مقالات الأهرام اليومى

ميتشيل من جديد‏!‏

عادت إلي واجهة الأحداث من جديد المهام الدبلوماسية لتعيد القضية الفلسطينية إلي مجري الطاولات السياسية‏,‏ بعد أن تسيدت‏,‏ منذ نهاية العام الماضي وطوال الشهر الأول من العام الجديد‏,‏ الصواريخ والدبابات وعمليات القتل الإسرائيلي للفلسطينيين في قطاع غزة‏,‏ الأمر الذي هز الضمير العربي والإنساني من الأعماق‏.‏أسامة سرايا

ولم تفاجئنا إدارة الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما بهذا التحرك السريع نحو منطقتنا برغم مهامها الداخلية الجسيمة‏,‏ وفي مقدمتها الأزمة المالية العالمية‏,‏ حيث إنها في حالة حرب ومشتبكة في العراق عسكريا بعد احتلاله‏,‏ ومشتبكة مع العالم الإسلامي في أفغانستان وباكستان بعد أحداث سبتمبر عام‏2001‏ وحتي الآن فيما يعرف بالحرب علي الإرهاب‏.‏

فالرئيس أوباما يبدو أنه يتحرك في الاتجاه الصحيح‏,‏ منذ أن تولي سدة الحكم منذ أيام قليلة لإنقاذ الولايات المتحدة والعالم من أخطاء وكوارث الإدارة الأمريكية السابقة‏,‏ فلقد أغلق‏,‏ أو في طريقه لإغلاق سجن جوانتانامو‏,‏ الذي أثقل الضمير الإنساني وأعاد البشرية إلي القرون الوسطي‏.‏

ويخاطب الرئيس أوباما العالم الإسلامي المشتبكة بلاده معه بلغة جديدة‏,‏ منذ أن أعلنت الحرب علي تنظيم القاعدة وحملته مسئولية جريمة‏11‏ سبتمبر عام‏2001‏ في نيويورك وواشنطن‏,‏ ويبدو أن أمريكا أوباما تعيد النظر في مسئولية الشعوب والمسلمين عن هذه الجريمة البشعة‏,‏ التي أدينت من كل عالمنا بالرفض الواضح والصريح‏.‏

لكن الإدارة الأمريكية السابقة لم تتفهم مدي معاناة العرب المسلمين من الإرهابيين المتطرفين قبل معاناتها‏.‏

وقد سبق أن خاطب أوباما‏,‏ منذ توليه السلطة‏,‏ العرب مرتين بلغة محترمة تستحق التقدير والإشادة‏..‏ الأولي في وزارة الخارجية في اليوم التالي لتنصيبه عبر تعيين مبعوث رئاسي عالي المصداقية رفيع القدر وسامي المكانة‏,‏ هو السيناتور جورج ميتشيل‏,‏ والثانية عبر حديثه لمحطة عربية بلغة تحليلية عميقة جاء فيها‏:‏ نقول إن الأمريكيين ليسوا أعداء للمسلمين‏.‏

والأهم أن المبعوث الرئاسي الأمريكي وصل إلي المنطقة‏,‏ في زيارة استكشافية بدأت في مصر‏,‏ محور الأحداث‏,‏ وبالرئيس مبارك‏,‏ الذي أثبتت الحرب علي غزة مركزية دوره في حل المشكلة الفلسطينية كلها‏,‏ بعد أن أثبتت الأيام والتجارب والحروب والمفاوضات مصداقية مصر مع العالم‏..‏ مع الفلسطينيين أولا ثم مع الأوروبيين والأمريكيين وحتي مع الإسرائيليين‏.‏

وتحركت مصر مع كل الأطراف علي مسافات محددة‏,‏ وليست واحدة‏,‏ هدفها تحقيق استقرار حقيقي وسلام كامل ومستقر لكل شعوب المنطقة‏,‏ وحل عادل ورؤية مستقيمة لكيفية قيام الدولة الفلسطينية علي أرض الضفة الغربية وقطاع غزة‏,‏ وحل مشكلة القدس‏,‏ الإرث الديني والثقافي الكبير للمسلمين وللإنسانية وللأديان السماوية كلها‏,‏ ولاشك أن بدء المبعوث الأمريكي جولته بالقاهرة له دلالة‏,‏ لعل العقول المتفهمة تدركها‏,‏ فلقد جاءت زيارته في وجود المبعوثين الآخرين المهمين توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق ومبعوث الرباعية الدولية‏,‏ وخافيير سولانا مبعوث الاتحاد الأوروبي‏,‏ وكان هذا طبيعيا بعد أحداث جلل شهدتها المنطقة‏,‏ فمصر هي المكان الطبيعي الذي لا يمكن تغييره‏,‏ أو الالتفاف عليه مهما تحاول ذلك أطراف تسعي إلي تحقيق مصالح صغيرة علي حساب القضية الفلسطينية‏,‏ والمصلحة العربية العليا‏.‏

و الدرس الذي ينبغي علي الجميع إدراكه واستيعابه‏,‏ إذا أرادوا أن يكونوا لاعبين فاعلين علي الأرض‏,‏ هو تفهم السياسة المصرية الجادة والأمينة في إدارة الصراع لحماية مصالح الفلسطينيين ودولتهم‏,‏ والذي نستطيع أن نطلق عليه الخط الحازم والقوي والعقلاني في الوقت نفسه والذي تبنته القيادة المصرية إزاء العدوان الإسرائيلي الغاشم علي قطاع غزة‏.‏

وهذا الموقف المصري هو الذي خلق الأجواء التي فرضت علي الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما أن يضع قضية فلسطين في مقدمة أولويات إدارته‏,‏ بعد أن كانت نسيا منسيا طوال حملته الانتخابية‏,‏ فما كان الرئيس الأمريكي أوباما يقوم بوضع هذه القضية التي فشل أسلافه كلهم في حلها‏,‏ بل حرقت أصابع بعضهم في هذا الموضع‏,‏ إلا لثقته بوجود عمل جاد تقوم به مصر استنادا إلي رؤية حكيمة‏,‏ وخبرة عميقة علي نحو شجعه علي اتخاذ القرار الصعب بأن تكون قضية فلسطين هي وجهة أول تحرك خارجي كبير تقوم به إدارته‏,‏ عبر إيفاد المبعوث الأمريكي جون ميتشيل إلي المنطقة‏.‏

ولنا أن ندرك أن هذا هو ثاني تحول كبير تقوده مصر منذ أزمة غزة‏,‏ وكان التحرك الأول هو قمة شرم الشيخ وحضور زعماء أوروبا الكبار إلي مصر‏,‏ ثم تحركهم نحو إسرائيل للضغط عليها لوقف العدوان‏,‏ ثم تحصين موقف وظهر الشعب الفلسطيني ضد العدوان‏,‏ وبالرغم من أخطاء الآخرين وتعثرهم فإن مصر تؤدي دورها التاريخي‏,‏ برؤية صائبة وحكيمة‏,‏ بل من أعلي نقطة‏,‏ فبدأت بالأوروبيين ثم بالولايات المتحدة‏,‏ وحافظت علي دور الأمم المتحدة في القضية الفلسطينية من خلال القرار رقم‏1860,‏ الذي عبر عن الموقف الدولي‏,‏ كما حافظت علي الموقف العربي قويا عبر قمة الكويت بقواه الرئيسية مصر والسعودية ودول الخليج والمغرب العربي الرئيسية‏,‏ بل وواجهت الهامشيين الذين يريدون أن يختطفوا القضية الفلسطينية لمصالح ضيقة وفي مقدمتهم إيران‏.‏

وليتنا نتخيل ما كان يمكن أن يحدث الآن لولا هذا الدور المصري البارز والمؤثر‏,‏ وماذا كان يمكن أن يحدث لو لم تتحرك مصر بالطريقة التي تحركت بها لمواجهة العدوان عبر طرح مبادرتها القوية والمستقيمة‏,‏ التي تعبر عن رؤية حكيمة‏,‏ عالمة بالقضية الفلسطينية وأبعادها المختلفة وتشابكاتها علي كل صعيد‏,‏ والتي مازالت هي خطة المواجهة الوحيدة لإنهاء تداعيات هذا العدوان‏,‏ والجهد السياسي والدبلوماسي الجاد والمضني في مواجهة قيادة إسرائيلية عابثة بمصير شعبها‏,‏ وليس فقط بالشعب الفلسطيني‏,‏ ولايهمها سوي صناعة الانتخابات الإسرائيلية القادمة‏,‏ ولو علي جثث كل الفلسطينيين‏,‏ وعلي الجميع أن يعيدوا النظر بدقة إلي المواقف العربية‏,‏ والتي لا تقل عبئا علي القضية وعلي مصر‏,‏ بما تمثله من تهافت وسعي إلي المكاسب الرخيصة وإغراق المنطقة في مهاترات لا نهائية‏.‏

لقد نجحت مصر‏,‏ بقيادة الرئيس حسني مبارك‏,‏ في تجاوز هذا العبث‏,‏ وتلك المهاترات‏,‏ وأزالت بالتعاون مع السعودية والكويت في قمة الكويت‏,‏ الآثار السلبية التي أفرزتها جماعة مجاريح أو مطاريد الدوحة‏,‏ ولولا ذلك لما تحدثنا عن ثاني تحرك دبلوماسي كبير بعد قمة شرم الشيخ لوضع القضية الفلسطينية في مسار صحيح لحمايتها‏,‏ وحماية ما حققه الشعب الفلسطيني‏,‏ والقيام بمواجهة صريحة واضحة للعدوان الإسرائيلي الغاشم الذي استأسد علي المدنيين العزل في قطاع غزة‏,‏ وفشل في تحقيق أهدافه بخسائر جمة علي الأرض‏..‏ نعم يجب أن نفكر ونعيد النظر في أساليب المواجهة‏,‏ إذا كنا جادين في حل المشكلة الفلسطينية وليس المتاجرة بدماء الشهداء وجثث الأطفال والنساء والأبرياء الفلسطينيين‏,‏ ونقولها اليوم‏,‏ بكل ثقة ويقين‏,‏ إنه لولا الدور المصري لما تحرك أوباما‏,‏ ووضع قضية فلسطين بين أولوياته وهي التي غابت طويلا عن حملته الانتخابية‏,‏ التي ركزت في الشرق الأوسط علي قضايا العراق وإيران وأفغانستان وباكستان‏,‏

ولولا الدور المصري البارز لما خاطر أوباما بأن يجعل في الأسبوع الأول له بالبيت الأبيض قضية فلسطين في المقدمة‏,‏ ومن حوله مسئولون وخبراء وبيوت خبرة ودبلوماسيون ورجال سياسة‏,‏ وهذه القضية يراها الأمريكيون‏,‏ برغم اختلاف اتجاهاتهم‏,‏ القضية التي لا حل لها وأنها أضاعت وقتا ثمينا لثلاث إدارات أمريكية تورطت في معالجتها بلا جدوي هي إدارة بوش الأب ثم إدارتا كلينتون ثم إدارتا بوش الابن‏.‏

المهم الآن هو كيف نتعامل عربيا مع هذا التوجه الذي يبديه أوباما‏,‏ وهل نستطيع تجاوز الخلافات المصطنع معظمها‏,‏ وحل الانقسام الفلسطيني‏,‏ وهل سيسمح المزايدون ودعاة الممانعات الكلامية لحركة حماس بالتجاوب مع الجهد المصري الخلاق والمنظم لتحقيق المصالحة الفلسطينية؟

إن صورة الموقف العربي ستكون أحد أهم محددات المنهج الذي سيتبعه أوباما في التعامل مع قضية فلسطين‏,‏ وليدرك المزايدون الآن في الدوحة كيف أنهم ارتكبوا خطأ فادحا في دعوتهم إلي تجميد المبادرة العربية في وجه إدارة أمريكية جديدة تسعي لتحقيق السلام والسير في نهجه‏,‏ وكيف نجحت قمة الكويت‏,‏ التي حضرها الكبار وحافظوا علي قوة العرب ومكانتهم‏,‏ في استمرارية المبادرة العربية‏,‏ كإحدي ركائز قوة الموقف الفلسطيني والعربي في مواجهة إسرائيل وغيرها‏,‏ ومن هم ضد تحقيق الاستقرار والسلام العادل؟‏..‏ المهم الآن أن ندرك اللحظة التاريخية التي تعيشها القضية الفلسطينية‏,‏ وأنها في حاجة إلي موقف عربي مسئول وصوت فلسطيني واحد‏,‏ وبدون ذلك‏,‏ ربما لا يخرج التحرك الأمريكي في عهد أوباما ومن قبله التحرك الأوروبي في شرم الشيخ‏,‏ عن الإطار الذي سار فيه السابقون‏,‏ وهو السعي إلي إدارة الأزمة‏,‏ وليس إلي حل نهائي لها‏,‏ وهذا ما يبدو أن ميتشيل يركز عليه في اللحظة الراهنة‏,‏ فبالرغم من أنه جاء مستمعا في الجولة الأولي‏,‏ فقد تحدث قليلا‏,‏ وما يستنتج من حديثه هو أنه يرغب في إدارة الأزمة‏..

‏ أي السعي إلي منع تفاقمها والحيلولة دون انفجارها‏,‏ وربما خفض حدة التوتر فيها‏,‏ ولكن بدون أفق واضح لحل نهائي‏.‏

ومصر تخطط لتحويل الموقف الراهن إلي مسار سياسي حقيقي يؤدي إلي قيام الدولة الفلسطينية عبر عمل جاد‏,‏ يشترك في صنعه العرب والأوروبيون والأمريكيون‏..‏ مع عدم ربط القضية الفلسطينية بقضايا إقليمية مثل الملف النووي الإيراني‏,‏ فهذه القضايا لاتخدم الفلسطينيين‏,‏ وإنما سوف يستثمرها اليمين الإسرائيلي في الانتخابات المقبلة لكي يهضم الضفة الغربية في أراضي إسرائيل بحكم ذاتي محدود ويترك للفلسطينيين غزة مهيضة الجناح‏..‏ إن القضية الفلسطينية تدخل في العام الراهن مفترقا صعبا ودقيقا فهو عام التسويات في الشرق الأوسط‏..‏ ونرجو ونأمل ونعمل ألا تتم أي تسوية علي حساب الفلسطينيين والعرب‏.‏

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى