مقالات الأهرام اليومى

أوباما وقضايانا نجحت ضربة البداية من القاهرة‏..‏ فماذا عن المستقبل؟

البداية صحيحة‏,‏ وقد كانت بالأمس حقيقة في القاهرة وجامعتها العريقة التي احتضنت رسالة الرئيس باراك أوباما للعالم الإسلامي‏,‏ فلقد اخترق صوت الرئيس الأمريكي آذانا كثيرة‏,‏ كانت موصدة أو عازفة عن الاستماع إلي أي رسالة أمريكية‏..‏ وهو لم يقدم خطابا عاديا‏,‏ بل أعطي العرب المسلمين وثيقة بمثابة مرجعية من الممكن محاسبته عليها‏,‏ حيث تضمنت نقاطا متتابعة كان مستمعوها يتطلعون لتوثيق آرائه وتوجهاته بشأنها في برنامج متكامل‏,‏ وقد شخص أوباما هذه النقاط وحددها بوضوح وجلاء في برنامج يمكن قبوله من نقطة البداية انتظارا لما يعقبه من سياسات وعمل يغير من حياة الناس ويعطي الحقوق لأصحابها‏.‏

لقد حاصر أوباما الكراهية‏,‏ ومهد الأرض لتغيير قال كل من استمع إليه إنه مؤهل له‏,‏ وغالي المتفائلون بأنه يستطيع ويقدر‏,‏ حيث حدد برنامجا عمليا للخروج من العراق‏,‏ واعترف بحقوق الفلسطينيين المحرومين منها‏,‏ وبحقوق الإسرائيليين التي يتمتعون بها بالفعل‏,‏ ولكنه لم يحدد مقترحات بعينها لحل الصراع‏,‏ وكما كان متوقعا تكلم عن كل الفلسطينيين‏,‏ ولم ينس حماس‏,‏ وتعهد بأن تتكلم أمريكا لغة واحدة مع الجميع‏:‏ الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب‏,‏ ووعدنا بأن تكون القدس مكانا للمسلمين والمسيحيين واليهود‏..‏ وأن تكون كما هي في قصة الإسراء التي وردت في القرآن الكريم‏.‏

وحققت كلمته توازنا دقيقا كان مفقودا عند الأمريكيين عندما يتحدثون عن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بدمج آلام الفلسطينيين بتاريخ ومأساة اليهود‏,‏ وهذا تطور إيجابي كان مفقودا في السنوات الأخيرة‏,‏ ولكن الإفراط فيه ليس محمودا لأنه قد يؤدي إلي المساواة بين الجلاد المحتل مغتصب الأرض والضحية المشرد في أصقاعها بلا أي حقوق‏,‏ وهذه نقطة مهمة يجب أن تكون مجالا لحوار عربي وإسلامي مع أوباما وفريقه‏,‏ بل ومع المجتمع الأمريكي كله‏,‏ فالمساواة بين مشكلة تاريخية لليهود لا دخل للعرب فيها‏,‏ ومشكلة فلسطينية راهنة من صنع إسرائيل‏,‏ لا تساعد علي التقدم نحو سلام حقيقي علي أرض صلبة‏,‏ وخصوصا في وجود حكومة إسرائيلية متطرفة‏.‏

***‏

وخطاب أوباما جاء في مجمله في حدود التوقعات‏,‏ وربما كان الأمر الوحيد الذي خرج عن حدود التوقعات هو المساحة التي حظي بها خطابه في قضايا الديمقراطية والحريات الدينية والمرأة‏,‏ ولكن الملاحظ أنه فصل بينها بما جعلها ثلاثا من أصل ست نقاط رئيسية طرحها‏,‏ وبالرغم من أنه أعطاها اهتماما ملموسا‏,‏ فإن حديثه عنها اختلف بشكل واضح عن خطاب الرئيس السابق جورج بوش وأركان إدارته‏,‏ فقد أكثر أوباما من الحديث عن القيم المشتركة بين العالمين الغربي والإسلامي في هذه القضايا بعيدا عن الإملاء والتوجيه والتعالي الذي تورط فيه سلفه بفجاجة شديدة‏.‏

ومن أهم القضايا التي طرحها‏,‏ ولم تكن ضمن التوقعات السائدة‏,‏ قضية التعاون من أجل التنمية والازدهار الاقتصادي‏,‏ وهي قضية بالغة الأهمية بشكل عام وليس فقط في ظروف الأزمة الاقتصادية‏,‏ وكان أوباما محقا في الربط بين تعزيز القيم المشتركة وتوسيع المصالح المتبادلة بين الغرب والعالم الإسلامي‏,‏ فالتركيز علي هذه القضية هو المدخل الأنسب‏,‏ الذي لا غني عنه‏.‏

لقد نجح أوباما فيما جاء إلي القاهرة من أجله‏..‏ وحمل خطابه رؤية واضحة وبرنامجا لما سوف تقوم به الولايات المتحدة في العالم الإسلامي للسنوات المقبلة‏,‏ وكشف عن مكاسب جديدة للمسلمين في السياسة الأمريكية بالمعايير الموضوعية والسياسية‏..‏ إن هذا الخطاب يعد وثيقة ومرجعية لما سوف تجري به السياسة الأمريكية بشأن قضايا المنطقة‏..‏ وهو حدث كبير سبقته توقعات هائلة‏,‏ اختاره هو وعكفت إدارته علي إعداده لأسابيع مضت‏.‏ وكذلك لم يأت أوباما إلي القاهرة لتوقيع اتفاقية تتضمن التزامات وتكليفات‏,‏ وإنما جاء ليخاطب أمة ينتشر ابناؤها بين عشرات الدول وتجمعهم مصالح متباينة وتحدوهم آمال شتي‏.‏

إن كلمات أوباما بعثت الأمل في سياسات أمريكية جديدة أكثر تعاونا ورغبة في إنهاء مشكلات مزمنة وأخري في طريقها للتقادم‏.‏ ولن نعدم أن نجد في العالم الإسلامي من ينظرون بالشك والريبة إلي خطابه‏..‏ وهؤلاء هم أصحاب الإملاءات قبل الخطاب‏,‏ الذين أرادوا أن يتحدث الرئيس الأمريكي نيابة عنهم‏,‏ ويردد كلماتهم ويدافع عن مصالحهم‏..‏ وسوف يغضبهم كثيرا الحديث عن حق إسرائيل في الوجود ويتناسون التزامه بقيام دولة فلسطينية‏,‏ وسوف يغضبهم كثيرا احترام الولايات المتحدة حق الشعوب في اختياراتها الديمقراطية وتخليها عن الابتزاز والتهديد وسياسات الفرض والإملاء‏,‏ ويتناسون رغبتها في تقديم العون لكل الشعوب في خياراتها الديمقراطية‏.‏

ولم يكن خطاب أوباما ناجحا بشخصيته وقدرته علي التأثير والمشاعر التي أحاطت به منذ مجيئه إلي البيت الأبيض فحسب‏.‏ ولكن خطابه جاء أيضا بلغة مختلفة وأفكار جديدة وإشارات بالغة الأهمية لتغيرات سوف تجري بها السياسة الأمريكية في السنوات المقبلة‏.‏ هذه التغيرات الجديدة ـ التي طالت القضية الفلسطينية والملف الإيراني والأوضاع في العراق وباكستان وأفغانستان والديمقراطية وحقوق الإنسان وأوضاع المرأة والتنمية في بلاد المسلمين ـ تتطلب تغييرات واستجابات جديدة أيضا في العالم الإسلامي‏..‏ أوباما جاء بالولايات المتحدة خطوات أقرب إلي العالم الإسلامي ولا بديل عن أن نقترب أيضا خطوات تجاه أمريكا إذا كنا جادين وراغبين في توفير فرص النجاح لتغيرات متاحة ومتوقعة في المواقف الأمريكية‏.‏ فالحلول للمشكلات العالقة بين أمريكا والعالم الإسلامي تقع في منطقة وسطي بين الطرفين ولابد أن يقطع كل طرف خطوات تلك الحلول‏.‏

وسوف تجد إيران في خطاب أوباما ما يغضبها‏,‏ وسوف تجد قوي الممانعة أيضا ما يثير أحقادها‏,‏ وسوف تجد حماس في كلماته وقودا يزيد نار الغضب اشتعالا‏,‏ برغم أنه أقر بمشاركة حماس في التفاوض من أجل تسوية الخلافات‏.‏ وبعيدا عن القوي التي اختارت السير علي هامش نهر الشارع العربي والإسلامي‏,‏ فإن الغالبية العظمي من المسلمين لابد أنهم قد أحسوا بصدق كلمات أوباما ورغبته المخلصة في وضع حد لخلافات رآها غير مبررة‏,‏ وحرصه علي اكتشاف مناطق واسعة تتلاقي فيها مصالح الجميع‏.‏

ولقد كان الطيف السياسي الواسع الذي مثله الذين حضروا خطاب أوباما تمثيلا لواقع الشارع السياسي في مصر والعالم الإسلامي‏.‏ فهؤلاء الحضور الذين أعربوا عن التقدير والاحتفاء بموقف أوباما من بعض القضايا بالتصفيق مرات كثيرة‏,‏ كانوا في الواقع يعبرون عن موقف المواطن العربي والمسلم في مختلف أنحاء العالم الإسلامي الذي جاء لمخاطبته‏.‏ وهذا يعني أن الظروف مواتية علي الجانبين في التغيير نحو الأفضل‏,‏ والتخلي عن الأفكار المسبقة والشكوك التي انتشرت علي الجانبين‏..‏ هذه الشكوك التي سادت ووسعت فجوة الثقة وعمقت الخلاف لدي الطرفين‏.‏

إن الموقف الأمريكي الذي عبر عنه أوباما تجاه كل قضية تطرق إليها يحتاج إلي تحليل عميق وتقدير لما يتعين علي المسلمين القيام به لدفع الموقف الأمريكي المتغير خطوات في الاتجاه الصحيح‏.‏ فالنجاح الذي ينتظر مبادرات أوباما في العالم الإسلامي لن يكون مرهونا فقط بالنيات الأمريكية‏,‏ ولكنه مرهون أيضا بالاستجابة والمشاركة والتفاعل‏,‏ فلن تضع الولايات المتحدة وحدها نهاية لمشكلاتها في المنطقة أو مشكلاتنا نحن أيضا‏,‏ وقد جاء وقت المبادرة وتحمل مسئولية المشاركة مع الولايات المتحدة في تغيير الواقع المأزوم في العالم الإسلامي‏.‏

osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى