مقالات الأهرام اليومى

الخطاب السوري‏..‏ والعدوان علي العقل والضمير الفلسطيني

كشفت حرب غزة عن العدوان الإسرائيلي المجرم علي الفلسطينيين وعن المحاور التي صنعته‏,‏ واليوم تحاول هذه المحاور نفسها أن تهيئ المناخ لعدوان جديد علي العقل والضمير الفلسطيني‏.‏

ويختلف هؤلاء علي مسمي المحور‏:‏ هل هو محور المنتصرين‏,‏ كما يحبون أن يسموه‏,‏ أم أن اسمه الحقيقي المتخاذلون حيث إنهم لا يحاربون ولا يفاوضون‏,‏ بل ويستثمرون معاناة الفلسطينيين ويشجعون انقساماتهم ليشعروا بالرضا الوقتي‏,‏ بينما تضيع القضية الفلسطينية وتصبح في مهب الريح‏.‏

فمن استمع لحديث الرئيس السوري بشار الأسد‏,‏ علي قناة المنار الإيرانية‏,‏ تظهر أمامه هذه الحقائق عارية‏,‏ فهو لا يخفي الورطة ويواصل سياسة تبرير الموقف الذي وضع سوريا فيه‏,‏ وقد وضع القرار العربي ـ السوري في يد السياسة الإيرانية التي يراها مثل السياسة التركية‏,‏ فأي مفارقة يمكن لأي عاقل أن يراها بعد أن جعل قضية فلسطين مجرد ورقة من أوراق التفاوض الإيراني مع الولايات المتحدة للخروج من أزمتها الراهنة؟‏.‏

…………………………………………………………..‏


..‏وهل إيران مثل تركيا بنفس التوجهات والأهداف؟‏!‏ ولعله يتذكر أن مصر هي التي ساعدت في وضع علاقات سوريا بتركيا في مكانها الصحيح بعد أن كادت تنزلق إلي الحرب‏.‏

ولم يقل لنا الرئيس بشار كيف سيحقق مصالح الفلسطينيين وينقذهم من الآلام والمعاناة التي يعيشونها بعد كارثة الحرب التي يهون من آثارها ويعلي من انتصارها‏,‏ ولم يشرح إلي متي ستستمر سوريا في استثمار معاناة الفلسطينيين واللبنانيين ومقاومتهم وحروبهم لتحرير هضبة الجولان المحتلة منذ‏42‏ عاما‏,‏ حيث لم تنطلق رصاصة واحدة من الجبهة السورية منذ عام‏1973‏ وحتي الآن بالرغم من الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية المستفزة والمتبجحة ضد سوريا الشقيقة‏,‏ وعلي الرغم من اختلافنا مع الكثير مما ورد في خطاب الرئيس بشار‏,‏ فإنه يحمد له أنه لم يقع في فخ الأسئلة التحريضية التي وجهت له لشن حرب عدائية ضد مصر والسعودية‏,‏ وفتح باب المصالحة‏,‏ التي بدأت في الكويت خلال القمة العربية هناك‏,‏ للاستكمال والمتابعة‏,‏ وذلك علي عكس ما يرد في الإعلام السوري من تهجمات في الاتجاه المضاد‏,‏ والتي تقع أسيرة لمراكز القوي التي تحاول التحكم في نظام الرئيس بشار‏,‏ والتي تدافع عن مصالحها واستبدادها بالسوريين بل وبالرئيس نفسه‏,‏ والتي يبدو أنها في الفترة الأخيرة قد تحالفت مع القوي الأصولية من كل نوع ومذهب شيعي وسني بما في ذلك الإخوان في فلسطين والمتطرفون في حماس وغيرها‏.‏

ونحن نعرف جميعا كيف تتعامل سوريا معهم في الداخل‏,‏ فالقانون السوري يعاقب بالإعدام كل من يثبت انتماؤه للإخوان حتي علي المستوي الفكري‏,‏ وفي الوقت نفسه يتم استخدامهم في المخططات الخارجية دون أن يشعروا بأي تناقض‏,‏ وهكذا تكون المباديء أو الثوابت التي يتحدثون عنها‏!.‏

…………………………………………………….‏

لقد تصورنا أنه ستكون هناك وقفة جادة بعد العدوان الغاشم علي غزة الذي راح ضحيته ألف وثلاثمائة شهيد من الرجال والأطفال والنساء وخمسة آلاف يعانون آلام الجراح وفقد الأعضاء‏,‏ وآلاف المنازل والمباني التي هوت ترابا وأنقاضا‏,‏ وآلاف الأسر التي تلوك أحزانها ولاتجد ما تسكن إليه أو ما تسد به حاجاتها الأساسية‏..‏ وهذه الخسائر الكبيرة ليست فيما يبدو كافية لاسترداد الرشاد وتحكيم العقل وإيقاظ الضمير‏..‏ لقد صمد الفلسطينيون في قطاع غزة ضد جحافل الهمجية الإسرائيلية اعتزازا بأرض لن تضيع وحق لن يغيب‏,‏ وكان ثمن الصمود قاسيا وكان العدوان سافرا‏,‏ ولكن ما بين الصامدين والمعتدين ظهر فريق يحاول اختطاف ما جاء به صمود الأطفال والنساء والرجال من نتائج‏.‏ أسامة سرايا

ولقد أعاد الصامدون في غزة القضية الفلسطينية إلي واجهة الأحداث وأيقظوا بدمائهم وجراحهم ضمير العالم لنجدة شعب تواصلت معاناته ستة عقود كاملة‏,‏ ولم يخرج من مذبحة إلا ليدخل غيرها‏.‏ ولكن فريقا من بينهم وحولهم يأبي إلا أن يستثمر قسوة معاناتهم وآلامهم لتحقيق أهداف لم تعد اليوم خافية علي أحد‏.‏

لقد توقف اليوم العدوان الإسرائيلي علي الجسد الفلسطيني ولكن تلك القوي مازالت مستمرة في عدوانها علي العقل والضمير الفلسطيني تضليلا وخداعا حتي لاتنكشف مؤامرتهم وضيق أفقهم وحقيقة نياتهم وأهدافهم‏,‏ وهم يحتفلون بالنصر علي طريقتهم ويختلفون فيما بينهم علي نصيب كل منهم فيما تحقق‏..‏ أما الذين صمدوا في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية فهم الأطفال والنساء والرجال الذين عاشوا معاناة الحرب ليس لكونهم أعضاء في حركة أو جماعة ولكن باعتبارهم اصحاب أرض تحتفظ بجذورهم وآمالهم‏,‏ ولم يتحقق الصمود من مكتب حماس في دمشق ولم يتحقق بالشحن السوري أو الحداد الإيراني أو هتافات المتظاهرين في موريتانيا وغيرها‏.‏ وإنما وجد صمود الفلسطينيين الدعم الحقيقي من المواقف العربية العقلانية الواعية بتداعيات الأحداث في المنطقة فتمكنت من وقف العدوان والحفاظ علي ما بقي من سلامة الفلسطينيين في القطاع‏.‏ ومهدت الطريق لتحرك عالمي يحمي أمنهم ويحقق أحلامهم‏.‏

وهذا التحرك العقلاني لم يكن بطبيعة الحال يروق في اثناء العدوان لتلك القوي في فلسطين وخارجها‏.‏ واليوم وبعد أن توقف القتل والدمار رغما عنها‏,‏ فإنها مازالت شديدة الإخلاص لأهدافها حتي لم يبق لديها قدر من الإخلاص لشعب يعاني تبعات الزلزال العسكري الإسرائيلي‏,‏ ولا يترك هؤلاء فرصة واحدة لأي تحرك إقليمي أو دولي يسعي لنصرة الشعب الفلسطيني واسترداد حقوقه وإقامة دولته وإعادة تعمير ما دمرته آلة الحرب البربرية الإسرائيلية‏,‏ ويهيلون التراب علي كل جهد حقيقي ويشوشون علي كل صوت عاقل‏,‏ ويصبون الزيت المشتعل علي جراح لم تندمل بعد ويثيرون مشاعر الأرامل والثكالي والمفجوعين بجراحهم وفقدان أعزة عليهم‏.‏

…………………………………………………….

‏وهكذا باتت كل المؤشرات تشير في الأفق إلي مؤامرة خبيثة علي القضية الفلسطينية يساق فيها بعض الفلسطينيين بالأوهام التي زرعت في نفوسهم والأكاذيب التي ملأت آذانهم وأحلام السلطة التي استبدت بهم فأعمت أعينهم عن حقيقة الموقف الراهن‏,‏ ودفعتهم إلي التلاعب بمصير شعب يعاني كثيرا وطويلا‏,‏ وتراجعت آمال الدولة الآمنة وتقدمت أحلام السلطة المستبدة‏,‏ فرخصت الدماء الفلسطينية وتكاد الفرصة المتاحة هي الأخري تضيع‏,‏ وإذا لم يفق الضمير الفلسطيني كاملا وتتوحد الفصائل ويتضح الهدف أمام الجميع وتخلص النيات في سبيل ذلك فسوف يخسر الفلسطينيون الكثير وسوف تذهب الدماء الكثيرة سدي‏.‏

إن مصر التي تتعرض اليوم من قوي الدجل السياسي في فلسطين وخارجها للهجوم والنقد لاتحتكر القضية الفلسطينية‏,‏ بالرغم من كفاحها العسكري والسياسي الطويل في سبيلها‏.‏ وهي التي تستطيع أن تفعل شيئا لحقن دماء الأبرياء وتستعيد لهم بعض حقوقهم السليبة‏.‏

ولم يسبق لمصر يوما أن منعت أحدا من أن يبادر إلي دعم الشعب الفلسطيني وتخفيف معاناته‏,‏ ولكنها بعمق رؤيتها للواقع الإقليمي والدولي تدرك جيدا أن قوي الدجل السياسي لن تفعل شيئا‏,‏ ومصر لن توقف مساعيها الجادة من أجل فلسطين‏,‏ ولن تسمح بأن تصبح قضية فلسطين مجرد ورقة من أوراق التفاوض الإيراني مع الولايات المتحدة للخروج من أزمتها الراهنة‏,‏ ولن تسمح أيضا بأن تتحول قضية فلسطين إلي ضحية تتقدم بها قوي عربية قربانا لقوي غير عربية طلبا للرضا والحماية المزعومة‏,‏ ولن تسمح بأن تختزل قضية هذا الشعب في درجة من درجات سلم تريد قوي صغيرة الصعود عليه إلي عالم المجد السياسي الشخصي‏,‏ ولن تكون قضية شعب بأكمله ثمنا لطموح حركة سياسية‏,‏ فالقضية الفلسطينية سوف تظل قضية العرب الأولي الذين ضحوا من أجلها حربا والذين سوف يستعيدون حقوقها سلما‏.‏ والحقيقة أن من يمتلكون القدرات الحقيقية علي التأثير هم وحدهم الذين تنعقد عليهم آمال الأمة في إنهاء مأساة الشعب الفلسطيني مهما تعالت صيحات المحتجين العاجزين الذين استبدلوا الصراخ بالعمل الجاد الحقيقي‏.‏

ولايعنينا الموقف الإيراني بشأن القضية الفلسطينية‏,‏ فلقد خضنا معارك الحرب والسلام من أجل القضية ولم نعرف لإيران دورا يذكر‏,‏ لولا أنها اخترقت أنظمة عربية فوجهتها نحو أهداف باتت واضحة للجميع‏.‏ كما أصبحت عواصم عربية منصات لإطلاق السياسات الإيرانية واختبار أهدافها‏,‏ وتبدو دمشق اليوم المنصة الرئيسية لإطلاق السياسات القادمة من طهران‏,‏ ولو أحسنت سوريا لوجهت إيران إلي حل مشكلاتها الداخلية بدلا من زرع الفرقة والانقسام بين العرب بمخططات إيرانية‏,‏ وبدلا من إطالة أمد معاناة الفلسطينيين‏.‏

فمنذ أن انتهت حرب أكتوبر‏1973‏ وسوريا تحاول إخفاء عجزها عن استعادة أرضها من نير الاحتلال بإثارة المشكلات بين العرب والاعتراض علي كل خطوة في الاتجاه الصحيح‏,‏ ولم يتحرك الجيش السوري منذ خمسة وثلاثين عاما لاستعادة شبر من أرضه المحتلة في حين أن هذا الجيش دخل لبنان بدلا من الجولان لضرب تحالف القوات المشتركة للأحزاب السياسية والقوي السياسية اللبنانية العربية وفصائل المقاومة الفلسطينية ودعم الميليشيات المسيحية في لبنان‏,‏ وقد اخترقت الطائرات الإسرائيلية الأجواء السورية تضرب علي الأرض ما تريد تدميره وتسقط في الجو ما شاء لها إسقاطه من الطائرات السورية‏,‏ وفي كل مرة تهدد سوريا بما لم تفعله يوما‏,‏ فهي تريد من الفلسطينيين العزل أن يخوضوا الحروب نيابة عنها لحماية أرضهم وتترك أرضها محتلة وجيشها صامتا لايحرك ساكنا حيث رضيت لنفسها من الصراع العربي ـ الإسرائيلي منذ خمسة وثلاثين عاما بأن تحتج وتعارض وتشوش وقبلت الدخول دوما في تحالفات ضد مصالح العرب وإجماعهم‏,‏ ورضيت بالصمت الطويل خيارا لتحرير أرضها المحتلة‏.‏

……………………………………………………‏

وأصبح الموقف الآن لايتحمل التأخير أو المساومات فسوريا يجب أن تضع يدها في أيدي أشقائها العرب لمساعدتها في تحرير كل الأراضي العربية بما فيها الجولان المحتلة التي لن يحررها الإيرانيون أو السياسات الخاطئة التي ثبت فشلها ولم تثمر شيئا ولم تحرر أرضا‏,‏ ولكنها أخرت؟ وأضعفت قضايا العرب والفلسطينيين بحجة المقاومة الفاشلة التي أصبح المجتمع الدولي يتجه إلي تجريمها باعتبارها منظمات إرهابية تمارس الإرهاب وليس المقاومة‏.‏ لقد ذاعت البشري في العالم العربي حين تطايرت أنباء المصالحة العربية في قمة الكويت‏,‏ ولكن الابتسامات التي علت بعض الوجوه لم تكن تخفي وراءها إلا مصالح ضيقة ونكرانا لمصالح العرب العليا‏,‏ ويبدو أن المجيء ببعض العرب إلي مائدة الصلح لن يتأتي بدون موافقة طهران‏,‏ وطهران لن ترضي عن التضامن العربي أو المصالحة العربية‏,‏ فوحدة العرب هي العقبة الكبري في طريق تحقيق الحلم الإيراني في أن تصبح قبلة العرب الجديدة حيث يتلمسون بركات الملالي وآيات الله العظام‏,‏ وهو حلم مازال برغم المؤامرة والتواطؤ بعيد المنال‏.‏ صحيح أنه قد تستطيع الدعاية الإيرانية ومن يدور معها ويردد كلماتها ويستخدم أدواتها خداع بعض الشوارع العربية لفترة

من الوقت ولكن لن تستطيع تلك الدعاية أن تخدع كل العرب كل الوقت‏,‏ وتكشف الحرب الأخيرة علي غزة للجميع من تآمر علي الدم الفلسطيني وزرع الشقاق في صفوف أبنائه‏,‏ ومن بذل الجهد مخلصا من أجل سلامة هذا الشعب واستعادة حقوقه‏.‏

osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى