مقالات الأهرام اليومى

تهديد إيران للبحرين‏..‏ والصراع علي الخليج

لم يكن التهديد الإيراني بابتلاع البحرين هو الأول‏..‏ ولن يكون الأخير‏,‏ ولكنه بالقطع نموذج لسياسات الهيمنة الإيرانية ومحاولاتها المتكررة للسيطرة وفرض نفوذها علي منطقة الخليج بل والمنطقة العربية كلها‏.‏
أسامة سرايا
وقد تحرك الرئيس حسني مبارك دائما لحماية مصالح العرب والدفاع عن حقوقهم‏,‏ ومثلت زيارته السريعة للبحرين الإثنين الماضي رسالة قوية خرجت من مصر الدولة العربية الكبري بعد التعدي الإيراني بساعات قليلة‏.‏

وما أن تمت الزيارة الرئاسية وما تمثله من معان ودلالات للتضامن العربي‏,‏ وما تشكله من قوة وقدرة علي التصدي لوقف تجاوز التعدي‏,‏ حتي سارع العرب جميعا إلي التعبير الواضح والصريح الذي تستحقه دولة عربية شقيقة هي البحرين سواء بالزيارة أو المواقف الحكومية القوية‏,‏ وما أعنيه هو الرد السعودي وزيارة عاهل الأردن للبحرين‏.‏

إن ما حدث من إيران تجاه البحرين هو تجاوز سياسي صارخ لا يمكن السكوت عليه‏,‏ أو أن يمر مر الكرام‏,‏ فلقد وصل التبجح الإيراني إلي حد الزعم بأن مملكة البحرين العربية هي جزء من إيران‏,‏ ولا يقال ذلك في مقالة أو رأي أو ندوة‏,‏ وإنما في خطاب سياسي رسمي في طهران‏.‏

ويجيء هذا التدخل العلني في الشأن الخليجي‏,‏ وتحديدا البحرين في وقت دقيق للمنطقة العربية‏,‏ حيث أعلن مسئولون مقربون من المرشد الأعلي للثورة أن البحرين هي المحافظة الرابعة عشر لإيران‏,‏ وكأنه يقول إن احتلال الجزر الإماراتية الثلاث ليس كافيا لإبراز عدوانية إيران وأطماعها في الأراضي العربية‏,‏ وخاصة في الخليج العربي‏,‏ وليس الفارسي كما تحرص علي أن تصفه‏,‏ وكما تكتبه في كتب التاريخ والفصول الجغرافية الإيرانية‏.‏

وجاء توقيت التصريح العدواني لتقول إيران للعرب جميعا إنها تنضم بشكل مباشر إلي إسرائيل عن طريق خلخلة الوضع العربي وتكريس الانقسام والتغلغل في المساحات الرخوة أو الضعيفة في الخريطة العربية من العراق إلي لبنان إلي فلسطين وصولا إلي السودان وحتي اليمن‏.‏ ولم تكشف إيران بالطبع عن أنها تستعين بدولة عربية لتكريس الانقسام الخليجي والعربي لأسباب كثيرة سواء لخلافات خليجية قديمة مثل التي حدثت بين قطر والبحرين‏,‏ ولا تخفي إيران تطلعاتها إلي الهيمنة علي الجميع‏,‏ وإن كانت تتحسس طريقها نحو السعودية‏.‏

إن أطماع إيران وعدوانيتها تجاه العرب ودولهم لم تعد خافية‏,‏ ولم يعد أحد يمكنه إنكارها أو الدفاع عنها‏..‏ صحيح أن مشروع إيران للهيمنة علي الشرق الأوسط نجم عن الأخطاء الإسرائيلية ـ الأمريكية في المنطقة وإن لم يكن ذلك بالاتفاق‏,‏ كما أنه أيضا ليس بهدف جغرافي في المنطقة‏,‏ وإن كان لا يخلو من مكون جغرافي‏,‏ مثل إعلانها عن حقها التاريخي في البحرين‏..‏ ولكن مشروع إيران إستراتيجي في الأساس‏,‏ وهدفه أن تكون هي القوة الإقليمية الأكبر في المنطقة‏,‏ متصورة أنها تمتلك المقومات الأساسية لذلك‏,‏ وقد اختارت طريقا تعتقد أنه سيقودها إلي تفاهم مع القوي الأخري الطامعة‏,‏ وفي مقدمتها أمريكا وإسرائيل‏.‏

……………………………………………………..‏

إن سعي إيران إلي إشعال الأزمات في المنطقة‏,‏ وتحدي السياسة الأمريكية ليس من أجل مصلحة شعوب المنطقة‏,‏ ولكنه رغبة في الوصول إلي نقطة تتجه واشنطن منها إلي الحوار معها لاقتسام النفوذ في الشرق الأوسط‏,‏ ولأن العقل الإيراني الحاكم هناك الآن ليس مؤهلا لقراءة السياسات العالمية بدقة‏,‏ تظن إيران أن اتجاه إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلي الحوار معها الآن يعني استعدادا أمريكيا للتسليم بأطماعها‏,‏ ومن ثم تنصيبها قوة إقليمية كبري‏.‏

وفضلا عن الخطأ في قراءتها للسياسة الأمريكية‏,‏ فإنه ليس في إمكان واشنطن أو غيرها أن تفرض إرادتها علي دول وشعوب المنطقة‏,‏ كما أن الأدوار الكبري لا تتحدد وفق مزاج هذه القوة الدولية أو تلك‏,‏ فالأدوار الإقليمية الرئيسية تقوم علي مقومات موضوعية‏,‏ وهذا ما لا تدركه إيران التي تظن أن الحوار مع واشنطن سيفتح لها الباب لتحقيق أطماعها في المنطقة‏.‏ ولذلك فقد ازدادت غطرستها منذ أن أصبح واضحا أن إدارة أوباما تتجه إلي الحوار معها‏,‏ ولكنها غطرسة ساذجة لا تخلو من سفاهة عندما يقف الرئيس الإيراني‏(‏ في خطابه قبل أيام بمناسبة الذكري الثلاثين لثورة آيات الله‏)‏ ليقول‏:‏ إن إيران أصبحت دولة عظمي‏,‏ ولكن هذه السذاجة لا تعني التقليل من التهديد الإيراني للمنطقة عموما‏,‏ ولدول الخليج التي تصر إيران علي أنه‏(‏ الخليج الفارسي‏)‏ بصفة خاصة‏.‏ فالتهديد يزداد علي نحو يفرض أن يرتفع الصوت العربي بل والتنسيق العربي‏,‏ ليرتقوا جميعا إلي مستوي المسئولية‏,‏ خاصة أولئك الذين استراحوا تحت مظلة إيران‏,‏ وأمكن توظيفهم في قضايا تخدم مصالح صغيرة لبلدانهم‏,‏ دون وعي بالمخاطر الاستراتيجية علي الكيان العربي كله ومستقبله‏.‏

ونحن نقول للمتغطرسين من آيات الله إنكم تزيفون التاريخ‏,‏ وتدعون أن بلادا عربية كانت تحت سيطرتكم في بعض مراحل التاريخ‏,‏ ولكن التاريخ الحقيقي يقول إن فارس كلها كانت تحت حكم العرب لفترة طويلة من الزمن‏,‏ وإن للعرب حقوقا في إيران نفسها‏,‏ بل إن هناك عربا تحت الاحتلال الإيراني ولهم حقوق يجب أن يحصلوا عليها‏.‏

ولكننا قوم متحضرون وعصريون نحترم سيادة الدول‏..‏ كبيرها وصغيرها‏,‏ ونلتزم بالقانون الدولي‏,‏ ونؤمن بأن نظرية الحق التاريخي انتهت‏,‏ وعلي إيران أن تحترم الأقليات العربية والطائفة السنية داخلها‏,‏ وأن تحترم سيادات الدول‏,‏ وأن ترد الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة‏,‏ فلن يتخلي العرب عن أراضيهم ولا عن حماية السنة في إيران بعد الآن‏.‏

كما نريد في النهاية أن نذكر إيران بأن كل أطماعها في المنطقة لن تنجح‏,‏ فهناك مصالح مختلفة‏,‏ بل وتناقض ثقافي حقيقي بيننا وبينها‏,‏ لذلك لايمكن تنصيبها زعيمة للمنطقة‏,‏ كما أن العرب لن يسلموا مقاليدهم ومصالحهم وسيادتهم إلي أحد في المنطقة‏,‏ أو لأي قوة كبري خارجها‏,‏ فالعرب قادرون‏……‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى