مقالات الأهرام اليومى

في خطاب أوباما من القاهرة‏..‏المطالبات والتوقعات والإملاءات

الرئيس الأمريكي أوباما في جامعة القاهرة غدا يلقي خطابا له أهميته في مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي‏.‏ ومنذ الإعلان عن الموعد والمكان والصحافة الأمريكية والعربية والعالمية مشغولة بالتوقعات التي غالبا ما تتبعها مطالبات وصلت إلي حد الإملاءات في بعض الأحيان‏.‏ التوقعات في الغالب كانت تصدر عن قراءة لواقع العلاقة بين الطرفين والقضايا العالقة بينهما‏.‏ والمطالبات صدرت عن رغبة في أن يحقق الرئيس أوباما بخطابه بعض الآمال المعلقة علي إدارته في تجسير الفجوة الواسعة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي‏.‏أما الإملاءات فقد صدرت عن جماعات المصالح المتطرفة التي أرادت استثمار الحدث لتحقيق طموحاتها وخدمة أغراضها دون اكتراث بأن يحقق الرجل ما جاء من أجله‏.‏ وجماعات المصالح متعددة بتعدد مصالحها‏,‏ ومتناقضة باختلاف أهدافها‏.‏ وهي جماعات توجد في الولايات المتحدة وفي العالم العربي والإسلامي علي السواء‏.‏

الذين وجهوا النصيحة للرئيس أوباما طالبوه بأن يخاطب المسلمين باعتبارهم شركاء في كثير من الجهود التي ينبغي أن تبذل لمواجهة قائمة طويلة من المشكلات‏.‏ أما أصحاب الإملاءات فلهم رأي آخر‏.‏ هم يريدون الرئيس أن يمارس الضغوط بل والتهديد لتحقيق ما يسمونه بالتحول الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان في العالم الإسلامي‏,‏ وليس هناك أكثر عبثا مما قالوه ونشروه طوال الأسبوعين الماضيين لعدة أسباب‏:‏

أولا‏:‏ أن سنوات التوتر في العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي والتي يأتي أوباما لإنهائها غدا كانت نتاج سياسة التهديد والتلويح بورقة الديمقراطية والحرية المزعومة‏,‏ وهي ورقة مرفوضة شعبيا قبل أن ترفضها الحكومات في العالم الإسلامي لأسباب ثقافية واجتماعية وسياسية أيضا‏.‏ فلم يحدث عبر التاريخ أن جاءت الحرية وظهرت الديمقراطية بالقوة أو التهديد أو الضغوط الخارجية أو علي ظهور الدبابات عبر الحروب‏,‏ أو حتي بالمساعدات والإغراءات‏.‏ فلماذا يقبل العالم الإسلامي بما لم تقبله شعوب أخري من قبل؟‏.‏

ثانيا‏:‏ أن قضية الحرية والديمقراطية ليست من القضايا العالقة في العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي وفي المقدمة منه مصر‏.‏ فالديمقراطية شأن من شئون المصريين وهم لايتوقعون أن يلقي عليهم الرئيس الأمريكي في خطابه المرتقب موعظة في فضائل الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان‏.‏ فالمصريون‏,‏ مثل كثيرين في العالم الإسلامي يتوقعون‏,‏ بل ويريدون الرئيس الأمريكي أن يتطرق إلي القضايا التي تمثل الولايات المتحدة طرفا أساسيا فيها‏.‏ أما قضايا الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان فهي ليست محل نقاش مع أطراف خارجية‏.‏

ثالثا‏:‏ إن ورقة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان باتت لبعض الجماعات في العالم الإسلامي أشبه بورق البنكنوت تأتي بالمنح والهبات والمكاسب المادية الهائلة‏.‏ والحكومة الأمريكية تعلم أكثر من غيرها كم أنفقت طوال السنوات الماضية من أجل المؤتمرات والمنتديات والتقارير‏,‏ وتعلم أيضا أنها لم تقدم شيئا للحرية أو للديمقراطية‏,‏ وأن ما تحقق من تقدم في هذه المجالات كان نتاجا لتطور تدريجي مرهون بالإرادة المحلية‏.‏ هذه الجماعات التي أفادت كثيرا من تلك المنح السخية لاتريد لها أن تتوقف ولاتريد أن تفقد أيضا بريقها الإعلامي حين يشار إليها في كل محفل علي أنهم نشطاء الديمقراطية وحقوق الإنسان‏.‏ وهي بإلحاحها علي الرئيس أوباما أن يمارس الضغط والتهديد للمزيد من الديمقراطية إنما تدافع عن مصالحها فلا تتوقف برامج دعم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان‏.‏ ومصر هي أبرز التجارب في هذا المجال‏.‏ فالخطوات التي قطعتها مصر علي طريق التحول الديمقراطي المدروس كانت تتم في إطار منظومة متكاملة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والتشريعية‏,‏ والاجتماعية أيضا‏.‏ هذه الخطوات قطعناها ـ نحن المصريين ـ معا بإرادة واعية ورؤية ثاقبة لكل خطوة نخطوها في هذا المجال‏.‏

ولم يكن لبرامج الدعم الأمريكية تأثير في تلك المسيرة‏.‏ يقول ستيفن كوك الكاتب بمجلة أريبيان بيزنيس إنه ما بين عامي‏2004‏ و‏2007‏ ذهب نحو‏20%‏ من إجمالي المعونة الأمريكية السنوية لمصر إلي دعم الديمقراطية‏,‏ وأن تلك المبالغ أنفقت في مؤتمرات للإصلاح السياسي في المحافظات ولكن بلا جدوي‏,‏ بل إن تلك المخصصات كانت علي حساب برامج خاصة بالزراعة والبيئة والرعاية الصحية وتنمية البنية التحتية‏.‏ ومن أجل ذلك تم إنهاء عدد من البرامج التي كانت تحقق نجاحا كبيرا في تحسين أحوال المزارعين في المناطق الفقيرة‏.‏

رابعا‏:‏ أن المطالبين بالضغط والتهديد بأوراق الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان يريدون العودة بعلاقات الولايات المتحدة مع مصر والعالم الإسلامي إلي الماضي المتوتر الذي جاء أوباما بنفسه لوضع نهاية لسنواته الثماني‏.‏ فقد ظل التوتر في تلك العلاقات يصب في مصالحهم ومصالح من يعملون لحسابهم لتغيير المواقف والاستجابة لمطالب وقفت مصر علي وجه الخصوص ضدها ولم تقايض علي مصالحها ومصالح أمتها‏.‏ فمصر لم تتخل عن موقفها الثابت من القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني السليبة ولم تنل منها ضغوط جاءت من الغرب والشرق وتحملت في سبيل موقفها الكثير من الصعوبات بل والسخافات‏.‏ كما أن المدافعين عن الحرية في الداخل الأمريكي يفتقدون المصداقية‏,‏ فهم الذين يحاصرون الرئيس أوباما لإضعافه في الداخل وإستنزاف قدراته علي التغيير وحملتهم الأخيرة عليه لمنع إغلاق معتقل جوانتانامو سييء السمعة خير شاهد علي مانقول‏,‏ فهم يقودون حملة ضد الحرية بامتياز لمنع إغلاق المعتقلات بلا قانون وتشجيع المحاكم العسكرية‏.‏ إنهم المكارثيون الجدد الذين عادوا من كهوف التاريخ مستبدلين معركتهم القديمة ضد الشيوعية بحرب مقدسة ضد الإرهاب والمتطرفين‏.‏ أسامة سرايا

ومن الغريب أن يستمر الحديث والنقاش حول اختيار القاهرة موقعا لهذا الحدث الفريد في العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي‏.‏ فقد تحدد زمان الخطاب ومكانه وباتت ساعات قليلة تفصلنا عن ذلك الموعد ومازالت هناك أقلام وأصوات في الإعلام العربي والأمريكي تنتقد اختيار القاهرة موقعا لهذا الحدث‏.‏ لم تستطع هذه الأصوات بما ساقته من مبررات أن تخفي كراهيتها وحقدها أن حظيت القاهرة بهذا الاختيار‏.‏ حاولت تلك القوي في كل اتجاه‏.‏ جربت الوقيعة بين القاهرة والرياض وعواصم عربية وإسلامية أخري باستخدام مفاهيم الريادة والقيادة والأدوار الإقليمية‏,‏ وهي لغة أصبحت في ذمة التاريخ‏,‏ فالقاهرة المعاصرة تعرف بدقة معني المكان والمكانة وتتعاطي بواقعية مع مبدأ تكامل الأدوار وتفاعلها وليس صراعاتها كما كان في الماضي أو في زمن المراهقة السياسية‏.‏

فجربت تلك الجماعات أن تنتقد الأوضاع في مصر وحاولت أن تلقي بتلك الاتهامات في وجه الرئيس أوباما فيخشي الحضور إلي القاهرة أو تدفعه إلي صدام وخلاف معها‏.‏ حاولت التهوين من نتائج الحدث ونحن نعرف معناه جيدا فالزيارة لمصر والسعودية تحديدا تعني اعترافا بمكانتهما القديمة ودورهما المستقبلي‏.‏ كما تعني من جانب إدارة أوباما ـ في زمن اشتعلت المنطقة والعالم بحروب الإرهاب والتطرف ـ أنها أنظمة تكافح الإرهاب والتطرف وتعمل علي الاستقرار والتطور‏.‏ ولن تنتهي محاولاتهم حتي بعد أن ينهي الرئيس خطابه المرتقب‏.‏ فمسلسل الأحقاد لن يتوقف طالما بقيت مصر قوية منيعة وطالما بقي الرئيس مبارك عقبة في طريق المغامرين والمراهقين والعابثين السياسيين في المنطقة بأسرها‏.‏ لقد أكسبتنا أحقادهم قوة ومنعة وصلابة وتمسكا بمواقفنا التي حفظت للمنطقة أمنها واستقرارها واحتراما وتقديرا وإجلالا لمن وضع أمننا وسلامتنا هدفا نذر من أجله سنوات عمره‏.‏

يتحدثون عن مصر كدولة عليها ملاحظات ديمقراطية في الصحافة الأمريكية‏.‏ ونحن لم ندع يوما أننا واحة من واحات الديمقراطية ولم نقل يوما أن الديمقراطية تقع خارج قدراتنا أو اهتماماتنا‏.‏ هي اختيارنا وقد مشينا في طريقها خطوات كبيرة وسوف نقطع في الطريق ذاته خطوات وخطوات‏.‏ فاليوم يحكمنا رئيس اخترناه بملء إرادتنا للمرة الأولي في تاريخ طويل يمتد حتي فجر التاريخ‏.‏ عرفنا معه الأمن في الحاضر والأمل في المستقبل والسعي الدءوب من أجل خيرهما معا‏.‏ فالديمقراطية لاتمنع شعبا من التمسك بقيادته ولاء وانتماء وتقديرا وعرفانا‏.‏ لم تذهب في عهده حرية الرأي بقلم واحد إلي غياهب السجون‏.‏

مارسنا حرية التعبير بأوسع معانيها وهي حجر الزاوية في أي ممارسة ديمقراطية‏.‏ لم نعرف غيره رئيسا جاب البلاد شرقا وغربا وشمالا وجنوبا يمسح العرق عن جباه الشرفاء العاملين يبحث في كل شبر عن خير لمصر وأبنائها‏.‏ دافع علي الدوام عن البسطاء وعبر بأمته أزمات تلو أزمات في السياسة وفي الاقتصاد‏.‏ كافح ـ ولايزال يكافح ـ الفقر في بلد محدود الموارد كثيف السكان‏.‏ تحمل في صبر أوضاع منطقة كان التوتر والاضطراب قدرا مفروضا عليها‏.‏ كان مبارك اختيار شعبه وسيظل اختياره‏.‏ ومصر ليست أرضا يحكمها المغامرون والطامحون السياسيون إلي كراسي السلطة‏.‏ حين ولي الحكم في بلادنا كانت الحكمة والواقعية في إدارة قضايا المنطقة فريضة غائبة‏.‏ واليوم أصبح الاعتدال الراية الكبري التي ينضوي تحت لوائها غالبية العرب والمسلمين‏.‏ وأصبح السلام مفردة شائعة ورغبة معلنة للشعوب العربية والإسلامية بعد أن كان لفظا مهجورا منبوذا في مفردات الخطاب العربي والإسلامي‏.‏

الذين يتحدثون عن ديمقراطية مبارك عليهم أن ينظروا في شئون بلادهم وقد عايشت الديمقراطية قرونا‏.‏ فأين كان هؤلاء والديمقراطية تعصف بآمال شعوب آمنة وادعة فأنزلت بهم العذاب والهوان والضياع؟ وأين كانوا وباسم الديمقراطية أودع الآلاف في السجون بلا محاكمة؟ وأين كانوا والمشرعون في بلادهم يعصفون بالحقوق المدنية التي استقرت طويلا؟‏.‏ وأين كانوا وممثلو الشعب عندهم يصفقون لجرائم ساستهم في داخل البلاد وخارجها؟‏.‏ لانريد أن ننكأ جراحا نريد اليوم لها أن تندمل ليطل علينا فجر جديد نسعي فيه معا إلي مستقبل أفضل نسهم فيه سويا في صناعة نسخة جديدة من الحضارة المعاصرة‏.‏

إن خطاب أوباما من القاهرة له أهميته التاريخية‏.‏ فهو ليس مصالحة بينه وبين أبيه أو تاريخه الأسري والشخصي‏,‏ بل إنه سيكشف عن السياسة الخارجية الأمريكية وخياراتها المستقبلية للشعوب العربية والإسلامية بعد مرحلة مريرة عاشتها الحضارة الإنسانية سادت فيها مقولات وخرافات المتطرفين حول الحرب العالمية علي الإرهاب وصراع الحضارات والعداوة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي‏,‏ وتلك كانت غلطة كبري ارتكبتها أمريكا بعد أحداث‏11‏ سبتمبر‏2001‏ الإرهابية المريرة‏.‏

كما نتوقع فيه أن يكشف عن البرنامج الأمريكي للسلام بين العرب والإسرائيليين‏,‏ خاصة أن أيدي العرب ممدودة بالسلام عبر مبادراتهم المعلنة‏,‏ ونعتقد أن أوباما الأمريكي قد اكتشف غلطات بلاده الكبري واكتشف غلطة قديمة عمرها‏60‏ عاما حين قامت أمريكا بتسمين إسرائيل لدرجة أن سياسييها المراهقين الجدد نيتانياهو‏,‏ والمهاجرين حديثا من روسيا مثل ليبرمان يفكرون في التمرد وبناء نفوذ بعيدا عن الأم‏,‏ متصورين أنهم في لحظة فطام تاريخي بين الابن وأمه‏,‏ أو أن الظروف والمتغيرات تهييء لمرحلة جديدة اختلفت فيها الرهانات‏,‏ أو أنهم يدخلون في اختيارات متنوعة مع الرئيس الأمريكي الجديد الذي يبدو قويا كظاهرة تحمل في طياتها ضعفها الكامن أو مخاوفها التي ترجع لأصوله الدينية والعرقية‏.‏

ونحن نعتقد أن المرحلة المقبلة مع خطاب أوباما ستحمل توجهات السياسات الأمريكية المرتقبة‏,‏ وكلها صعبة وشائكة‏,‏ فليست هناك حلول سهلة‏,‏ ونحن لا نفرط في الشك أو في اليقين‏.‏ وإذا كان الرئيس الأمريكي أوباما قد أحسن الاختيار بالبداية الصحيحة والإعلان عن سياساته‏,‏ فنحن ندرك جيدا أن أوباما وحده لن يكون قادرا علي إحداث التغيير الذي ننشده‏.‏

فالعرب مطالبون اليوم‏,‏ أكثر من أي وقت مضي في تاريخهم‏,‏ بأن يتحدوا‏,‏ ويساعدوا أوباما‏,‏ بل ويساعدوا أوروبا بالضغط علي إسرائيل بقدرتهم علي التنسيق فيما بينهم‏,‏ وبقدرتهم علي توحيد صفوف الفلسطينيين‏,‏ وحشدهم نحو الوحدة والتغيير‏,‏ ليكون الجميع قادرين علي تحمل تبعات مرحلة جديدة تقول مقدماتها ونواياها إنها صحيحة وطيبة‏.‏ ويبقي اختيار الجدية والقدرة علي التنفيذ‏,‏ وأن يدفع كل طرف استحقاقات ما يطمح ويتطلع إليه‏,‏ فليس هناك شئ مجاني أو بلا ثمن‏,‏ إلا الفشل والضياع الذي يدفع إلي الحروب والتهلكة والتطرف والإرهاب والكثير من المخاوف‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى