مقالات الأهرام اليومى

إسرائيل وإيران والتهديد الإقليمي

سوف نقف طويلا في تاريخنا السياسي والاقتصادي أمام التحديات التي واجهتها مصر منذ مطلع هذا العام‏2010/2009,‏ فهي تحديات إقليمية غير عادية أخذت أشكال الحروب والعدوان بصورتها التقليدية والجديدة وأيضا الأزمات الاقتصادية العالمية العاتية واسعة المدي والتأثير‏,‏ حيث واجهنا حربا حقيقية علي حدودنا مع غزة‏,‏ القت بعبء كبير علي قيادتنا السياسية فكشف بحكمتها وقوتها العدوان الإسرائيلي الغاشم أمام العالم كله‏,‏ ونجحت مصر في وقفه وعملت علي تلافي آثاره السلبية بمؤتمر عالمي غير مسبوق لإعادة تعمير غزة وبناء الدولة الفلسطينية وهو تطور لافت للنظر في تاريخ القضية‏,‏ بل إن هذه الانتصارات التي حققتها مصر في هذا الظرف الدقيق تعد تاريخية بكل المقاييس‏.‏ أسامة سرايا

وإذا نظرنا إلي الأمور بعمق فسنجد أن الانتصارات المصرية لم تشبع المصريين‏,‏ فدخلوا في امتحان آخر أكثر قسوة وصعوبة تمثل في لملمة شتات الفصائل الفلسطينية المتصارعة والمفككة‏,‏ والتي وصلت إلي حدود لم تصل إليها من قبل لأسباب عديدة‏,‏ حيث نري التدخل الخارجي المعادي في إيران‏,‏ الذي يحاول ـ في عدائية تتسم بالرعونة ولا تراعي العلاقات التاريخية بين شعوب الشرق الأوسط‏,‏ أو حدود الاتفاقيات والأعراف التي استقرت لمئات السنين بين الطوائف الدينية الإسلامية‏,‏ وتحديدا بين السنة والشيعة ـ الاستفادة من التطورات الصعبة التي تعيشها شعوب المنطقة العربية نتيجة احتلال العراق والحرب علي الإرهاب في أفغانستان وباكستان وغيرها‏ وقد أعطته المتغيرات العالمية في الشرق الأوسط والعالم مزايا لا يمكن أن ننكرها‏,‏ فكل الحروب الأمريكية في منطقتنا‏,‏ وخاصة في العراق الذي تصادف اليوم الذكري السادسة لاحتلاله‏,‏ ـ تصب في مصلحة المشروع السياسي الديني لإيران الذي كان علي أبواب الفشل الداخلي وانكشافه وتعريته أمام الإيرانيين أنفسهم‏,‏ فجاءت الحروب الأمريكية العبثية والفاشلة في منطقتنا لكي تمده بوقود الاستمرار‏,‏ لأنه يواجه حسب إحساس الشعوب عدوا خارجيا يستهدف المنطقة وثقافتها بل ودينها‏,‏ وكذلك الحروب الفاشلة علي الإرهاب دون وضع حقائق وأسباب الظاهرة للحل‏,‏ وفي مقدمتها حل مشكلة الفلسطينيين‏,‏ وهي المشكلة الوحيدة منذ الحرب العالمية الثانية التي ظلت بلا حل ظلما وعدوانا علي شعبها الذي يستحق حياة كريمة ودولة مستقلة تعيش في أمن وسلام‏,‏ وتحصل علي تعويض دولي من العالم كله للظلم الذي وقع علي شعبها الذي اقتلع من أرضه بمساعدة كل القوي الكبري والمتجبرة في عالمنا من بريطانيا وأوروبا إلي أمريكا وغيرها لكي تكون بلاده وأرضه ـ إسرائيل ـ ملاذا آمنا ودولة دينية بكل المعايير في قلب الشرق الأوسط‏.‏

وهي السياسة غير العادلة التي أججت العداء العربي والإسلامي للغرب مرة أخري بعد سنوات الاحتلال المريرة‏,‏ التي لم تنس الشعوب قسوتها حتي الآن برغم مرور السنوات الطويلة‏ إنها تطورات متلاحقة في السياسة الإقليمية‏,‏ ألقت علي مصر بأبعاد وأثقال مواجهة تحدياتها وصعوباتها‏.‏

فإيران مثلت تحديا أمام العرب للهيمنة علي الخليج والعراق‏,‏ والدخول في قضايا المشرق بسوريا ولبنان وفلسطين‏,‏ ولم تتردد مصر فوقفت مع شقيقاتها العربيات في خندق واحد‏,‏ وسوف يكشف التاريخ في الفترة المقبلة عما فعلته مصر لحماية أشقائها من الهيمنة والتسلط والتدخل الإيراني في شئونهم‏.‏

……………………………………………………‏

ونشير بقوة اليوم إلي قدرة الأمن المصري بكل فصائله‏,‏ علي كشف أبعاد التدخل الإيراني في الداخل المصري‏,‏ سواء لإنشاء حزب الله أو لإثارة القلاقل أو علي حدودنا‏,‏ أو تهريب السلاح الذي أخذ أشكالا متنوعة وطرقا جديدة‏.‏

وعندما فشلت إيران في اختراق مصر‏,‏ أوكلت إلي حزبها الملاكي في لبنان المعروف خداعا ـ باسم حزب الله ـ إقامة تنظيمات في مصر والتدخل لإثارة القلاقل بعد طرح النعرات الطائفية مدخلا جديدا في بلادنا لم تعهده شعوبنا من قبل‏,‏ فقد تصورنا أنه مرض قديم يعيش فقط في بطون التاريخ‏,‏ لكنهم أعادوا إيقاظه بقوة لتخويف العرب والمسلمين بحرب رادعة‏,‏ لا مثيل لها في خطورتها‏,‏ لأنها هذه المرة بين الشعوب نفسها‏,‏ وقد اختبرنا رعونة الإيرانيين وعدم وعيهم الكارثي وأيضا حزبهم في لبنان عندما استخدموا السلاح الذي عرف بسلاح المقاومة لردع الطوائف الأخري ـ خاصة السنة في لبنان الذين يعيشون بلا سلاح تحت تهديد طائفي شيعي مسلح لعين ـ للسيطرة علي حياتهم وبيوتهم وانتهاك أعراضهم في عمل طائفي لا يمكن أن ينسي بين أخوة الوطن الواحد‏.‏

ولعلنا نتذكر مغامرة حزب الله في حرب‏2006‏ التي دمرت لبنان‏,‏ حيث خرج الحزب ليعلن انتصاره لأنه لم يمت أو يدمر‏,‏ في حين لا يهمه موت اللبنانيين أو تدمير دولتهم‏,‏ وهذا يكشف لنا مخططات إيران المخيفة في المنطقة العربية‏.‏

……………………………………………………‏

ولم يتورع حسن نصر الله وحزبه في لبنان عن التدخل المجنون والسافر في حرب غزة لتأجيج الصراع وحشد العرب‏,‏ واتباعه ضد مصر في حرب خطيرة كشفتها مصر بوضوح‏,‏ ووضعت آية الله الصغير في مكانه الطبيعي أمام الرأي العام العربي بل اللبناني‏,‏ صغير القامة صغير القول‏,‏ وجعلته عقليته الغيبية يتصور أنه من الممكن أن يلعب مع مصر‏,‏ بل مع جيشها ومع أمنها‏,‏ فتكلم في بيروت مخاطبا طائفته المهووسة به‏,‏ والتي سلبت عقولها أفكار قديمة‏,‏ عفا عليها الزمن عن ولاية الفقيه العادل المنتظر الذي يملأ الدين عدلا ونورا‏,‏

والإيهام بأنه قادر علي التأثير في الشارع المصري‏,‏ مستخدما القضية الفلسطينية‏,‏ وهو لم يكن يعرف‏,‏ حين يتكلم‏,‏ أن الأمن المصري اليقظ قد وضع أياديه القوية الباطشة باسم العدل والحق علي أعوانه في مصر‏,‏ فكان رد الفعل الطبيعي المنتظر لدعوته هو صدي صوته‏,‏ بل أنها أحدثت تطورا إيجابيا في الشارع العربي والمصري كشف خديعة حسن نصر الله ولعبته ضد أمته وشعوبها لحساب قوة خارجية في إيران تلعب بقضايا العرب وشعوبهم لتحقيق أهداف إيرانية علي حساب قضايانا وعروبتنا‏,‏ بل علي حساب إسلامنا الصحيح‏,‏ وسوف تحمل الأيام المقبلة الدلائل والبراهين اليقينية التي كشفها الأمن المصري في التنظيم الجديد‏,‏ الذي حاول عبثا أن يؤثر علي استقرار مصر وأمنها‏.‏

إن قضايانا السياسية كثيرة‏,‏ وتحدياتنا الإقليمية لاتخفي عن أحد‏,‏ ولكن مصر القوية قادرة علي لجم المتطرفين والعابثين مهما حاولوا أن يتخفوا في أردية القضايا الكبري‏.‏

وفي المرحلة المقبلة هناك تحد جديد‏,‏ لايمكن أن نهون من تبعاته وتأثيراتها علي استمرارية التحديات التي كانت معنا في الفترة الماضية‏..‏ وهذا التحدي يتمثل في الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل نيتانياهو ـ ليبرمان فهي تحد خطير يواجهنا ويواجه المجتمع الدولي كله‏,‏ وليس العرب والفلسطينيين فقط‏,‏ وكذلك كانت حكومته القديمة‏,‏ التي شكلها في يونيو عام‏1996‏ عقب انتخابات الكنيست في مايو من العام نفسه‏,‏ والتي استمرت حتي فبراير‏1999,‏ حيث انتهت فترة حكم نيتانياهو الأولي في تلك المرحلة بهزيمة مستحقة أمام حزب العمل بقيادة إيهود باراك الذي عاد وتحالف معه في الحكومة الجديدة‏

وقد خلفت حكومة نيتانياهو الأولي شرخا في العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية بسبب خلافها مع الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت بيل كلينتون‏,‏ ولم يتمكن الطرفان الإسرائيلي والأمريكي من إخفاء خلافهما‏,‏ ولكن إسرائيل تمكنت من معالجة هذا الشرخ بعد ذلك‏,‏ وتكفل سوء الأداء الفلسطيني‏,‏ بعد فشل مفاوضات الوضع النهائي في يوليو‏2000,‏ بمساعدتها جزئيا بينما أسهمت هجمات‏11‏ سبتمبر عام‏2001‏ في إعادة العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية إلي طبيعتها‏,‏ ولذلك تحمل حكومة نيتانياهو الجديدة في طياتها احتمال تجدد الخلاف مع أمريكا إذا لم يخف رئيسها الجديد أوباما توجها من توجهاتها‏

ومن هنا فإن هذه الحكومة تمثل تهديدا لخيار السلام‏,‏ والمعادلة المرجوة هنا بسيطة تماما‏,‏ وهي تقوم علي عدم مبادلة حكومة نيتانياهو تطرفا بتطرف رغم أن هذا أمر قد يبدو مغريا‏,‏ وهو توجه ليبرمان وزير خارجية إسرائيل الفاشي علي المنطقة ـ والذي يتوقع له الإسرائيليون قبل غيرهم أن يخرج من الحكومة إلي السجن ـ حيث تقدم إسرائيل في الوقت نفسه‏,‏ فرصة يمكن أن تؤدي إلي تغيير بعض المعادلات الأساسية علي صعيد الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي‏,‏ وهذا يتوقف علي الأداء الفلسطيني والعربي عموما في الفترة المقبلة ومدي قدرته علي تقدير الموقف بشكل صحيح والتعامل معه بطريقة تضعف مركز إسرائيل الدولي خصوصا علاقتها مع الولايات المتحدة‏.‏

وكل الظروف في مصلحة العرب والفلسطينيين ليكشفوا نيتانياهو وليبرمان ويضعوهما في مكانهما الصحيح في مزبلة التاريخ والفشل ليس أمام العالم فقط‏,‏ بل أمام الإسرائيليين الذين مازالوا يراهنون علي التطرف والحروب‏.‏

والفلسطينيون يجب أن يحسنوا إدارة صراعهم في المرحلة المقبلة‏,‏ وعليهم أن يتفقوا أولا‏,‏ ثم يتوجهوا إلي المجتمع الدولي بموقف ثابت‏,‏ وتصميم جدي بتغيير الصورة التي رسمتها إسرائيل خصوصا بعد أحداث سبتمبر‏2001,‏ وهي أنها التي تسعي إلي السلام وأن الفلسطينيين ـ أصحاب الحقوق المشروعة والمظلومين من كل العالم ـ علي أنهم فصيلة من فصائل الإرهاب والتطرف‏,‏ فالمعادلة الصحيحة إذن هي تصرفات نيتانياهو وإجرام ليبرمان‏+‏ موقف فلسطيني عربي ايجابي وبناء‏=‏ تغييرا كبيرا في توجهات المجتمع الدولي‏.‏

……………………………………………………‏

أما السياسة الأمريكية‏,‏ التي تلتقي الآن مع السياسة الأوروبية في التوجه نفسه‏,‏ فإنها تصب في مصلحة القضية الفلسطينية‏,‏ ربما لأول مرة منذ انطلق الصراع التي تشتد حاجتها إلي مثل هذا التغيير في الخطة حيث إنها تتعرض إلي تهديد لاسابق له من ناحية النوعية في تاريخها‏,‏ وهذا يتطلب مصالحة فلسطينية سريعة‏,‏ أو علي الأقل إنهاء الانقسام المدمر وإبرام اتفاق ناجح‏,‏ يتيح تشكيل حكومة توافق‏,‏ أو علي الأقل يوفر فرصة بناء جسر متين بين حركتي‏(‏ فتح وحماس‏),‏ ويخطيء من يظن أن تطرف نيتانياهو يبرر تمسك حماس بمواقفها وتوجهاتها المتشددة‏,‏ فهناك الآن فرصة فريدة لتشكيل حكومة فلسطينية تلقي احتراما دوليا لا تلقي الحكومة الإسرائيلية مثله عالميا‏,‏ فالفلسطينيون قادرون لأول مرة علي أن يؤكدوا للعالم أن إسرائيل وليس فصائلهم هي العقبة أمام الحل والسلام العالمي‏.‏

وليكن لنا في درس الخلاف الأمريكي ـ الإسرائيلي الأول مع نيتانياهو عبرة‏,‏ وأيضا درس‏(‏ فبراير‏1996‏ ـ‏1999)‏ لتحديد الاتجاه الجديد للقضية الفلسطينية مع نفسها ومع عالمها‏,‏ خاصة بالنسبة للعرب والأمريكيين والأوروبيين علي طريق الاتجاه الصحيح للعمل الفلسطيني والعربي في المرحلة المقبلة‏,‏ فالعالم الآن يعي تماما ويدرك المتغيرات خاصة مع أهمية قضية فلسطين للسلام العالمي والاستقرار الدولي ومواجهة الإرهاب والتطرف‏.‏

osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى