مقالات الأهرام اليومى

واقعية الخطاب الرئاسي المصري

يحتل الخطاب السياسي في عالمنا المعاصر مكانة كبري لدي كل الدوائر المهتمة بمستقبل القرار وقدرته علي كشف الحقائق وتبصير الشعوب أو تخديرها‏..‏ وفي مصر فإننا نعتبر خطابات الرئيس حسني مبارك من مكتسباتنا السياسية الرئيسية التي صاحبت عمليتي الإصلاح السياسي والاقتصادي وبناء الوطن‏,‏ فهي تحمل رسالة الوطن وتوجهات السياسة وتعمل دائما علي إيقاظ الأمة‏.‏

وخلال الأزمات السياسية سواء الإقليمية أو العالمية تزداد الحاجة لهذه الخطابات فمن خلالها نستطيع قراءة الموقف وتشخيص واقعنا ومستقبلنا وقدراتنا علي المواجهة واختياراتنا المستقبلية‏,‏ فهي أحد مكتسباتنا التي نعتز بها وأحد روافد الحرية التي حصل عليها شعبنا وإعلامنا‏.‏
أسامة سرايا

إن هذه الخطابات تعكس التطور والرقي والصراحة التي وصلت إليها مصر علي يد الرئيس مبارك في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية‏,‏ فمازلنا نتذكر التاريخ القريب لخطاباتنا التي تأثرت لسنوات طويلة بمقولة سادت في الإعلام السياسي في أوائل خمسينيات القرن الماضي ووفرت النصيحة لكثيرين من القادة والزعماء والسياسيين‏,‏ هذه النصيحة تقول‏:‏ إذا لم تكن قادرا علي توفير الحلول للمشكلات فليس أمامك سوي الوعود فهي كفيلة بتخفيف التوتر لدي من يتبعونك‏,‏ ولكن تذكر أنها لن تدوم طويلا‏.‏

وبينما كانت لندن تتعرض لغارات الطائرات الألمانية كان تشرشل يخاطب شعبه بأنه لايملك لهم سوي العرق والدم والدموع‏,‏ وفي كثير من دول العالم الثالث اختار القادة والزعماء الوجه الآخر‏,‏ وكتب لهذه النصيحة أن تنتشر في الخطاب السياسي لدول العالم الثالث خلال فترة التحرر من الاستعمار وظهور الحركات الثورية في العالم‏,‏ حيث أغرق الثوريون شعوبهم في الوعود والأحلام بعالم موعود سوف يتحقق برحيل الاستعمار‏,‏ وتدفقت الوعود في ظل رومانسية سياسية وشعارات سادت العالم الثالث‏,‏ ولكن لم تتحقق الوعود ولم تدم النصيحة طويلا وعانت شعوب كثيرة ثورة من الإحباطات مثلما حلمت من قبل بثورة من التطلعات‏,‏ وهناك قلة من دول العالم الثالث عادت شيئا فشيئا إلي الحقائق التي لاتقبل الخداع واستلهمت مقولة أخري من علم السياسة والإعلام وهي‏:‏ إنك قد تستطيع أن تخدع بعض الناس لبعض الوقت ولكنك لاتستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت‏.‏

ونحن في مصر عشنا الرومانسية السياسية وسنوات التخدير السياسي لمشاعرنا تجاه المشكلات التي كانت تتراكم وتتعقد بينما خطابنا السياسي مغرق في الآمال والطموحات‏,‏ وخيار الوعود كفيل بتحقيق شعبية فورية ولكنه ينذر بالخطر علي مستقبل الأمم والشعوب‏,‏ والحقيقة أن الخطاب السياسي للرئيس مبارك جاء لينهي خطاب الالتفاف علي المشكلات وتقديم الوعود بدلا من الحلول‏,‏ ربما كان خطابه في البداية صادما فلقد استفقنا فيه علي حقيقة ما نواجه من مشكلات فتمنينا ألا يواجهنا بالحقيقة ولكننا شيئا فشيئا اعتدنا مواجهة الحقيقة‏..‏ وهذا التحول في الخطاب الرئاسي هو الذي دفعنا إلي تحقيق ما أنجزنا برغم الحنين الذي يشدنا أحيانا إلي عصور الرومانسية السياسية والشعارات الوهمية التي تكسب الشعبية الزائفة لبعض الوقت وهي الشعارات التي مضي زمانها‏.‏

………………………………………………………‏

ففي أسبوع واحد ألقي الرئيس مبارك خطابين‏:‏ أحدهما في ذكري تحرير سيناء والآخر في مناسبة عيد العمال‏.‏ والمناسبتان ترتبطان بقضيتين لهما الأهمية القصوي التي تتعلق بالأمن القومي والإنتاج‏,‏ فتحرير سيناء مهمة اضطلعت بها العسكرية المصرية وفريق إدارة الصراع حربا وسلاما مع إسرائيل‏,‏ والتي كان الرئيس مبارك من أبطالها الأفذاذ حيث خاض الحرب وحرر الوطن واسترد الأرض بكاملها وحافظ علي استقرارها وحرية قرارها سياسيا وأتاح لشعبها أطول فترة في تاريخه بلا حروب فوفر له فرصة البناء والتنمية وارتفاع مستوي معيشته‏.‏

والثاني هو الاحتفال بعيد العمال الذي يبرز في ضمير الوطن الدور الهائل الذي يضطلع به العمال في نهضة الوطن ورخائه‏,‏ وهو دور يرتكز علي محور واحد أساسي هو الإنتاج في جميع المجالات‏.‏

وبصرف النظر عن هاتين المناسبتين‏,‏ فإن قضيتي الأمن القومي والإنتاج تمثلان محورين أساسيين في سياسات الرئيس مبارك منذ أن تولي مسئولية الحكم في مصر‏.‏

وهما قضيتان فرضتهما الظروف السياسية والاقتصادية لمصر منذ وقت طويل‏,‏ فالمحيط الجغرافي المصري ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية ينطوي علي الكثير من التهديدات للأمن القومي المصري‏,‏ وفي مقدمتها الصراع مع إسرائيل‏,‏ كما فرضت العلاقة بين الموارد وعدد السكان في مصر قضية الإنتاج لتحتل مقدمة القضايا الحيوية لمصر‏.‏ وبين القضيتين قوي تأثير وتأثر‏,‏ فالأمن القومي المصري يؤثر سلبا وإيجابا في تعظيم قدرات الاقتصاد المصري وتوفير مناخ الإنتاج‏,‏ كما أن عافية الاقتصاد المصري تؤثر أيضا في القدرة علي حماية الأمن القومي المصري وتحصينه ضد التهديدات الكثيرة المحيطة والمتربصة به‏.‏

هذا التركيز والاهتمام المستمر بقضيتي الأمن القومي والإنتاج دفع بهاتين القضيتين في الضمير المصري إلي المقدمة شيئا فشيئا‏,‏ فقد تلاحقت الأحداث خلال العقدين الأخيرين لتوفر الكثير من الشواهد الدالة علي أهميتهما‏,‏ فالتوترات المتلاحقة في المنطقة من حولنا تستلزم اليقظة والحذر وتدفع عنا تصورات أن جميع الأخطار قد زالت بتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل‏,‏ فالأخطار التي تهدد الأمن القومي لم تعد تأتي من إسرائيل فحسب وإنما أصبحت اليوم متعددة المصادر‏,‏ ولعلنا هنا نشير إلي قدرة مبارك علي كشف كل الأخطار في خطاباته ومواجهته الجميع بها‏,‏ مثلما حدث أخيرا عندما تجرأت إيران وعملاؤها بالمنطقة علي سيادة مصر وأمنها‏,‏ حيث كان خطابنا السياسي واضحا وقويا للشارعين المصري والعربي ولبلاد العالم أجمع‏.‏

وعلي الصعيد الاقتصادي فإن العقدين الماضيين كانا فترة تحول اقتصادي من اقتصاد مركزي إلي اقتصاد مختلف نواكب به التغيرات في الاقتصاد العالمي الذي نرتبط به ونتعامل معه‏,‏ وفي فترات التحول توجد الكثير من الأزمات والتجارب‏..‏ صحيح أن مصر قد تمكنت من إنجاز تحول اقتصادي مازال نسبيا دون كلفة اجتماعية عالية ولكنها أيضا مازالت تخوض معركة استكمال الإصلاح الاقتصادي بجوانبه المختلفة وهي معركة يكتب النصر فيها لقوي الإنتاج القادرة علي النمو كما وكيفا‏.‏

ولقد أفسحت التوترات والانقسامات التي تعانيها المنطقة العربية المجال لقوي طامحة لاتتردد في استخدام كل الأساليب لنشر الفوضي والفرقة والانقسام بما في ذلك احتضان التطرف وإجهاض كل محاولات السلام‏..‏ هذه القوي أصبحت تمثل تهديدا لأمن مصر التي تقف مانعا يحول دون تحقيق أطماعها‏.‏ وقد اجترأت علي مصر فحاولت أن تستبيح أرضها مسرحا لمؤامراتها‏,‏ وجاءت كلمات الرئيس قاطعة في خطابه الأخير بأنه لن يسمح أبدا بهذا الاجتراء ولن يتهاون مع من يحاولون العبث بأمن مصر واستقرارها ومقدرات شعبها‏.‏

وأحسب أن مصر كلها تقف في حزم وراء ذلك الموقف الذي أعلنه الرئيس مبارك‏,‏ فليس هناك مصري تجري في عروقه دماء الوطن يسمح بأن تتحول أرض مصر إلي ساحة لتهريب السلاح من أي جهة كانت ـ سواء كان قادما عبر حزب الله من إيران‏,‏ أو من جنوب الوادي عبر متطرفين وإرهابيين في السودان ـ والعبث بأمن الوطن والمواطن مهما تكن الدوافع وراء ذلك‏,‏ فمصر كانت ـ ومازالت ـ أسبق العرب والعالم جهادا ودعما ورعاية للفلسطينيين‏.‏ ولم يقدم شعب من التضحيات لفلسطين مثلما قدم المصريون‏,‏ وقد حذر مبارك من أن مكانة مصر ومسئولياتها في المنطقة لن تكون مبررا لأفعال يرتكبها صغار علي أرضها ثم يطلبون عفو الكبار وتسامحهم‏,‏ فمصر لا تتسامح في أمنها مهما تكن الذرائع‏,‏ ولن تستباح أرضها بشعارات تجار السياسة‏,‏ وما أكثرهم في المنطقة‏.‏

………………………………………………………‏

وفي هذا العام جاء احتفال مصر بعيد العمال في ظل أزمة اقتصادية عالمية لم تنج منها دولة واحدة في العالم بصرف النظر عن قوة الاقتصاد وضعفه‏,‏ وعلي الرغم من أن تلك الأزمة قد بدأت العام الماضي‏,‏ فإنها مازالت تلقي بتأثيراتها علي العالم كله حتي اليوم‏,‏ ولايعلم أحد متي تنتهي علي وجه اليقين‏.‏ وعلي الرغم أيضا من التأثيرات السلبية لتلك الأزمة العالمية علي مصر‏,‏ فإن القطاع الأكبر من المصريين لا يدرك حجم الأزمة علي النحو الذي يحدث في الكثير من اقتصادات دول العالم‏,‏ فلقد وصلت تداعياتها للطبقات المتوسطة والفقيرة في كثير من بلدان العالم بتسريح ملايين العمال والموظفين وفقدان الكثيرين منازلهم ومدخراتهم واستثماراتهم‏,‏ ولكن شيئا من ذلك لم يحدث لدينا ومازالت تأثيرات الأزمة في حدودها الدنيا علي مستوي حياة المواطن العادي‏,‏ ولايعني ذلك بالطبع أننا بمنأي عن تأثيراتها‏.‏

لقد أنقذتنا الإصلاحات الاقتصادية التي تمت في السنوات الماضية من التأثيرات الفورية للأزمة في حياتنا اليومية‏,‏ وهذه الإصلاحات هي التي تدعم اليوم قدراتنا الاقتصادية علي المواجهة‏,‏ وحتي لانتعرض في قادم الأيام لتأثيرات أكثر خطورة فإننا مطالبون اليوم بالحذر واليقظة والاستعداد لمرحلة جديدة‏.‏

………………………………………………………‏

ولقد كان الرئيس مبارك في خطابه في عيد العمال ـ كعادته ـ صريحا ومباشرا وواقعيا في تشخيص تأثيرات الأزمة علينا‏,‏ وكان صريحا وواقعيا أيضا في حديثه عن المواجهة‏.‏ حيث أشار إلي أننا نعاني انخفاضا في صادراتنا من السلع والخدمات وانخفاضا في الاستثمار المحلي والأجنبي وعائدات قناة السويس كما تراجعت حصيلة الضرائب وتحويلات المصريين العاملين في الخارج‏,‏ وقال بوضوح إن كل ذلك سينال من قدرة اقتصادنا علي النمو وأن الأزمة ستؤدي إلي انخفاض معدلاته من‏7%‏ إلي‏4%.‏

وقال الرئيس إن سياستنا في مواجهة الأزمة هي المضي في خطوات الإصلاح الاقتصادي لندعم به قدرات اقتصادنا علي تجاوز الأزمة والانطلاق بعد انتهاء الركود الحالي للاقتصاد العالمي وأكد أنه آن الأوان لمكاشفة العمال وأصحاب الأعمال معا بأن زيادة الإنتاج وإن كانت ضرورة في كل عصر‏,‏ فإنها اليوم قد أصبحت ضرورة حياة‏.‏ وأشار الرئيس إلي الشعور بأننا جميعا ـ عمالا وأرباب عمل‏.‏ نعيش في مركب واحد في مواجهة رياح الأزمة العاتية‏,‏ ولا بديل عن المشاركة في تحمل التداعيات وتقاسم الأعباء‏,‏ وأنه لن ينجح طرف في تجاوز الأزمة دون الآخر‏,‏ وأنه أيضا إذا قبل أرباب العمل تحمل بعض الخسائر أو تراجع الأرباح‏,‏ فإن علي العمال أن يتجاوبوا معهم في هذه الأوقات الصعبة‏,‏ وطالب الرئيس بأن نتحمل جميعا الأعباء معا حتي نحفظ المنشآت وفرص العمل الكريمة التي تتيحها لملايين الأسر‏.‏

وبالرغم من أن الرئيس واصل سياساته بحماية حقوق العمال ومكتسباتهم وصولا إلي تأمين العلاوة الاجتماعية السنوية في زمن الأزمة الصعب‏,‏ فإنه كاشفهم بالوضوح نفسه بالمطالبة بزيادة الإنتاجية فهي الضمان الوحيد لاستمرار العلاوة في المستقبل‏,‏ وهذا هو الخطاب الذي يضمن الحاضر ولكن ليس علي حساب المستقبل‏.‏

إننا في ظل الأزمة العالمية الراهنة نحتاج إلي روح جديدة قادرة علي تحدي تداعيات الأزمة دون تشكك ودون تحامل‏,‏ أما المشكلات فلن تختفي حيث إنها جزء من نسيج الحياة ولن تتم معالجتها في هذه الظروف بالعصيان والإضرابات التي تنال من قدرتنا علي الإنتاج وتحد من قدرتنا علي مواجهة الأزمة‏.‏ وما قاله الرئيس في خطابه هو روشتة علاج حقيقية وخريطة طريق لإقامة علاقات صحيحة بين العمال وأصحاب الأعمال في زمن الأزمة القاسي‏.‏ وأحسب أن نقابات العمال في مصر اليوم عليها مسئولية ترجمة كلمات الرئيس إلي مواثيق شرف وتعهدات حقيقية بأن نعمل معا لمواجهة الأزمة‏,‏ التي يجب أن تجعل العمال الآن أحرص من أي وقت مضي علي أرباب العمل‏,‏ فالإنتاج يضمن الخير للجميع‏.‏

وفي ظل هذه الأزمة‏,‏ فلا مفر من أن نتوقف قليلا عن التحريض وزرع الشك‏,‏ فنحن في حاجة إلي دفع المجتمع بكامله نحو التضامن والتكامل بدلا من المواجهة والفرقة بين فئاته‏,‏ ونحتاج أيضا إلي ميثاق شرف نلتزم به في مواجهة التأثيرات الاقتصادية السلبية‏,‏ فالقضية لاتقف عند حدود عمال وأرباب عمل وعلي الجميع أن يتحملوا جزءا من الأعباء‏.‏

osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى