فالعالم كله يحترمها ويقدرها‏,‏ ويقف معها جميع المؤثرين والأقوياء‏(‏ علي صعيد الأمم المتحدة والأوروبيين والأمريكيين‏).‏ وغني عن القول إن أشقاءنا العرب الأقوياء المحترمين‏,‏ ذوي المكانة والكلمة المسموعة‏,‏ كانوا معنا في خندق واحد‏,‏ وأقصد بهم قادة السعودية والأردن وكل دول الخليج‏,‏ ما عدا دولة واحدة لعبت في الخندق الآخر لأسباب سوف يكون سهلا علي التاريخ أن يكشف عن أبعاد ما فعلته وأسبابه في أقرب وقت‏.‏

والقاعدة العامة هي أن مصر كانت في صراع حقيقي للدفاع عن قضيتها الاستراتيجية وهي القضية الفلسطينية‏,‏ وحمايتها من التدخل الإقليمي المعيب والمتآمر‏,‏ وغير المبرر إلا لمصالح ضيقة وغير عملية لأصحابها‏,‏ والتي سرعان ما يكتشفون غباءها بل ضيق أفقها وفي الوقت نفسه مواجهة إسرائيل التي تحتل الأرض‏,‏ وتريد أن تفرض سياسات مرفوضة علي شكل التسوية وقيام الدولة الفلسطينية المرتقبة‏.‏ وانتصرت التوجهات المصرية علي الأرض فعليا علي كل صعيد‏..‏ علي الموقف الإسرائيلي العدواني والمتعنت‏,‏ وكشفت هزيمته وعدم قدرته علي الاستمرار في النهج نفسه‏

وعلي من شجعوا ومهدوا الطريق للطرف الفلسطيني الرامي إلي التقسيم‏,‏ وقيام وتكريس دولتين فلسطينيتين‏..‏ وأيضا علي أصحاب التوجهات العالمية أو المتطرفة في إسرائيل وأمريكا إلي وأد فكرة الدولة قبل قيامها‏,‏ والتخطيط لإعادة جزء من الأراضي في الضفة الغربية أو قطاع غزة لمصر أو الأردن دون قيام الدولة الفلسطينية‏,‏ وعلي الطرف الإقليمي المتصور أن مصلحته هي الرؤية الإيرانية والسورية‏,‏ أو لدي الفصائل المتطرفة الراغبة في تفجير المنطقة‏,‏ وإنهاء عملية التسوية وإلغاء المبادرة العربية للسلام‏.‏

وهكذا أعادت مصر القضية إلي مسارها الصحيح‏,‏ وأعادت تجميع المجتمع الدولي علي حل إقامة دولتين واستعادة الحيوية السياسية سواء الأمريكية أو الأوروبية‏,‏ أو حتي علي مستوي الأمم المتحدة ـ لتسوية القضية الفلسطينية‏.‏

ولمن لا يري‏,‏ ولا يريد الاعتراف أقول إن عليه أن يعيد التفكير والرؤية ليري بوضوح حجم الدور والتأثير المصري في إدارة هذا الصراع الاستراتيجي بكل جوانبه‏,‏ حتي يكتشف عمق وقدرة السياسة المصرية‏.‏ فالقاعدة العامة أنه لا يمكن لدولة أن تحظي باحترام دولي‏,‏ وأن تحصل علي دور إقليمي كبير في هذا العصر تحديدا إلا حين يزداد الارتباط بين التفاعلات الإقليمية والدولية‏.‏ ومن أهم ما وضعه الرئيس مبارك لمصر أنه حقق لها احتراما دوليا علي نطاق شديد الاتساع شرقا وغربا وجنوبا وشمالا من الصين إلي أمريكا ومن أوروبا إلي إفريقيا‏.‏

أهمية القيادة

وهنا تظهر أهمية القيادة التي تبث الروح في مقومات الدور المادية‏..‏ من التاريخ والجغرافيا إلي الحجم والمكانة‏,‏ فتكتسب شخصية محددة واضحة في علاقتها مع مختلف الأطراف وتناولها لكل القضايا‏,‏ وهذا هو السياق الذي يتبلور فيه دور الدولة ومهمة القيادة التي تبدأ بامتلاك الرؤية‏,‏ والقدرة علي تحديد الاتجاه‏,‏ ولا تنتهي بحسن إدارة الأزمة‏,‏ بل تشمل أيضا القدرة علي تعظيم المكاسب‏,‏ وتقليص الخسائر وزيادة الفرص المتاحة‏,‏ وخلق فرص جديدة للدولة‏,‏ والحد من التهديدات التي تتعرض لها‏.‏

……………………………………………………..‏

وتبدو أهمية القيادة مضاعفة في هذا العصر عموما‏,‏ وفي منطقتنا بصفة خاصة‏,‏ وهي بالنسبة لدولة تتوافر لها مقومات الدور القيادي‏,‏ مثل مصر‏,‏ أصبحت القيادة مهمة اليوم أكثر من أي وقت مضي‏,‏ ولم يعد الدور يبحث عمن يعبر عنه علي نحو ما كان عليه الحال في منتصف الخمسينيات مثلا‏,‏ عندما عبرت‏(‏ فلسفة الثورة‏)‏ عن الدور الذي ينبغي لمصر أن تنهض به وفقا لظروف الدولة وقتها ومحدداتها وطبيعة العالم‏,‏ في ظل حرب باردة محتدمة بين قوتين عظميين‏,‏ فقد تغير العالم كليا‏,‏ وتغيرت منطقتنا كثيرا‏,‏ وتبدلت الظروف التي تؤدي فيها مصر دورها‏,‏ وازداد الوضع تعقيدا في ظل تكاثر الأزمات الإقليمية والداخلية‏,‏ من أزمة تواجه إيران بسبب برنامجها النووي‏

إلي أخري تصنعها حتي تساوم بها علي هذا البرنامج‏..‏ إلي أزمة العراق التي امتدت منذ الغزو الأمريكي‏,‏ وستمتد لسنوات أخري بسبب اختلال التوازن في منطقة الشرق الأوسط‏..‏ إلي الأزمة اللبنانية بتشابكاتها الإقليمية والدولية‏..‏ إلي الصراع الذي كان محور التفاعلات في المنطقة لفترة طويلة‏,‏ وهو الصراع علي فلسطين‏,‏ والذي دخله هذه المرة الصراع الإقليمي الذي يغذي الانقسام الفلسطيني‏,‏ وأيضا المحاولات الإقليمية لتحقيق مكاسب من ورائه علي حساب الشعب الذي صمد علي أرضه‏.‏

في ثنايا كل ذلك‏,‏ تبرز مصر الكبيرة بقيادتها‏,‏ كما هي في تاريخها وجغرافيتها وحجمها ومكانتها‏,‏ وهي العنصر الكبير الذي لم يتكلم عنه القائد في خطابه احتراما وتعففا يليق بالقائد العظيم الذي ترسخت مكانته السياسية‏,‏ وطالت قامته العسكرية الكبيرة‏.‏

osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى