مقالات الأهرام اليومى

مابعد خطاب أوباما أوهــام نيتانياهــو‏..‏ وخسائر خامنئي ـ نجاد‏!‏

اوباما ـ نيتانياهو ـ نجاد ـ خامئنى أسامة سرايا
اوباما ـ نيتانياهو ـ نجاد ـ خامئنى

عندما يرصد السياسيون ما حدث في الشرق الأوسط بعد خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما في جامعة القاهرة يوم‏4‏ يونيو الحالي للعالمين العربي والإسلامي‏,‏ يجدون متغيرات كثيرة أهمها‏:‏ ما حدث في إيران‏,‏ وخطاب نيتانياهو حول القضية الفلسطينية‏,‏ الذي اعترف فيه بالدولة الفلسطينية ووضع لها شروطا تنسف الاعتراف‏,‏ وبالنسبة لإيران فعلي الرغم من فوز أحمدي نجاد فإنه جاء فوزا منقوصا‏,‏ حيث أحدث شرخا حادا في النخبة الدينية الحاكمة‏.‏ ولم يؤد إلي انكشاف الوضع الإيراني الداخلي أمام دول العالم الكبري فقط‏,‏ ولكن الأهم أمام الإيرانيين وفي المنطقة العربية والإسلامية‏,‏ فلم يعد في مقدور نظام الملالي أو الولي الفقيه أو أنصارهما أن يتشدقوا بالحرية أو النزاهة‏.‏

فالنخبة الحاكمة انقسمت علي نفسها‏,‏ وكشفت المستور بينها أمام الرأي العام داخليا وإقليميا وعالميا‏,‏ وهو ما يجعلنا نقول بكل اطمئنان إن الوضع في إيران لن يعود إلي سابق عهده علي الإطلاق‏,‏ وإن القوي المتطلعة إلي التغيير لم تخسر جولة‏,‏ ولم تكسبها نهائيا‏,‏ ولكنها استطاعت أن تثبت قدرتها وتستعرض مكانتها‏,‏ والأهم أنها أصبحت تخيف المرشد والرئيس الذي اختاره‏,‏ وأصبح عليهما الآن أن يضعا المضطهدين والمهمشين من القوميات والسنة العرب الإيرانيين في حسابهم‏,‏ وأن يدركا مخاطر السياسات الأمنية والاقتصادية التي يسيران فيها علي مستقبل إيران‏,‏ وأن يعرفا أن الشباب والنساء والعاطلين عن العمل‏.

أصبحوا قوة لا يستهان بها ولها مطالبها‏,‏ وسوف تضعها علي مائدة السياسات‏,‏ بل إنها تستطيع أن تفرضها وأن تنتزع القرار‏,‏ وعلي خامئني ونجاد وفريقهما أن يضعوا خلافاتهم مع رافسنجاني وخاتمي وموسوي في مكانها الصحيح‏,‏ إلي جوار المظاهرات والتنديد الذي أصبح يحظي به النظام كله وليس فريقا دون الآخر‏,‏ والذي أعاد لذاكرة الإيرانيين عشية‏1979‏ عودة الخوميني من باريس وهروب الشاه من إيران‏,‏ وأن يتذكروا صورة لاعبي الفريق الإيراني للكرة وهم يضعون الشارات الخضراء وكأنهم يسجلون أهدافهم وحركاتهم في الملعب في مرمي الفريق الحاكم‏,‏ ليتذكروا أنهم لم يعودوا وحدهم في الملعب وأن الشركاء الجدد علي الساحة سوف يحاسبون الجميع لكي يتذكروا أن إيران التي عرفوها بعد الثورة وسيطرة الخومينية علي الحكم لم تعد وحدها علي المسرح الذي تغير كثيرا‏,‏ وهذه الأحداث ماهي إلا مقدمة لما سيأتي بعدها‏.‏

أما بالنسبة لخطاب نيتانياهو في جامعة بار إيلان‏,‏ الذي حاول فيه أن يرد علي خطاب الرئيس أوباما في جامعة القاهرة‏,‏ فلقد اختار الجامعة الوحيدة في إسرائيل التي افتتحت كلية في إحدي مستوطنات الضفة الغربية لكي يلقيه منها مما جعل الجامعات الأوروبية خاصة البريطانية تقاطعها‏,‏ ولكنه حاول أن يكون متوازنا في الشكل‏..‏ فمع تطرف الجامعة‏..‏ كان خطابه في مركز السادات ـ بيجين في إشارة لاتخطئها العين باحترام اتفاقيتي السلام مع مصر والأردن‏,‏ واللتين يريد أن يكررهما مع الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين ثم مع العرب كلهم‏.‏

……………………………………………………‏

وبالعودة إلي خطابه وتحليله‏,‏ فلقد جاء بعد‏10‏ أيام من خطاب أوباما وكان مضطرا إلي أن يلعب نفس لعبة أوباما‏,‏ وأن يخطب عبر منبر عام وكأنه يريد أن يقول إنه يحترم قواعد اللعبة الأمريكية الجديدة والرأي العام‏,‏ وها هو يخاطب الجميع بالاحترام ويحاول جاهدا أن يكون رجل سلام‏,‏ وليس رجل حرب‏,‏ وللجميع أن يفتح فاه منتشيا أو مندهشا ورئيس الوزراء يصف نفسه بأنه رجل سلام في إسرائيل وكأنه يستغرب ذلك‏,‏ وليس رجل حرب‏!‏

أما مضمون الخطاب‏,‏ فليس جديدا علي الإطلاق‏..‏ نفس شروط اليمين الإسرائيلي للسلام وكانت الصورة كاشفة وكأن الرئيس أوباما يعرف المقدمة‏,‏ فلم يغير جدوله ليسمع نيتانياهو إذ استغرقته مباراة في الجولف وطالب معاونيه بأن يلخصوا له مضمون الخطاب حتي يستطيع أن يضعه في حجمه الطبيعي دون تهويل أو تهوين‏,‏ وقد أخذت منه الإدارة الأمريكية ما يعجبها‏,‏ ولم تناقش ـ أو تناست ـ مضمون الخطاب‏!‏

إن نيتانياهو الذي نعرفه اعترف في هذا الخطاب العلني أمام الرأي العام بالدولة الفلسطينية‏..‏ وهذا يكفي بالنسبة للأمريكيين أو حتي الأوروبيين‏..‏ أما تصوراته وشروطه عن شكل الدولة‏,‏ فهي بالنسبة لنا نحن العرب نراها أوهام نيتانياهو‏,‏ فشروط الدولة ليست حقا لنيتانياهو ولا يملكه وحده‏,‏ والدولة الفلسطينية العتيدة أو المرتقبة لا تستطيع حكومة يمينية مهزوزة في إسرائيل مثل حكومة نيتانياهو أن تضع شروطها وحدها بدون تفاوض مع الشركاء الفلسطينيين والعرب معا وبمشاركة وتعاون كامل تحت رقابة المجتمع الدولي الأمريكي والأوروبي‏,‏ بل والرباعية الدولية وروسيا والأمم المتحدة معا‏.‏

فما قاله نيتانياهو ليس قدرا علي الفلسطينيين والعرب‏..‏ والشروط التعجيزية التي وضعها للدولة هي محل المعركة المقبلة ونحن نراها شروطا وضعها رئيس الوزراء لإرضاء الائتلاف الحكومي الهش الذي يحكم حكومته أو للحفاظ عليه‏,‏ وليس حتي ورقة يمكن أن يبدأ بها التفاوض الذي يجب أن يبدأ معه من النقطة الأخيرة وعبر المرجعيات التي نعرفها للسلام‏.‏

موقفنا من خطاب نيتانياهو المتطرف

ما نعرفه وما نقدره هو اللعبة السياسية القائمة التي يجب أن نحافظ عليها وأن نحمي المتغيرات الكبري التي حدثت في المسرح الإقليمي والدولي بالنسبة للفلسطينيين‏,‏ فالكل الآن مع الفلسطينيين يتكلمون عن الاستيطان وضرورة إزالة المستوطنات والمستوطنين من الأراضي المحتلة‏.‏

ولعلنا هنا نشير بخبث إلي أن نيتانياهو عندما تكلم عن القدس لم يستطع أن يقول إنها تحت السيادة الإسرائيلية‏.‏ فالقضية الفلسطينية حققت في الفترة الماضية مكاسب دولية يجب الحفاظ والبناء عليها‏,‏ فالمجتمع الدولي الأمريكي والأوروبي أصبح أكثر اقتناعا من أي مرحلة أخري بضرورة حل القضية وقيام الدولة الفلسطينية‏,‏ ليس لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط فقط‏,‏ ولكن أيضا لأن هناك مصلحة أمريكية وأوروبية في ذلك‏.‏

………………………………………………….‏

ولقد فتح باراك أوباما علي هذا النحو بابا للأمل يحاول نيتانياهو أن يغلقه مرة أخري‏,‏ وإذا كان هدف الحكومة الإسرائيلية ورئيسها هو دفع المنطقة برمتها ـ بمثل هذا الخطاب الأخير ـ إلي التطرف والإرهاب‏,‏ فيجب ألا يساعدهم العرب خاصة الفلسطينيين أو بعضهم في تحقيقه‏.‏ وإذا كان نيتانياهو يريد أن يغلق الباب الذي فتحه أوباما‏,‏ فعلينا في العالم العربي أن نتبين ذلك‏,‏ وأن نتعامل مع الموقف المتطرف الذي أعلنه في خطابه علي هذا الأساس‏.‏

ولذلك لا يكفي أن نرد عليه وأن يتباري بعضنا في إظهار ما هو ظاهر فيه أو في الدعوة إلي مبادلته تشددا بتشدد‏,‏ لأنه سيصبح الرابح الوحيد في هذه المعادلة‏,‏ فيجمد الموقف ويجمد السلام لكي يتفرغ ـ كما وصف في خطابه ـ للحالة الإيرانية والأزمة الاقتصادية في بلاده أو في العالم‏.‏ فقد وضع التسوية مع الفلسطينيين في البند الأخير لأولوياته وأولويات حكومته لأنها لا تهمه‏,‏ فهو يملك الأرض ويمارس الاستيطان ويقمع الفلسطينيين ويستفيد من حالة التمزق والانقسام التي يعيشها الفلسطينيون ما بين الضفة وغزة لكي يقضم الأرض ويمارس الاستيطان ويقوم بتهويد القدس‏,‏ وبالتالي يجعل السلام والدولة عملية صعبة‏

بل ومستحيلة الآن أو في المستقبل‏,‏ وهذا ما ينبغي أن يتجنبه العرب وأن تبتعد خطاباتهم ولعناتهم عن المزايدات والتطرف إذا كنا جميعا نرفض ما جاء في خطابه عن شكل الدولة وعن يهودية الدولة الإسرائيلية التي يتكلم بها عن الدولة واستمرار الاستيطان‏,‏ ولا أحد في العالم العربي يقبل ما جاء في خطابه‏,‏ خاصة أنه ليس جديدا ولذلك يخطيء من يطالب وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم المقبل بأن يغلقوا بدورهم الطريق أمام استمرار جهود الحل السلمي مادام نيتانياهو يريد ذلك‏.‏

الموقف العربي الصحيح‏..‏ مطالبة أوباما وليس الرد علي نيتانياهو

علينا أن نضع خطاب نيتانياهو في حجمه الصحيح وأن نعتبره ردا علي خطاب أوباما وموجها له وليس للعرب‏..‏ والموقف العربي الصحيح هنا هو مطالبة الرئيس الأمريكي بإنقاذ فرص السلام وتوجيه رسالة إليه مؤداها أن العرب وكل محبي السلام في العالم يتوقعون منه أن ينقذ برنامجه من براثن اليمين الإسرائيلي وأن يؤكد للعالم أن أمريكا قادرة وليست تابعة لإسرائيل‏,‏ وضرورة تذكيره بأن التحول الذي أحدثه في المنطقة وفي صورة بلاده يواجه الاختبار الأكثر أهمية في فلسطين‏

مع تأكيد أن الدول العربية مجتمعة مستعدة للمساعدة الجادة والمخلصة في دعم جهوده التي يحاول نيتانياهو تقويضها‏,‏ حتي يثبت العرب والفلسطينيون بصفة خاصة أنهم ناضجون للعملية السلمية ومتطلباتها واستحقاقاتها‏,‏ لأنه من السذاجة تصور أنه كان مطلوبا من أوباما فور استماعه إلي خطاب نيتانياهو أن يحمل عصاه ويلوح بها في وجهه وأن يوجه إليه انذارا أيضا‏.‏

………………………………………………….‏

فالموقف العربي يجب أن يصطف لمعاونة موقف أوباما وموقف الاتحاد الأوروبي بمقدار ما يحاول نيتانياهو إحباطهما‏,‏ والتوجه إلي الداخل الأمريكي الذي يلعب دورا حيويا ومؤثرا في تحديد السياسة الخارجية للولايات المتحدة والسعي لتحويل تطرف حكومة نيتانياهو ـ ليبرمان إلي تطرف مضاد يتبناه المجتمع الدولي بالتركيز علي الأخطار المترتبة علي استحقاقات السلام‏.‏

ويجب أن يكون هدفنا الراهن إعادة تقديم القضية الفلسطينية بشكل مقنع بعد أن شوهها إلي حد كبير الانقسام والتطاحن الفلسطيني والانقسامات بين غزة والضفة‏,‏ والصراعات علي السلطة وبعد أن شوهتها العمليات الانتحارية والصواريخ الوهمية التي حققت إسرائيل من ورائها مكاسب عظيمة‏,‏ أوجدت لها رصيدا عالميا‏,‏ والأخطر أنها أعطتها مبررات لقمع الفلسطينيين ووفرت لنيتانياهو رصيدا يستند إليه اليوم لتسويق تطرفه وتطرف حكومته‏,‏ بل وحقق له كسبا لأصوات الإسرائيليين وإعادة تخويفهم من السلام والاستقرار الإقليمي‏.‏

osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى