مقالات الأهرام اليومى

الشــرق الأوســط بين صوت العقل وصخب الشعارات

يشهد الواقع ويذكر التاريخ أن مساحة الحكمة والعقل التي تقودها مصر‏,‏ في سياسات الشرق الأوسط تتسع اليوم شيئا فشيئا برغم الضجيج والصخب المصاحب لحملة الشعارات والمغامرين الجدد المتاجرين بقضايا المنطقة ومصائرها من أطراف المحور الإيراني‏.‏ ويشهد الواقع ويذكر التاريخ أيضا أن رجلا واحدا كان وراء اتساع مساحة العقل والرشاد والواقعية في ضمير ساسة وشعوب المنطقة علي السواء‏.‏ هذا الرجل هو الرئيس محمد حسني مبارك‏,‏ فحينما تولي الحكم في مصر كان هو صوت العقل ومستلهم متغيرات الواقع والعصر وسط ضجيج من الشعارات لاينتهي‏,‏ وكان الاحتكام إلي العقل في المنطقة كفرا وكانت الواقعية في السياسة خيانة وكان السلام أسوأ ما عرفته المنطقة من مصطلحات في تاريخها المعاصر‏.‏
أسامة سرايا

لقد وقفت في ذلك التاريخ حدود البطولة عند بلاغة الشعارات وقدرتها علي استثارة الحماسة والغضب معا ولم يكن هناك من يتصور أن العرب يمكن أن يطرحوا يوما مبادرات للسلام وأن يكون التفاوض مقبولا لاستعادة الحقوق‏,‏ ولم يكن متصورا أن يظهر يوما في العالم العربي تيار عقلاني يري الأمور في بلاده ومن حوله بمنطق مخالف لحقبة كاملة سادت فيها عقلية عنترة وحرب داحس والغبراء‏.‏

فالمعركة ليست بين معتدلين وممانعين‏,‏ بقدر ما هي معركة بين تيار العقل والفعل‏,‏ وأصوات تعتمد علي الفوضي وصناعة الفتن والمؤامرات وتحميها الشعارات‏.‏

وأصبح الضمير السياسي العربي اليوم أكثر وعيا بحقائق الأوضاع علي الأرض وأكثر وعيا بما يراد به وله من المزايدين والمتاجرين بالقضايا والدين معا‏,‏ ولم يكن التغيير الذي أصاب العقل السياسي العربي سهلا ولا ميسورا‏,‏ فأصحاب الحناجر علي الدوام هم الأعلي صوتا والأكثر قدرة علي استثارة مخزون عاطفي حاضر وجاهز للاستثارة في شوارع العالم العربي‏,‏ ولكن صمود تيار العقلانية والواقعية السياسية أتاح لأجيال أكثر تعليما وفهما وإدراكا أن تعيد النظر فيما تقتات به من شعارات لم تمكنهم من الحصول علي شيء مما يريدون‏.‏ وأن تطرح أمامهم بديلا آخر يحتكم إلي دروس التاريخ وحقائق الجغرافيا وتغيرات السياسة في العالم المعاصر‏,‏ فلقد أصبح هذا الجيل يتندر بشعارات الأمس التي كنا نراها مقدسة لايجوز الخوض فيها‏.‏

كانت الحرب علي لبنان وغزة اختبارا قاسيا لصراع حتمي بين التيارين كتب فيه النصر في النهاية لمن وقفوا يواجهون الموقف علي الأرض بواقعية تستند إلي الخبرة والحكمة معا‏,‏ حيث اكتشفت قطاعات واسعة من الرأي العام العربي بعد أن توقفت المعارك أن حسابات المكسب والخسارة ضرورية لتقييم ما حدث في لبنان وغزة‏.‏

وأن القوة التي قدمت الدعم الحقيقي في الحالتين هي القوة التي انتصرت للواقعية والحكمة السياسية‏,‏ وكذلك فإن التشويش السياسي الذي مارسه المتاجرون بالدين من أهل السنة في بلاد العرب أو من الشيعة في إيران تراجع تأثيره وأصبح العقل العربي أكثر منعة وقدرة علي فرز صحيح الدين عن دجل السياسة‏..‏ هذا التطور الهائل الذي أحدثه الرئيس مبارك طوال السنوات الماضية في الضمير السياسي العربي يمثل نقلة نوعية في مساعينا القادمة دوليا وإقليميا وقطريا‏.‏

………………………………………………………‏

ولست أدعي أن صخب الشعارات السياسية قد انتهي في منطقة مأزومة تحيط بنا‏,‏ ولكنه اليوم أقل قدرة علي التأثير عما كان‏.‏ فمازالت هناك قوي تقف وراءه داعمة له‏,‏ لأنه التيار الوحيد الذي يحقق لها مصالحها‏,‏ وكلما سقطت تلك الراية في مكان ارتفعت في مكان آخر‏..‏ تباينت الرايات والهدف واحد‏.‏ فالراية اليوم وللمرة الأولي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ترفعها قوة غير عربية ولأهداف أصبح معروفا للجميع أنها ليست عربية أو إسلامية‏,‏ فلم تكن إيران يوما في تاريخنا الحديث قبل حكم الملالي وبعده قوة تدعم قضايانا وتساند مساعينا في حل مشكلاتنا‏..‏ إنها تخرج اليوم عن عزلتها التي فرضتها علي نفسها‏,‏ لأنها وجدت في أوضاع العرب ثغرة تنفذ منها إلي تجديد أحلام الهيمنة والسيطرة القديمة وإعادة بعث الإمبراطورية الفارسية القديمة‏,‏ ولقد بات واضحا اليوم أن إيران تسعي بلا هوادة نحو تفجير الغضب العربي في كل موقف‏,‏ فتعميق الغضب العربي يساعد إيران علي مواجهة الولايات المتحدة والغرب بمحاولة تحريك الشارع العربي ضدهما‏,‏ ولا مصلحة للعرب في كل ما تسعي نحوه إيران‏.‏

واصطدمت إيران بواقعية مبارك وحكمته ووعيه والتيار الذي عمل سنوات طويلة في تطويره فأصبح عقبة تحول دون تمدد نفوذها‏.‏فاختارت أن تدخل من الأبواب الخلفية في العالم العربي لكي تنشر أفكارها وتهييء لنفسها قواعد وحلفاء في كل أرض عربية يمكن النفاذ إليها‏,‏ ووسيلتها في هذا التسلل هي الدعاية والتحريض ودعم الجماعات الموالية لها والدعم المالي للفقراء من طوائف الشيعة عبر تركيبة معقدة من وسائل تهريب ما يسمي المال الطاهر وحفز طاقاتهم لتحقيق بعض المطامح الطائفية اللازمة لإثارة الاضطرابات والضغط بعد ذلك علي الحكومات‏.‏

ومازالت إيران حتي اليوم تتجرع مرارة فشل الاختراق في بعض الدول العربية‏,‏ ولكنها مازالت أيضا تحاول‏,‏ من باب الاستغلال لنقص الوعي في بعض المناطق حينا واستثمار طموحات بعض القوي السياسية حينا آخر‏.‏

………………………………………………………‏

فالذي تفعله إيران في اليمن والسودان والمغرب العربي هو نموذج للحالة الأولي‏,‏ والذي يربط بين الجماعة المحظورة وإيران هو نموذج للحالة الثانية‏.‏

في اليمن أصبح من الثابت أن الدماء اليمنية تسيل بفعل المال المسمي الحلال الشيعي القادم من إيران أو بتوجيه من زعاماتها الدينية‏,‏ وحينما أرادت إيران التسلل إلي جنوب الجزيرة العربية فإنها وجدت ضالتها في الحوثيين من سكان جبال صعدة وهم ينتمون للجارودية التي قدمت رؤية دينية متطرفة أقرب إلي عقائد الإثني عشرية في تفسيرها للتاريخ الإسلامي‏.‏ وحينما بدأت المواجهة بين الحوثيين والدولة في اليمن ظهرت شعارات الثورة الإيرانية وحزب الله لتكشف عن موطن جديد من مواطن تصدير الثورة الإيرانية في المنطقة‏,‏ وأصبح هدف تلك الحركة هو إضعاف الدولة والنظام في اليمن واستنزاف موارد الدولة اليمنية وتحويل اليمن إلي ساحة لصراع الطوائف وإدخال البلاد في نفق مظلم يهدد مستقبل الدولة والمنطقة‏.‏

وحينما كادت الدولة في اليمن تقضي علي الحركة تقدمت قطر بعرض للمصالحة بين الطرفين باقتراح إيراني‏.‏ وفشلت المصالحة وظلت حركة الحوثيين تهدد استقرار اليمن بمخططات إيرانية ومال طهران الذي يوصف بالطهارة‏..‏ وتقدمه مؤسسات المجتمع الأهلي التابعة لولاية الفقيه التي تسمي البنياد‏,‏ ولاندري أي مال ذلك الذي يستخدم في سفك دماء الأبرياء ونشر الفتنة والاضطراب ويوصف بأنه مال طاهر‏.‏ وفي العراق ولبنان وسوريا وفي غيرها أصوات تردد شعارات الثورة الإيرانية بحكم الولاء القائم بينها وبين ملالي إيران‏.‏

أما جماعات الطموح والمغامرات السياسية فإنها تبدي شيئا من التعاطف مع الاستراتيجية الإيرانية في محاولة لتحقيق أكبر قدر من الفوائد وركوب موجة خادعة من شعبية شعارات الثورة‏.‏ ولعل أبرز مايذكر في هذا المقام ما قاله المرشد العام للجماعة المحظورة دفاعا عن حزب الله وفعلته الشنعاء في مصر‏.‏ فقد ردد أقوالا تفتقد إلي الحد الأدني من الوعي بحقائق الأوضاع في المنطقة ولايستحق حتي عناء الرد عليه‏,‏ ومثل المرشد العام ومثل منصاته الإعلامية هو بالضبط ما تريده إيران‏..‏ خطاب زاعق يدغدغ مشاعر الجماهير في الوقت الذي تتبني فيه خطابا آخر وراء القاعات المغلقة يناسب الساسة والدبلوماسيين‏.‏

………………………………………………………‏

إن الرهان الإيراني في العالم العربي اليوم هو تكثيف العمل في الدول التي يساورها الخوف من إيران واتباع سياسة التهدئة معها بدلا من المواجهة‏.‏ هذه الدول تعلم أنها ستضطر يوما للمواجهة ولكن بعد أن يؤمن الخوف الراهن المزيد من النفوذ لإيران في المستقبل‏,‏ ولابد أن يعي العرب حقيقة أن الاستراتيجية العامة للنظام الإيراني اليوم هي نقل المواجهة مع الولايات المتحدة والغرب والعرب أنفسهم إلي خارج الحدود الإيرانية وأن تصدير الثورة أصبح ضمانة كبري لاستمرار نظام الملالي‏.‏ والموقف العربي المدرك لحقيقة النيات الإيرانية كفيل بإعادة مشكلات إيران إلي داخلها‏,‏ وحينها لن تصمد الأحلام الإمبراطورية ولن يبقي نظام الملالي نفسه‏.‏

………………………………………………………‏

لقد أصبح الوعي السياسي العقلاني المتزايد في العالم العربي مصدرا لقلق الساسة في إيران‏.‏ فالمحاولات المستمرة لإيران في مصر كان مصيرها الفشل‏.‏ ولعل موقف المصريين من أحداث غزة ووقوفهم خلف موقف الرئيس مبارك كان لطمة هائلة منيت بها السياسة الإيرانية التي راهنت علي تفجير الغضب المصري كمقدمة لألاعيب وأهداف أخري‏.‏ والحقيقة أن المساعي الإيرانية لإيجاد مساحة للنفوذ الإيراني في الشارع المصري لن تتوقف‏,‏ مستخدمة في ذلك بعض مواليها من فقهاء الإعلام السياسي الذين يمرحون في الحرية المتاحة‏,‏ ومصر أكبر من أن تتحول علي أيدي الملالي إلي دولة شيعية‏..‏ ولكن الغاية من ذلك عند الملالي هي أن تمسك إيران بورقة تمارس بها ضغطا علي الحكومة المصرية لتخفيف موقفها المناوئ لتمدد النفوذ الإيراني في المنطقة‏.‏ ولكن التطور في مستويات الوعي السياسي المصري جدير بإحباط أحلام إيران ومخططاتها‏.‏ وكذلك الأمر في العديد من الدول العربية الكبري التي باتت أكثر معرفة بمرامي ساسة طهران نحو المنطقة والعرب بصفة خاصة‏.‏ فتمدد إيران في آسيا محاط بقيود كثيرة وليس أمامها سوي المنطقة العربية المليئة بالتناقضات التي تسهل مهمتها‏,‏ وقد استطاعت أن توجد لها موضع

قدم في سوريا ولبنان وغزة وتحاول تقويض الجهود المناوئة لها باستخدام وجودها في هذه الدول‏.‏ ولكن تنامي الوعي العربي سوف يجهض في النهاية تلك المساعي الإيرانية ليردها إلي داخل حدودها في نهاية الأمر مجبرة علي التعايش السلمي مع شعوب المنطقة‏,‏ ولتفعل إيران ما تريد فليس بوسع أحد أن يردها عن أحلامها القديمة التي تسكن ضمير وعقل الملالي‏.‏ ولكن الواقع العربي وحده هو القادر علي أن يجعلها أحلام يقظة تداعب الشعوب وقت الأزمات والانتكاسات فتفرج عن نفسها ما بها من إحباطات‏.‏

إن التيار العقلاني العربي هو القادر في نهاية الأمر علي عبور أزمات العرب بأقل قدر من الخسائر وتهيئة المناخ لتنمية حقيقية ومواجهة فاعلة لمشكلات طال أمدها في المنطقة‏.‏ فالأحداث في المنطقة تدعم هذا التيار لولا محترفو التضليل في الانفجار الإعلامي العربي‏,‏ ومن حسن الحظ أن تأثير هذا التضليل لايستمر طويلا‏.‏ ففي كل حدث تتكشف الحقيقة ولو بعد حين‏.‏

osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى