مقالات الأهرام اليومى

العرب والمسلمون خطاب أوباما من القاهرة

لم يسبق أن ترقب المسلمون في العالم خطابا لأي رئيس أمريكي مثلما هو الحال مع الخطاب المرتقب للرئيس باراك أوباما في القاهرة الخميس المقبل‏.‏ هناك تفاؤل مفرط وشك مفرط‏,‏ ولكن الغالبية العظمي من المسلمين تترقب في أمل أن يتمكن الرئيس الجديد من تجسير فجوة اتسعت طوال السنوات الثماني الماضية حتي باتت تهدد مصالح الجميع‏.‏ والأسباب كثيرة‏..‏ فالرئيس الأمريكي هذه المرة رجل من طراز مختلف‏,‏ وذو خلفية مختلفة عن كل الرؤساء الذين سبقوه‏,‏ فلقد جاء بأحلام وأفكار ذات نزعة إنسانية تبدد سحبا كثيفة من الشكوك والغضب زرعتها إدارة جورج بوش السابقة في سماء العالم الإسلامي. أسامة سرايا

ووصل أوباما إلي سدة الحكم وعلاقات أمريكا بالعالم الإسلامي في أسوأ حالاتها منذ ظهور الدولة الأمريكية‏.‏ ورحلت إدارة بوش في الوقت الذي مازالت فيه بقايا جرائمها ماثلة في كل العالم‏,‏ وعلي وجه الخصوص في منطقتنا العربية وعالمنا الإسلامي‏.‏ ثم إن الرجل اختار أهم العواصم الإسلامية والعربية مكانا لخطاب يدشن به فصلا جديدا من العلاقات بين الجانبين‏,‏ وهو حدث أيضا غير مسبوق في تاريخ تلك العلاقات‏.‏ فالتوقعات هائلة‏,‏ ويمكن أن تنتهي إلي أمل جديد يمهد الطريق أمام حلول حقيقية لمشكلات وأزمات واحتقانات‏,‏ وقد تنتهي إلي إحباطات تهدد مستقبل السلام والأمن في العالم‏.‏

إن اختيار القاهرة لإطلاق سياسة أوباما الجديدة نحو العالم الإسلامي كله‏..‏والمنطقة العربية والشرق الأوسط بوجه خاص‏,‏ لم تسعدنا نحن المصريين والعرب فقط‏,‏ وإنما أسعدت الكثيرين في العالم الإسلامي‏.‏ ففي القاهرة تتلامس مراكز الدائرتين العربية والإسلامية أكثر مما تتلامس في أي عاصمة عربية أو إسلامية أخري‏,‏ ثم إن اختيار القاهرة لايستند فقط إلي العطاء الفكري والحضاري التاريخي لمصر‏,‏ وإنما يستند أيضا إلي ما يمكن أن تقوم به مصر في تعزيز العلاقات بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة في المستقبل‏,‏ فالاعتدال الديني والسياسي والقوة التي أظهرتها مصر في ترسيخ مفاهيم السلام‏,‏ وتجربتها وخبراتها في لجم قوي التطرف الديني والسياسي‏..‏ كلها تؤهلها لدور فعال في مستقبل العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب بصفة عامة‏.‏

ولعل الرئيس أوباما وأعضاء إدارته يعرفون اليوم جيدا أن المواقف والخبرات والنصائح التي قدمتها القاهرة‏,‏ وتحديدا الرئيس حسني مبارك للإدارة الأمريكية السابقة كانت كفيلة بمنع التدهور الذي جاءت به السياسة الأمريكية إلي المنطقة طوال العقدين الماضيين‏,‏ وفي النهاية يقف أوباما في القاهرة الخميس المقبل ليخاطب سدس سكان العالم‏,‏ وهي فرصة فريدة في التاريخ سوف يقرر هو نفسه وبلاده مصيرها‏.‏

حين يقف أوباما يخاطب المسلمين من القاهرة فإن الدول والحكومات والقوي السياسية بل والأفراد من المسلمين يتطلعون إلي أن يتضمن الخطاب قائمة الآمال المعلقة علي الرئيس الجديد وإدارته‏.‏ وهي آمال لن تحققها فقط بلاغة الكلمات‏,‏ وإنما تحققها النيات الجادة والتعهدات والسياسات العملية القادرة علي مواجهة تحديات الواقع الذي أصبح بفعل السياسات الأمريكية السابقة معقدا‏.‏ فلا أحد من المسلمين الذين يخاطبهم يريده أن يتخلي كثيرا أو قليلا عن مصالح بلاده‏.‏ ولكن الجميع يعلمون أن مساحات المصالح المشتركة للأمريكيين والمسلمين واسعة‏,‏ وربما أوسع كثيرا من مساحات مصالح طرف دون الآخر‏.‏

مواجهة العداء للإسلام في الغرب

وفي مقدمة ما يريده المسلمون من الولايات المتحدة أن تعمل بكل وسيلة ممكنة علي إعادة صياغة الفهم والوعي الغربي بحقيقة الإسلام وغايات المسلمين‏,‏ فالعداء للإسلام في الغرب بات أوضح من أن ينكره أحد‏,‏ بل إن تأجيج مشاعر العداء لهذا الدين أصبح وسيلة سياسية لكثير من القوي السياسية وجماعات المصالح في الغرب‏,‏ وهي مشاعر كفيلة بإجهاض أي محاولة جادة لتحسين العلاقات بين الجانبين‏,‏ وأحسب أن الحكومة الأمريكية وحكومات الغرب بمقدورها أن تساعد كثيرا في تنقية صورة الإسلام مما لحق بها‏,‏ والتخلص من الصور النمطية للمسلمين في الوجدان الغربي‏

خاصة أن بعض السياسيين قد أسهموا في تأكيد تلك التصورات المغلوطة عن الإسلام والمسلمين‏,‏ والرئيس أوباما لا تنقصه المعرفة العميقة بجوهر الإسلام ورسالته ودعوته الخالدة للتعايش الآمن والسلام بين الناس‏,‏ كما أنه لايفتقر إلي معرفة واعية بحقيقة ماقام به المسلمون عبر التاريخ لدفع مسيرة الحضارة الإنسانية في جوانبها المادية والفكرية والروحية خطوات واسعة إلي الأمام‏.‏ فالأخطاء التي خرجت من العالم الإسلامي كانت مثل غيرها أخطاء قلة لاتعبر عن الإسلام ولا عن جموع المسلمين‏.‏

وتاريخ الغرب مملوء أيضا بانحرافات وأخطاء لاتتحمل الحضارة الغربية أوزارها وسوف تمهد مساعي حكومات الولايات المتحدة والغرب في هذا الاتجاه الطريق كثيرا أمام تعاون بناء وفهم متبادل يقوض فرص المتطرفين علي الجانبين‏,‏ ويدفع بقدرات الجميع نحو مواجهة الأخطار التي تهدد أمن الجميع في هذا العالم‏.‏

القضية الفلسطينية في المقدمة‏..‏ والعرب هم المعنيون أولا

وتأتي القضية الفلسطينية في مقدمة كل القضايا الماثلة في العالمين العربي والإسلامي‏,‏ وسوف تظل هذه القضية هي المحك الرئيسي الذي يختبر العالم الإسلامي فيه السياسة الأمريكية الجديدة‏.‏ فلقد تركت ستون عاما ظلالها الكئيبة علي كل شعوب المنطقة سياسيا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا‏,‏ واستنزفت جهود الجميع‏,‏ ولم تصل إلي تسوية تكفل الأمن والسلام للجميع‏,‏ ويدرك العرب والمسلمون حقيقة أن القضية لم تصل ولن تصل إلي حل دون موقف أمريكي عادل بين أطراف الصراع‏,‏ وسوف يظل الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية حجر الزاوية في بناء أي علاقات إيجابية بين الولايات المتحدة والعالمين العربي والإسلامي‏.‏

ودون حل عادل ودائم يعيد الحقوق لشعب طرد من بلاده وشرد علي الأطراف من أرضه وفي الأصقاع من العالم‏,‏ فإن المنطقة سوف تزداد اضطرابا‏,‏ وتواجه المصالح الأمريكية المزيد من التهديدات‏,‏ علي أن القضية الفلسطينية ـ وهي قضية عربية في المقام الأول ـ قد تحظي بتعاطف المسلمين أو تضامنهم أو دفاعهم عن الحقوق السليبة فيها‏,‏ ولكنها قضية نظام إقليمي عربي لم يوجد بعد في العالم الإسلامي‏,‏ فالعرب هم المعنيون أكثر من غيرهم بالقضية الفلسطينية‏,‏ وهم الأطراف المنوط بهم التفاوض بشأنها والتعامل المباشر معها‏,‏ وهؤلاء العرب الذين هم جوهر الصراع لن يقبلوا بأقل من دولة فلسطينية يستعيد فيها الفلسطينيون هويتهم‏ ويحققون فيها أحلامهم وآمالهم وينتظمون في موكب الحياة مع شعوب العالم‏,‏ ولن يقبلوا بموقف أقل من أن يلجم التطرف الإسرائيلي الذي بات يهدد المنطقة بأسرها‏.‏ فالتطرف الإسرائيلي يولد تطرفا علي الجانب الآخر‏,‏ وبذلك تدخل المنطقة في دائرة جهنمية من التطرف والتطرف المضاد‏,‏ وعلي الولايات المتحدة أن تساعد فعليا في بناء ودعم تحالف سياسي معتدل يقر الحقوق المشروعة‏,‏ ويقوض فرص المتطرفين في نشر الفوضي في المنطقة علي الجانبين‏.‏

والحقيقة هي أن التطلع إلي موقف أمريكي مختلف من القضية الفلسطينية يرتبط في الأساس بمدي التغيرات في السياسة الأمريكية في المنطقة وفي العالم بوجه عام‏,‏ فإذا كانت أمريكا حقيقة راغبة في التخلي عن نهج الإدارة الأمريكية السابقة في إدارة شئون العالم‏,‏ باعتباره ولايات تابعة لها تفرض عليها ما تشاء‏,‏ وعازمة أيضا علي إحلال التشاور محل فرض المواقف علي الحلفاء‏,‏ فإن المسافات الفاصلة بين الولايات المتحدة وبين قوي الصراع في الشرق الأوسط سوف تتقارب لتمنع التحيز الواضح الذي ميز الموقف الأمريكي خلال نصف القرن الماضي‏.‏

الأزمات والتوترات من العراق إلي باكستان وأفغانستان

وفي مناطق أخري من العالم الإسلامي هناك الكثير من التوترات والأزمات التي سببتها سياسات الإدارة الأمريكية السابقة في العراق وباكستان وأفغانستان وصولا إلي تداعيات السودان‏..‏ وتفكك الصومال‏,‏ ويتطلع المسلمون في هذه المناطق وغيرها إلي أن تضع الولايات المتحدة نهاية لما سببته من آلام ومشكلات‏.‏ ولن تستطيع الولايات المتحدة معالجة تلك الأزمات دون تجاوب عربي وإسلامي‏.‏ فالقوة العسكرية وحدها لم ولن توجد حلولا ناجعة لتلك الأزمات‏.‏ ولابد أن يتضمن خطاب الرئيس أوباما ما يشير إلي عزم الولايات المتحدة إعادة الأمن والسلام إلي المناطق الملتهبة في العالم الإسلامي وكيفية تحقيق ذلك‏.‏ فخلال العقد الماضي انحصرت تقريبا بقاع التوتر والصراع في أراضي المسلمين‏,‏ حيث يسقط المئات من الضحايا يوميا‏.‏ وهذا الانتشار الجغرافي للتوتر لايمكن أن يكون نتيجة للمصادفة‏,‏ وإنما يدركه المسلمون علي أنه توجه أمريكي نحو بلاد المسلمين‏.‏ وإذا لم تسرع الولايات المتحدة بخفض مستويات التوتر في المنطقة‏,‏ خاصة أنها طرف أساسي في هذه التوترات‏,‏ فإن مصداقية الرئيس الجديد سوف تواجه الكثير من المشكلات‏.‏

ملف إيران والأسلحة النووية في الشرق الأوسط

أما بالنسبة للملف الإيراني ومشكلاته مع أمريكا والعالم‏,‏ والخاصة بالسعي الإيراني لامتلاك أسلحة نووية‏,‏ فإن المقاربة الأمريكية عبر التفاوض والبعد عن استخدام القوة سيفقدان المتطرفين في إيران الكثير من أسلحتهم‏,‏ كما يجب أن تعترف أمريكا بأن إيران قد بدأت قوتها تزداد ونفوذها يتجدد علي حساب المصالح العربية جراء أخطاء أمريكا في المنطقة‏,‏ خاصة في العراق‏,‏ ونتيجة لاستمرار عدوانية الاحتلال الإسرائيلي واستمرار احتلال الأراضي العربية‏,‏ فكلها نقاط ضعف في جسم المنطقة استغلتها السياسة الإيرانية للتمدد في المنطقة‏,‏ والسعي لاستخدامه عبر المقايضة كأوراق لعب سياسي مع أمريكا في الوقت الذي يناسبها‏ ولاشك أن الفصل بين القضايا وبعضها البعض سيكشف كل الأوراق والقضايا الصعبة والمتشابكة‏,‏ كما أن اعتراف أمريكا وسعيها لتجنيب الشرق الأوسط كله الوقوع فريسة للتسابق النووي يجعلنا نطالبها بأن تكون دعوتها لإيران وإسرائيل في الوقت نفسه إلي احترام خصوصية تلك المنطقة بالتخلص من الأسلحة النووية‏,‏ وأن تحترم الدولتان دول المنطقة‏,‏ خاصة العربية منها بإعلان الشرق الأوسط منطقة محظور فيها تطوير وامتلاك أسلحة الدمار الشامل

ووضع نظام دولي حاكم وعقوبات للتفتيش علي الدول التي تملك إمكانات في هذا المجال‏,‏ وبالقطع سيكون علي رأسها إسرائيل وإيران‏,‏ وبالتالي يكتسب أوباما وأمريكا مصداقية لدي العالمين العربي والإسلامي‏,‏ وألا يقع في دائرة الاتهام والكيل بمعايير مزدوجة لا تؤدي إلا إلي رفض إقليمي وإلي مزيد من التطرف والإرهاب‏.‏

وبعيدا عن القضايا والأزمات التي فرضتها الإدارة السابقة علي العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي‏,‏ وما خلفته رواسب عملية‏11‏ سبتمبر عام‏2001‏ الإرهابية‏,‏ وما تحملته الشعوب العربية والإسلامية من تبعات ظالمة بلغت حدود الاضطهاد واسع المدي وما سببته من ظهور مايطلق عليه الإسلاموفوبيا‏,‏ يدفع ثمنه المسلم العادي في المطارات والمواني في أمريكا والدول الأوروبية وتدفعه كذلك الحكومات العربية والإسلامية‏,‏ هناك الكثير من الموضوعات التي يمكن أن تسهم في تصحيح مسار العلاقات بين الجانبين‏.‏

ومن أبرزها قضية نشر الديمقراطية التي استخدمت من قبل وسيلة للتهديد والابتزاز في المنطقة لتحقيق الأحلام غير المشروعة للإدارة السابقة‏.‏ فالديمقراطية تظل حلما لدول المنطقة وشعوبها‏,‏ وهي بحاجة إلي دعم من القوي الديمقراطية الكبري‏.‏ ولكن القضية العادلة بحاجة إلي دعم عادل ورشيد أيضا‏,‏ إذ لن تدخل الديمقراطية العالم الإسلامي من باب الفرض والتهديد بالعقوبات‏,‏ ولكنها تأتي بالتهيئة والإعداد والتطور الذي يساعد علي تجنب المغامرات والمخاطرات والوقوع في الفوضي‏,‏ وتحسين فرص التكيف الاجتماعي والثقافي مع ما تتطلبه الممارسة الديمقراطية وتطورها‏.‏

فكثير من شعوب العالم الإسلامي تعيش بالحدود الدنيا من الأمن والاستقرار الاقتصادي والسياسي‏,‏ ولايمكن المجازفة بممارسات الديمقراطيات الغربية التي تطورت عبر قرون ليتم اختزالها في بضع سنوات‏.‏

وهناك أيضا تحديات التنمية في نطاق واسع من العالم الإسلامي‏.‏ وربما كانت الأزمة الاقتصادية الراهنة فرصة غير مواتية للحديث عما يمكن أن تقدمه للعالم الإسلامي من أجل التنمية‏,‏ ولكن الولايات المتحدة مازالت قادرة علي تقديم الكثير من العون للمناطق الأشد فقرا في العالم الإسلامي ليس من باب المعونات‏,‏ ولكن هناك الكثير من الإمكانات التي يمكن أن تساعد بها الولايات المتحدة شعوب العالم الإسلامي في صراعها ضد الفقر والعوز‏.‏ فقد أنفقت أمريكا في بلاد المسلمين أموالا هائلة لتمويل عمليات عسكرية أصابت الاقتصاد الأمريكي بالعجز‏,‏ وأضعفت قدرات البلاد الإسلامية علي مواصلة جهود التنمية‏.‏

إن التوقعات بشأن خطاب أوباما في القاهرة تستدعي الكثير من القضايا والموضوعات‏,‏ ولكنها تظل وليدة أزمة أمريكية واحتقان في العالم الإسلامي‏,‏ ونأمل أن يبعث الخطاب الأمل في علاقات جديدة‏,‏ تسهم في تصحيح الأوضاع العالمية التي تدهورت كثيرا‏.‏

osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى