مقالات الأهرام اليومى

قبل الكارثة في الشتاء إنفـلونزا الخـنازير‏..‏وواقعنا البيئي والصحي

في جيل واحد تكاثرت أسماء الأمراض المهددة لحياة الإنسان‏,‏ وانتشر الخوف من الأوبئة التي كان العلم الحديث قد طوي صفحتها ومنها‏.‏ الإيبولا‏,‏ الإيدز‏,‏ إنفلونزا الطيور‏,‏ إنفلونزا الخنازير‏,‏ وغيرها‏,‏ ولم تعد هذه الأمراض مقصورة علي منطقة دون أخري‏.‏ بل أصبحت بسبب الحضارة المعاصرة قادرة علي أن تعبر الحدود بين الدول في سهولة ويسر‏.‏ فالأوبئة القديمة كانت تضرب مناطق بعينها بسبب العزلة التي كانت قائمة بين الدول والشعوب في الماضي‏..‏ أما اليوم فقد يسرت وسائل المواصلات والنقل في كل أنحاء العالم انتقال فيروساتها‏.‏ فالمرض الذي يظهر اليوم في دولة يظهر بعد فترة قصيرة في دول أخري كثيرة حتي قبل أن تفعل الإجراءات الوقائية فعلها‏,‏ ولم تعد الأوبئة تفرق بين دول غنية وأخري فقيرة أو بين دول متقدمة وأخري تغالب مشكلاتها‏.‏ أسامة سرايا

بعد أسبوعين من ظهور إنفلونزا الخنازير في المكسيك‏,‏ كانت عشرون دولة علي الأقل قد أعلنت وصول المرض إلي أراضيها‏,‏ وعلي الرغم من أن العالم يبدو في سباق مع الزمن لمحاصرة هذا المرض الجديد‏,‏ فإن المرض ينتشر‏,‏ وتنضم في كل يوم إلي قائمة المصابين بالمرض دولة جديدة‏.‏ وبرغم الإجراءات الوقائية التي اتخذتها مصر في مواجهة إنفلونزا الطيور وهي إجراءات اتسمت إلي حد بعيد بالسرعة والحزم‏,‏ فإن أحدا لا يمكنه الجزم بأننا بعيدون عن الانضمام إلي قائمة الدول التي أصيبت بهذا المرض‏.‏ وأستطيع القول إن الإجراءات الوقائية التي فرضتها الحكومة المصرية بالحزم والسرعة المطلوبين يمكن اختراقها بسلوكيات البعض منا ممن يتعاملون مع خطر الأوبئة بعقلية الحوار السياسي الديمقراطي الذي نعيشه أو بعقلية المصالح الضيقة لبعض فئات المجتمع أو بغياب الحد الأدني من الوعي اللازم‏.‏

فالتشكيك والاتهامات وجلد الذات يمثل جزءا من الحوار حول خطر إنفلونزا الخنازير وهو وباء أفزع العالم‏,‏ ولكن بعضنا لايراه كذلك‏,‏ ويستحق منا الرجال في كل الهيئات الحكومية والدولية التقدير كل التقدير علي ما يبذلون من جهد في مواجهة مرض يحمل معه الكثير من الأخطار‏,‏ ونرجوهم ألا يعبأوا كثيرا بآراء الخبراء الشعبيين الذين عرفناهم فقهاء كل قضية وفلاسفة كل موقف‏.‏

إن الخطر الذي تمثله إنفلونزا الخنازير لم يأت بعد‏,‏ وقد يستمر كامنا طوال أشهر الصيف ثم يظهر مفزعا مع فصل الشتاء المقبل‏,‏ وهو مايستدعي الاهتمام والحذر معا بنظرة أكثر عمقا وواقعية وأشد تأثيرا علي أوضاع المحليات وواقعنا البيئي والصحي بل وسلوكياتنا الموروثة والحديثة‏,‏ فهو أمر لايحتمل الجدل ولن نواجهه بالحرية والديمقراطية والبحث عن ثغرات صغيرة قد تظهر في الإجراءات الوقائية‏.‏ فهذا خطر يهدد الجميع ومواجهة خطر بهذا الشكل ليس من مجالات الرأي المتاحة للجميع‏..‏ يقولون فيه ما يشاءون فينشرون الفزع أو يهونون المرض‏.‏ ففي مثل هذه الأحداث نحتاج إلي شيء واحد هو أن نصطف وراء المتخصصين ونستمع لما يقولون ونلتزم بتنفيذ ما يشيرون به‏.‏ فليس المرض مجالا للتشكيك فيما تقوم به وزارة أو هيئة من الهيئات المختصة‏.‏ وينبغي ألا نسمح بتسلل آفات الحوار السياسي في بلادنا إلي قضية بمثل هذه الخطورة المحدقة بالجميع‏.‏ فالقضية لاتحتمل ترف الحوار بهذا الشكل‏.‏ فنحن مجتمع يعيش بالحد الأدني من السلوكيات اللازمة لحياة صحية سليمة‏.‏

…………………………………………………….‏

وحينما قررت الحكومة المصرية ذبح الخنازير درءا لاحتمالات انتشار المرض‏,‏ أسرع البعض إلي التشكيك في هذا القرار بالاستناد إلي تصريح منظمة الأغذية والزراعة التي أصبحت في نظرهم وصيا علي متخذ القرار المصري الذي هو أوعي وأعلم بالواقع المصري من غيره‏.‏ فليس في مصر تربية خنازير منظمة وإنما هي حظائر عشوائية وسط السكان وتعيش فيها الخنازير علي فضلات القمامة‏,‏ وكانت ـ ومازالت ـ هناك دعاوي قديمة وحديثة لنقلها من مكانها إلي مناطق نائية ولكن التراخي في تنفيذ القرارات كان وراء التأجيل إلي أن ظهر الجيل الجديد من فيروسات الإنفلونزا ومخاطره الوبائية المنتظرة علي الصحة العامة لكل المصريين بل علي اقتصادنا ومستقبلنا‏,‏ فخطوة نقل حظائر الخنازير وإنقاذ الناس من الأمراض والأوبئة‏,‏ قرار صائب يحسب للمصريين وليس عليهم‏,‏ وعلي الجميع أن ينظروا إلي شهادات المنظمات الدولية بجدية مصر وحزمها في مواجهة المرض‏,‏ ثم لماذا لايتذكر هؤلاء ما فعلته بريطانيا وغيرها من إعدام ملايين الأبقار في مواجهة طاعون البقر؟‏..‏

لقد كانت مهمة بريطانيا في إعدام ملايين الأبقار أيسر كثيرا من إعدام مصر لمائتي ألف خنزير أو ذبحها‏..‏ فمستوي الوعي عامل فارق في تيسير المهمة‏..‏ وليس بين الحكومة المصرية والخنازير ثأر ولا هي تتربص بأصحابها‏..‏ وإنما هناك خطر داهم‏,‏ وقد رأي الخبراء في ذبح الخنازير أسلوبا نافعا في المواجهة‏.‏ فلماذا التشكيك والغمز واللمز ممن كانت أخبار الصحف وسيلتهم لمعرفة هذا المرض للمرة الأولي في حياتهم فتحولوا إلي خبراء ومحللين ومتخصصين في إنفلونزا الخنازير وغيرها؟

إنني أدعو زملاء القلم والمهنة إلي مهمتهم في تحصين المجتمع ضد الوباء المحتمل‏.‏ فالوباء قريب منا بقدر ما نجهل عنه وعن أساليب التعامل معه‏.‏ وسوف نكون بعيدين عن آثاره المدمرة بقدر ما ينتشر الوعي بيننا‏,‏ وليس أقدر من الصحفيين والإعلاميين اليوم علي تحصين كل شخص في أرض مصر ضد المرض بالتوعية والمعرفة والتضامن الجمعي في الخروج من الأزمة الراهنة‏.‏

وبعيدا عن تسييس قضية خطيرة بحجم دخول وانتشار المرض ـ لاقدر الله‏,‏ هناك الكثير من القضايا التي أصبحت ملحة في ضوء تجربة إنفلونزا الطيور وإنفلونزا الخنازير‏.‏ فمصر لم تعد دولة صغيرة شبه معزولة عما يجري في العالم من تغيرات في المحيط الحيوي للإنسان‏.‏ وإنما هي اليوم دولة كبيرة يسكنها نحو‏80‏ مليون نسمة في مساحة لم تتمدد كثيرا عما كانت عليه من قبل والنتيجة هي أن الضغط علي الموارد الطبيعية يزداد والكثافة السكانية تتعاظم‏,‏ والسلوكيات الصحيحة تتراجع وهو ما يؤدي إلي بيئة مواتية لظهور وانتشار الكثير من الأمراض‏.‏ ويختلف تنظيم حياة المجتمعات الكبيرة وسلوكيات أفرادها كثيرا عما يحدث في المجتمعات الصغيرة‏,‏ والمشكلة أن المجتمع المصري نما وتضخم ولكن تنظيمه وسلوكيات أفراده مازالت خاضعة لعقلية المجتمع الصغير‏.‏

…………………………………………………….‏

لقد قبلنا منذ قرون تربية الطيور في المنازل بالريف والمدينة علي السواء‏,‏ وقبلنا الحياة قرب حظائر المواشي في الريف وعلي أطراف المدن أيضا‏..‏ وهذه السلوكيات ارتبطت بواقع اجتماعي واقتصادي كان سائدا وقد تغير نسبيا ولكنه في ظل معطيات الواقع المعاصر لابد أن يتغير كليا‏,‏ فالتزايد المستمر في عدد السكان وتزايد الضغوط علي الموارد المتاحة والتغيرات البيئية تتجه جميعها إلي إيجاد بيئة غير صحية يسهل فيها انتشار الأمراض‏..‏ نعم قبلنا تربية الطيور في البيوت وكان ذلك من قبل ممكنا وعشنا بالقرب من حظائر المواشي وتسامحنا في ذلك‏.‏ ولكن الظروف البيئية تزداد سوءا وما كنا نقبله أو نتسامح معه بالأمس لم يعد مقبولا ولا يمكن التسامح معه الآن مهما يدافع البعض عن ذلك بأسباب اقتصادية أو اجتماعية‏.‏

فلقد أصبح فرض الاشتراطات الصحية بالقوة ضرورة حياة أو موت في ظل التطور الحاصل في سلالات الأمراض وتطور مفهوم الصحة العامة‏,‏ ولم تكن مصر يوما مصدرا لمرض أو وباء ولكننا نعيش اليوم طوعا أو كرها مع غيرنا في كوكب واحد نجني فيه فوائد ما يصنعون ونعاني فيه أيضا نتائج سوء أعمالهم‏.‏

وسواء جاءتنا إنفلونزا الطيور أو ظهرت إنفلونزا الخنازير فلم يعد مقبولا علي الإطلاق استمرار الممارسات التي أفقنا عليها بظهور تلك الفيروسات‏.‏ وأخشي أن يكون رفضنا لتلك الممارسات وليد الخوف من خطر الإنفلونزا حتي يزول فنعود لما كنا عليه من قبل‏..‏ إنني أعلم مثل غيري أن تغيير تلك السلوكيات مهمة شاقة ولكنها ليست مستحيلة‏,‏ وربما أفادتنا إنفلونزا الطيور والخنازير في رفع مستويات الوعي بالأخطار ولكن ذلك ليس كافيا فالمهم أن نحتفظ بمستويات الوعي وأن نتحرك سريعا لإنهاء سلوكيات قديمة أصبحت ضارة وخطيرة علي الجميع‏.‏ والمسئولية هنا لا يمكن أن تكون حكومية من الألف إلي الياء‏..‏ وتجربة إنفلونزا الطيور مازالت ماثلة أمامنا‏.‏

فالإجراءات الحكومية كانت كفيلة بوقف انتشار المرض والحد من تأثيراته المميتة لكنها تعرضت لمشكلات بسبب نقص الوعي لدي الكثيرين والجشع الذي استبد بالبعض فعمد إلي اختراق القوانين ومخالفة التعليمات‏.‏ فالحقيقة أننا لم نساعد الحكومة كثيرا بارتكابنا المخالفات أو التستر عليها غير عابئين بأننا نقع في النهاية ضحية لما تسترنا عليه أو تساهلنا فيه‏.‏ والذين طالبوا الحكومة بوقف ذبح الخنازير ونقلها إلي أماكن نائية سوف يقفون مع المتضررين من عمليات النقل أيضا في مواجهة الحكومة‏.‏ وأذكر في هذا الصدد معركة نقل سوق روض الفرج‏,‏ وكيف تحولت الحكومة لدي البعض من مصلح يريد دفع الأضرار إلي ظالم ينزل العقاب بالضحايا من أباطرة سوق الخضار‏.‏

…………………………………………………….‏

صحيح أن الحكومة تتحمل الجزء الأكبر من المسئولية ولكن قيامها بمسئوليتها لن يتحقق بغير دعم جماهيري وشعبي لما تتخذه من إجراءات‏,‏ فالحكومة مطالبة قبل غيرها بوقف الحديث عن المركزية ومستقبل المحليات والانتقال الفوري إلي إجراءات تحد من سلبيات واقع المحليات والدفع بها إلي سطح الأحداث واتخاذ القرارات‏,‏ وفي ظل واقع جديد للمحليات يمكن تغيير الكثير من الأشياء وإعادة تقسيم مصر إلي قطاعات إنتاجية بمواصفات مختلفة يصبح من السهل معها تغيير كثير من السلوكيات التي لم تعد ملائمة لحجم المجتمع المصري والتغيرات التي يمر بها‏.‏

لن تكون إنفلونزا الخنازير هي آخر ما في جعبة الفيروسات من أمراض‏,‏ فالثابت لدينا الآن هو أن التعامل غير الرشيد مع البيئة سوف يدفع بسلالات جديدة ربما أكثر فتكا بصحة الإنسان‏.‏ فمسلسل الأمراض المهددة لسلامة الإنسان في ازدياد‏.‏ فبين فترة وأخري تهب علينا رياح الخوف من الأوبئة والأمراض تحمل مسميات وأشكالا من الميكروبات والفيروسات التي لم نسمع بها من قبل‏.‏ ومنها ما لم تعرفه دوائر البحث العلمي أيضا‏.‏ وليس الإنسان بعيدا عن دائرة الاتهام في هذا المسلسل‏.‏ فالتغيرات البيئية والمناخية التي يتحمل الإنسان الجزء الأكبر من مسئولياتها تبدو وكأنها اليوم في مقدمة أسباب ظهور وتطور الميكروبات والفيروسات‏.‏

ولقد تجاوز العدوان المستمر من الإنسان علي البيئة حدود العزلة التي فصلت بين الإنسان وبين سائر الكائنات وأصبحت المواجهة بينهما حتمية‏.‏ بعد أن أخل الإنسان بالنظام البيئي الطبيعي الذي خلقه الله حيث أصبح لزاما عليه أن يتحمل تبعات هذا الخلل‏,‏ فحينما زحف العمران البشري واقتطع مساحات كانت من قبل بيئات طبيعية لمئات من الفصائل تقاربت المسافات ووقعت المواجهات‏.‏

ونحن في مصر لسنا بعيدين عن تأثير ما يحدث من اعتداءات علي البيئة في أي مكان من العالم وسوف نتحمل نتائجها‏.‏ وإذا كنا الأقل عدوانا علي البيئة فلن نكون الأقل تضررا مما يجري لها‏.‏ وعلينا أن نستعد لذلك‏.‏ وأقل درجات الاستعداد هي أن نعي حجم الأخطار وأن ننظر جيدا في الكثير من سلوكياتنا ونعرف مدي ملاءمتها لواقع فرضت علينا الحياة فيه‏,‏ فما كان صالحا بالأمس لم يعد نافعا أو صالحا اليوم‏.‏

osaraya@ahram.org.eg

بعد أسبوعين من ظهور إنفلونزا الخنازير في المكسيك‏,‏ كانت عشرون دولة علي الأقل قد أعلنت وصول المرض إلي أراضيها‏,‏ وعلي الرغم من أن العالم يبدو في سباق مع الزمن لمحاصرة هذا المرض الجديد‏,‏ فإن المرض ينتشر‏,‏ وتنضم في كل يوم إلي قائمة المصابين بالمرض دولة جديدة‏.‏ وبرغم الإجراءات الوقائية التي اتخذتها مصر في مواجهة إنفلونزا الطيور وهي إجراءات اتسمت إلي حد بعيد بالسرعة والحزم‏,‏ فإن أحدا لا يمكنه الجزم بأننا بعيدون عن الانضمام إلي قائمة الدول التي أصيبت بهذا المرض‏.‏ وأستطيع القول إن الإجراءات الوقائية التي فرضتها الحكومة المصرية بالحزم والسرعة المطلوبين يمكن اختراقها بسلوكيات البعض منا ممن يتعاملون مع خطر الأوبئة بعقلية الحوار السياسي الديمقراطي الذي نعيشه أو بعقلية المصالح الضيقة لبعض فئات المجتمع أو بغياب الحد الأدني من الوعي اللازم‏.‏

فالتشكيك والاتهامات وجلد الذات يمثل جزءا من الحوار حول خطر إنفلونزا الخنازير وهو وباء أفزع العالم‏,‏ ولكن بعضنا لايراه كذلك‏,‏ ويستحق منا الرجال في كل الهيئات الحكومية والدولية التقدير كل التقدير علي ما يبذلون من جهد في مواجهة مرض يحمل معه الكثير من الأخطار‏,‏ ونرجوهم ألا يعبأوا كثيرا بآراء الخبراء الشعبيين الذين عرفناهم فقهاء كل قضية وفلاسفة كل موقف‏.‏

إن الخطر الذي تمثله إنفلونزا الخنازير لم يأت بعد‏,‏ وقد يستمر كامنا طوال أشهر الصيف ثم يظهر مفزعا مع فصل الشتاء المقبل‏,‏ وهو مايستدعي الاهتمام والحذر معا بنظرة أكثر عمقا وواقعية وأشد تأثيرا علي أوضاع المحليات وواقعنا البيئي والصحي بل وسلوكياتنا الموروثة والحديثة‏,‏ فهو أمر لايحتمل الجدل ولن نواجهه بالحرية والديمقراطية والبحث عن ثغرات صغيرة قد تظهر في الإجراءات الوقائية‏.‏ فهذا خطر يهدد الجميع ومواجهة خطر بهذا الشكل ليس من مجالات الرأي المتاحة للجميع‏..‏ يقولون فيه ما يشاءون فينشرون الفزع أو يهونون المرض‏.‏ ففي مثل هذه الأحداث نحتاج إلي شيء واحد هو أن نصطف وراء المتخصصين ونستمع لما يقولون ونلتزم بتنفيذ ما يشيرون به‏.‏ فليس المرض مجالا للتشكيك فيما تقوم به وزارة أو هيئة من الهيئات المختصة‏.‏ وينبغي ألا نسمح بتسلل آفات الحوار السياسي في بلادنا إلي قضية بمثل هذه الخطورة المحدقة بالجميع‏.‏ فالقضية لاتحتمل ترف الحوار بهذا الشكل‏.‏ فنحن مجتمع يعيش بالحد الأدني من السلوكيات اللازمة لحياة صحية سليمة‏.‏

…………………………………………………….‏

وحينما قررت الحكومة المصرية ذبح الخنازير درءا لاحتمالات انتشار المرض‏,‏ أسرع البعض إلي التشكيك في هذا القرار بالاستناد إلي تصريح منظمة الأغذية والزراعة التي أصبحت في نظرهم وصيا علي متخذ القرار المصري الذي هو أوعي وأعلم بالواقع المصري من غيره‏.‏ فليس في مصر تربية خنازير منظمة وإنما هي حظائر عشوائية وسط السكان وتعيش فيها الخنازير علي فضلات القمامة‏,‏ وكانت ـ ومازالت ـ هناك دعاوي قديمة وحديثة لنقلها من مكانها إلي مناطق نائية ولكن التراخي في تنفيذ القرارات كان وراء التأجيل إلي أن ظهر الجيل الجديد من فيروسات الإنفلونزا ومخاطره الوبائية المنتظرة علي الصحة العامة لكل المصريين بل علي اقتصادنا ومستقبلنا‏,‏ فخطوة نقل حظائر الخنازير وإنقاذ الناس من الأمراض والأوبئة‏,‏ قرار صائب يحسب للمصريين وليس عليهم‏,‏ وعلي الجميع أن ينظروا إلي شهادات المنظمات الدولية بجدية مصر وحزمها في مواجهة المرض‏,‏ ثم لماذا لايتذكر هؤلاء ما فعلته بريطانيا وغيرها من إعدام ملايين الأبقار في مواجهة طاعون البقر؟‏..‏

لقد كانت مهمة بريطانيا في إعدام ملايين الأبقار أيسر كثيرا من إعدام مصر لمائتي ألف خنزير أو ذبحها‏..‏ فمستوي الوعي عامل فارق في تيسير المهمة‏..‏ وليس بين الحكومة المصرية والخنازير ثأر ولا هي تتربص بأصحابها‏..‏ وإنما هناك خطر داهم‏,‏ وقد رأي الخبراء في ذبح الخنازير أسلوبا نافعا في المواجهة‏.‏ فلماذا التشكيك والغمز واللمز ممن كانت أخبار الصحف وسيلتهم لمعرفة هذا المرض للمرة الأولي في حياتهم فتحولوا إلي خبراء ومحللين ومتخصصين في إنفلونزا الخنازير وغيرها؟

إنني أدعو زملاء القلم والمهنة إلي مهمتهم في تحصين المجتمع ضد الوباء المحتمل‏.‏ فالوباء قريب منا بقدر ما نجهل عنه وعن أساليب التعامل معه‏.‏ وسوف نكون بعيدين عن آثاره المدمرة بقدر ما ينتشر الوعي بيننا‏,‏ وليس أقدر من الصحفيين والإعلاميين اليوم علي تحصين كل شخص في أرض مصر ضد المرض بالتوعية والمعرفة والتضامن الجمعي في الخروج من الأزمة الراهنة‏.‏

وبعيدا عن تسييس قضية خطيرة بحجم دخول وانتشار المرض ـ لاقدر الله‏,‏ هناك الكثير من القضايا التي أصبحت ملحة في ضوء تجربة إنفلونزا الطيور وإنفلونزا الخنازير‏.‏ فمصر لم تعد دولة صغيرة شبه معزولة عما يجري في العالم من تغيرات في المحيط الحيوي للإنسان‏.‏ وإنما هي اليوم دولة كبيرة يسكنها نحو‏80‏ مليون نسمة في مساحة لم تتمدد كثيرا عما كانت عليه من قبل والنتيجة هي أن الضغط علي الموارد الطبيعية يزداد والكثافة السكانية تتعاظم‏,‏ والسلوكيات الصحيحة تتراجع وهو ما يؤدي إلي بيئة مواتية لظهور وانتشار الكثير من الأمراض‏.‏ ويختلف تنظيم حياة المجتمعات الكبيرة وسلوكيات أفرادها كثيرا عما يحدث في المجتمعات الصغيرة‏,‏ والمشكلة أن المجتمع المصري نما وتضخم ولكن تنظيمه وسلوكيات أفراده مازالت خاضعة لعقلية المجتمع الصغير‏.‏

…………………………………………………….‏
لقد قبلنا منذ قرون تربية الطيور في المنازل بالريف والمدينة علي السواء‏,‏ وقبلنا الحياة قرب حظائر المواشي في الريف وعلي أطراف المدن أيضا‏..‏ وهذه السلوكيات ارتبطت بواقع اجتماعي واقتصادي كان سائدا وقد تغير نسبيا ولكنه في ظل معطيات الواقع المعاصر لابد أن يتغير كليا‏,‏ فالتزايد المستمر في عدد السكان وتزايد الضغوط علي الموارد المتاحة والتغيرات البيئية تتجه جميعها إلي إيجاد بيئة غير صحية يسهل فيها انتشار الأمراض‏..‏ نعم قبلنا تربية الطيور في البيوت وكان ذلك من قبل ممكنا وعشنا بالقرب من حظائر المواشي وتسامحنا في ذلك‏.‏ ولكن الظروف البيئية تزداد سوءا وما كنا نقبله أو نتسامح معه بالأمس لم يعد مقبولا ولا يمكن التسامح معه الآن مهما يدافع البعض عن ذلك بأسباب اقتصادية أو اجتماعية‏.‏

فلقد أصبح فرض الاشتراطات الصحية بالقوة ضرورة حياة أو موت في ظل التطور الحاصل في سلالات الأمراض وتطور مفهوم الصحة العامة‏,‏ ولم تكن مصر يوما مصدرا لمرض أو وباء ولكننا نعيش اليوم طوعا أو كرها مع غيرنا في كوكب واحد نجني فيه فوائد ما يصنعون ونعاني فيه أيضا نتائج سوء أعمالهم‏.‏

وسواء جاءتنا إنفلونزا الطيور أو ظهرت إنفلونزا الخنازير فلم يعد مقبولا علي الإطلاق استمرار الممارسات التي أفقنا عليها بظهور تلك الفيروسات‏.‏ وأخشي أن يكون رفضنا لتلك الممارسات وليد الخوف من خطر الإنفلونزا حتي يزول فنعود لما كنا عليه من قبل‏..‏ إنني أعلم مثل غيري أن تغيير تلك السلوكيات مهمة شاقة ولكنها ليست مستحيلة‏,‏ وربما أفادتنا إنفلونزا الطيور والخنازير في رفع مستويات الوعي بالأخطار ولكن ذلك ليس كافيا فالمهم أن نحتفظ بمستويات الوعي وأن نتحرك سريعا لإنهاء سلوكيات قديمة أصبحت ضارة وخطيرة علي الجميع‏.‏ والمسئولية هنا لا يمكن أن تكون حكومية من الألف إلي الياء‏..‏ وتجربة إنفلونزا الطيور مازالت ماثلة أمامنا‏.‏

فالإجراءات الحكومية كانت كفيلة بوقف انتشار المرض والحد من تأثيراته المميتة لكنها تعرضت لمشكلات بسبب نقص الوعي لدي الكثيرين والجشع الذي استبد بالبعض فعمد إلي اختراق القوانين ومخالفة التعليمات‏.‏ فالحقيقة أننا لم نساعد الحكومة كثيرا بارتكابنا المخالفات أو التستر عليها غير عابئين بأننا نقع في النهاية ضحية لما تسترنا عليه أو تساهلنا فيه‏.‏ والذين طالبوا الحكومة بوقف ذبح الخنازير ونقلها إلي أماكن نائية سوف يقفون مع المتضررين من عمليات النقل أيضا في مواجهة الحكومة‏.‏ وأذكر في هذا الصدد معركة نقل سوق روض الفرج‏,‏ وكيف تحولت الحكومة لدي البعض من مصلح يريد دفع الأضرار إلي ظالم ينزل العقاب بالضحايا من أباطرة سوق الخضار‏.‏

…………………………………………………….‏

صحيح أن الحكومة تتحمل الجزء الأكبر من المسئولية ولكن قيامها بمسئوليتها لن يتحقق بغير دعم جماهيري وشعبي لما تتخذه من إجراءات‏,‏ فالحكومة مطالبة قبل غيرها بوقف الحديث عن المركزية ومستقبل المحليات والانتقال الفوري إلي إجراءات تحد من سلبيات واقع المحليات والدفع بها إلي سطح الأحداث واتخاذ القرارات‏,‏ وفي ظل واقع جديد للمحليات يمكن تغيير الكثير من الأشياء وإعادة تقسيم مصر إلي قطاعات إنتاجية بمواصفات مختلفة يصبح من السهل معها تغيير كثير من السلوكيات التي لم تعد ملائمة لحجم المجتمع المصري والتغيرات التي يمر بها‏.‏

لن تكون إنفلونزا الخنازير هي آخر ما في جعبة الفيروسات من أمراض‏,‏ فالثابت لدينا الآن هو أن التعامل غير الرشيد مع البيئة سوف يدفع بسلالات جديدة ربما أكثر فتكا بصحة الإنسان‏.‏ فمسلسل الأمراض المهددة لسلامة الإنسان في ازدياد‏.‏ فبين فترة وأخري تهب علينا رياح الخوف من الأوبئة والأمراض تحمل مسميات وأشكالا من الميكروبات والفيروسات التي لم نسمع بها من قبل‏.‏ ومنها ما لم تعرفه دوائر البحث العلمي أيضا‏.‏ وليس الإنسان بعيدا عن دائرة الاتهام في هذا المسلسل‏.‏ فالتغيرات البيئية والمناخية التي يتحمل الإنسان الجزء الأكبر من مسئولياتها تبدو وكأنها اليوم في مقدمة أسباب ظهور وتطور الميكروبات والفيروسات‏.‏

ولقد تجاوز العدوان المستمر من الإنسان علي البيئة حدود العزلة التي فصلت بين الإنسان وبين سائر الكائنات وأصبحت المواجهة بينهما حتمية‏.‏ بعد أن أخل الإنسان بالنظام البيئي الطبيعي الذي خلقه الله حيث أصبح لزاما عليه أن يتحمل تبعات هذا الخلل‏,‏ فحينما زحف العمران البشري واقتطع مساحات كانت من قبل بيئات طبيعية لمئات من الفصائل تقاربت المسافات ووقعت المواجهات‏.‏

ونحن في مصر لسنا بعيدين عن تأثير ما يحدث من اعتداءات علي البيئة في أي مكان من العالم وسوف نتحمل نتائجها‏.‏ وإذا كنا الأقل عدوانا علي البيئة فلن نكون الأقل تضررا مما يجري لها‏.‏ وعلينا أن نستعد لذلك‏.‏ وأقل درجات الاستعداد هي أن نعي حجم الأخطار وأن ننظر جيدا في الكثير من سلوكياتنا ونعرف مدي ملاءمتها لواقع فرضت علينا الحياة فيه‏,‏ فما كان صالحا بالأمس لم يعد نافعا أو صالحا اليوم‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى