مقالات الأهرام اليومى

النائحات في المحراب المقدس

بارك اوباما داخل الهرم الاكبر فى حالة تامل لاحد اهم المعالم فى تاريخ الانسانية أسامة سرايا
بارك اوباما داخل الهرم الاكبر فى حالة تامل لاحد اهم المعالم فى تاريخ الانسانية

في الأساطير اليونانية القديمة كانت النائحات يصطففن في هيكل الإله أبولو ويستمطرن اللعنات علي الذين يفعلون الخير علي غير إرادتهن‏,‏ وكن يحملن القرابين إلي المحراب لعل لعنات الآلهة تنزل بأولئك الذين لم يستجيبوا أبدا لرغباتهن‏,‏ وذهبت اليونان القديمة واندثرت النائحات والآلهة معا‏.‏ ولكن فعل النائحات بقي في ضمير البعض احتجاجا أو تظاهرا به كسبا لمنفعة تغيرت بتغير الأزمان‏,‏ ويبدو أن نصيب مصر من النائحات كبير بقدر حجم مساعيها وجهودها‏,‏ وبحجم تجاهلها أصوات النائحات في مصر وفي العالم العربي‏,‏ وحتي في المنطقة كلها‏,‏ حيث أصبح اللحن الجنائزي للنائحات ملازما لكل إنجاز تحققه مصر ولكل تقدير تحظي به‏.‏

ألفان وخمسمائة شخص هم أولئك الذين اجتمعوا في قاعة الاحتفالات الكبري بجامعة القاهرة للاستماع إلي خطاب رجل جاء يحمل آمالا في إصلاح ما أفسده غيره‏..‏ أما الملايين الأخري في شرق العالم الإسلامي وغربه فلقد تابعت الخطاب عبر أجهزة التلفزيون‏,‏ ومع التلفزيون تختفي ملامح المكان وتبقي دلالته‏,‏ وحين ألقي الرئيس الأمريكي خطابه لم يكن هناك فرق بين أن يتحدث من القاهرة أو من واشنطن‏.‏ فالقاهرة لم تسع يوما إلي اختيارها منصة لإطلاق مبادرة من نوع جديد وفي ظروف غير مسبوقة تولي فيها رئيس جديد‏,‏ مهام الحكم في أقوي إمبراطورية عرفها التاريخ‏.‏ ولكن الرجل وإدارته اختار القاهرة لاعتبارات رآها لازمة‏.‏ ولم تتدخل القاهرة فيما سوف يقول فتلك خياراته‏.‏ وحين تختار إدارة الرئيس الأمريكي القاهرة فهي وحدها تحتفظ بالمبررات والأسباب‏,‏ وهي جميعا تتعلق بالأهمية والقدرة علي التأثير‏.‏

وقبل أن تطأ أقدام الرئيس الأمريكي أرض القاهرة التي اختارها كانت النائحات في العالم العربي قد لبسن ثوب الحداد وعقصن رؤوسهن استعدادا لعزف لحن جنائزي جديد لعله يفسد علي القاهرة وليس علي أوباما أو البلد الذي يحكمه‏,‏ أهمية الحدث الذي حظي بتوقعات غير مسبوقة‏,‏ وبدأ اللحن الجنائزي يتردد في الهيكل من جديد احتجاجا علي اختيار القاهرة‏,‏ وجاءوا بتحليلات من هنا و هناك‏..‏ بالوقيعة حينا وبالمغالطات حينا آخر‏,‏ كان الهدف ألا تهنأ القاهرة بالاختيار أو الحدث‏,‏ وألا يوقن المصريون أن العالم ينظر إليهم بتقدير واحترام‏,‏ وأن مصر مازالت الدولة المحورية الرئيسية في عالمها‏,‏ وهي صفة أكثروا النحيب والنواح حول تراجعها في ألحان جنائزية طويلة سابقة‏.‏

جاء أوباما وألقي خطابه‏.‏ وسواء اجتمعنا حول ماقاله أو اختلفنا‏,‏ إلا أن نائحات الهيكل أو المحراب أردن بنقد الخطاب شيئا آخر‏,‏ وهو الصراخ في وجه مصر للنيل من مشاعر العرفان والتقدير لدورها ومكانتها ومساعيها في المنطقة بأسرها‏,‏ واستلاب الكثير من المشاعر الإيجابية التي أحاطت بالحدث وبالمكان‏,‏ وبعثت آمالا جديدة في تفعيل المشاركة المصرية ـ الأمريكية لوضع نهاية لمشكلات قائمة ومزمنة‏.‏ ولو أن الرئيس أوباما ألقي خطابه هذا من أي مكان آخر لكان للنائحات رأي آخر في الخطاب والخطيب‏.‏

لقد كان اختيار القاهرة قرارا أسعدنا‏,‏ بوصفه اعترافا بمكانتنا ودورنا حاضرا ومستقبلا‏.‏ فلم يأت أوباما لتحقيق مصالحة مع التاريخ‏,‏ ولكنه جاء باحثا عن قواعد عمل للمستقبل الذي يمثله‏..‏ جاء إلي القاهرة وعيناه تتجهان إلي الأمام وليس إلي الماضي برغم أهميته التاريخية‏,‏ جاء وهو يري أن العمل للمستقبل ينبغي أن يبدأ من القاهرة حيث تتوافر الكثير من فرص النجاح لمساعيه المستقبلية‏.‏ وماكان للقاهرة أن تحتل تلك المكانة في مستقبل المنطقة عند أوباما إلا وهو موقن بأن خبرات القاهرة ورؤيتها السابقة والحالية وإمكاناتها توفر فرص النجاح في المستقبل‏..‏ وليس صحيحا أن التاريخ الذي نعتز به كان وحده وراء الاختيار ولكن الحاضر والمستقبل يمثلان الجزء الأكبر من الصورة التي جاء أوباما ساعيا من أجلها‏.‏

………………………………………………………‏

وبعد أن ألقي الرئيس الأمريكي خطابه في القاهرة‏,‏ أو منها اصطفت النائحات في فاصل جديد من النحيب والبكاء علي الأمل الذي ضاع‏..‏ ولاشيء سوي تفنيد كل كلمة قالها والتهوين من كل وعد قطعه‏..‏ لم يجد أي منهم شيئا إيجابيا واحدا في خطاب الرجل سوي شخصيته الكاريزمية وقدراته البلاغية ولونه الأسمر‏,‏ وهي جميعا صفات خاصة‏.‏ أما ما تحدث به فهو ما يمكن إستخدامه للنيل من أهمية الحدث والمكان‏,‏ ولذلك لم يجدوا فيه شيئا يستحق الاهتمام‏.‏ وفي سبيل ذلك كان اللحن الجنائزي عبارة عن تنويعات خرجت من أماكن متفرقة في العالم العربي‏,‏ ومن الأصوات نفسها التي عزفت ألحانها من قبل ضد مصر في أكثر من موقف وفي أكثر من قضية‏.‏ هذه الألحان الجنائزية تقرع أسماعنا منذ زمن بعيد‏.‏ منذ أن حاولت النيل من إرادتنا وتثبيط عزائمنا‏,‏ ففي حرب أكتوبر‏73‏ هددتنا بالهزيمة المروعة وحاجتنا لقنبلة نووية غير متاحة لتحقيق شيء‏,‏ وخضنا الحرب وانتصرنا بلا قنبلة نووية‏,‏ ومنذ ذلك التاريخ وحتي اليوم لم تتوقف النائحات يوما برغم الهزائم المتكررة التي منيت بها أكاذيبهن وافتراءاتهن وعندما سفهن مبادرة السلام المصرية ورئيسها‏.‏ وهي المبادرة التي تحتل اليوم مكانتها مصريا وعرب يا وعالميا‏.‏ واليوم تراهن النائحات علي جيل لم يعرف كثيرا مسلسل أكاذيبهن الطويل‏,‏ ويستفدن اليوم ممن يريدون جمع تلك الأصوات معا لعلها تكون أقوي وأكثر قدرة علي الوصول إلي الشارع العربي‏,‏ ولكنه سرعان مايكتشف الحقائق ويكشف الزيف والخلط السياسي المعيب‏.‏

إن تقييم ماجاء في خطاب أوباما يتطلب في المقام الأول تحديد موقع وهوية ومواقف القائمين بالتقييم‏.‏ ولذلك جاء التقييم متباينا بالتناقض في المواقع والمواقف السابقة علي الخطاب‏,‏ ولم يكن غريبا أو مفاجئا أن تبدأ النائحات عزف ألحانهن الجنائزية تشويشا علي الحدث‏,‏ ومكانه قبل أن يقع‏,‏ ثم تسفيها وتحجيما لما جاء به بعد أن وقع‏.‏ فما كتبه هؤلاء قبل الخطاب وبعده متاح للجميع‏,‏ ويمكن الرجوع إليه‏.‏ فهم أصحاب الإملاءات الذين ذكرتهم من قبل وتوجد مراكزهم في كل مكان في العالم‏..‏ في واشنطن والقاهرة‏..‏ وحولنا في كل مكان‏..‏ نعرفهم ونرصدهم ونعرف مبرراتهم ومكنونات نفوسهم لقد كانوا يريدون أن يردد أوباما أفكارهم بكلماتهم وإلا فإنه مجرد داعية يريد تصحيح صورة بلاده بكلام لا أمل فيه‏,‏ وبما أنه لم يقل ما أرادوا ـ وهم يعلمون ذلك ـ فالفرصة متاحة لاغتيال فرحة الجميع‏.‏

إنكار التغيير في السياسة الأمريكية

واحدة من نغمات الهجوم علي الحدث في القاهرة كانت إنكار التغيير في السياسة الأمريكية وأن أوباما جاء بلغة جديدة للتعبير عن سياسات قديمة‏,‏ والحقيقة المتداولة هي أن الذين ينكرون التغيير هم الذين يوفرون الضمانات لكيلا يقع التغيير‏.‏ فالسياسة الأمريكية لم ينص عليها الكتاب المقدس ولم تكتسب طابع القداسة يوما في الثقافة السياسية الأمريكية‏..‏ هناك مصالح تتحقق بسياسات مختلفة‏.‏ والمصالح نفسها عرضة للتغيير وكذلك السياسات‏.‏ فما الذي يمنع أدوات تحقيق المصالح من التغيير؟‏..‏ هناك تغيير وقع بالفعل في الخطاب وقبله‏,‏ ولم يقل أحد إن تغيير السياسات الأمريكية سوف يتم في جامعة القاهرة ولكن جامعة القاهرة كانت اختيارا أمريكيا للإعلان عن هذه التغييرات والعمل علي تحقيقها‏..‏ لقد قالوا إن تغيير السياسة الأمريكية مكانه الكونجرس‏,‏ برغم اعترافهم بأن الرئيس الأمريكي قادر علي إجراءات كثيرة فماذا نصدق؟ ثم ماذا يضير أوباما لو أنه ـ كما قالوا ـ استشار عددا من الخبراء في كيفية الإعلان عما يريد؟‏..‏ إنهم فسروا ذلك علي أنه خطاب علاقات عامة فارغ المحتوي‏.‏ والحقيقة التي يعلمونها هي أن كيفية الإعلان عن السياسات لها نفس أهمية السياسات ذاتها‏,‏ فالسياسات الجديدة تستهدف ثقافات وأعراقا ومصالح متباينة‏,‏ والدقة لازمة في الإعلان عن سياسات جديدة‏,‏ ثم إن أحدا لم يتوقع أن يأتي أوباما إلي القاهرة متخليا عن المصالح الأمريكية لحساب العرب والمسلمين‏.‏ فلقد جاء الرجل باحثا عن مساحات من العمل لتحقيق المصالح المشتركة التي أنكرتها الإدارة الأمريكية السابقة‏,‏ ولم يتوقع أحد أن يأتي أوباما لينكر حق إسرائيل في الوجود‏,‏ أو يعلن عداءه للسامية فتلك معتقداته وضرورات السياسة في بلاده‏.‏ ولكنه جاء يستهل سنوات حكمه بحديث واضح وصريح عن حق الفلسطينيين في دولة مستقلة‏,‏ ملزما نفسه بالعمل من أجل ذلك في حدث وفي وثيقة أصبحت مرجعية للحكم علي سياساته للسنوات المقبلة‏.‏

………………………………………………………‏

ولسنا مخولين أو مكلفين بالدفاع عن أوباما أو خطابه‏,‏ ولكننا معنيون بأهداف تلك القوي‏,‏ فالواقع يفرض علينا أن نتحرك صوب المصالح المشتركة التي قطع نحوها أوباما خطوات‏,‏ ولكنهم لايريدون منا ذلك حتي يظل الاضطراب والفوضي عنوانا علي الأحداث في المنطقة‏,‏ تحقيقا لمصالح قوي بات من الواضح أنها لاتعمل إلا في ظل الفوضي وفي جوار الاضطراب‏.‏ فالنائحات لايعملن إلا في أوقات المحن والأحزان‏.‏

فهؤلاء يريدون حصار قوي العقل والرشاد في المنطقة التي تحول اليوم دون أحلام المغامرين والمقامرين‏.‏ والاعتدال عندهم عمالة وانقياد واستسلام‏,‏ وليس خيارا عمليا وواقعيا يمكن أن يقود المنطقة إلي شاطئ أكثر أمنا وأكثر استقرارا وقد عشنا عقودا طويلة في ظلال الشعارات الجوفاء‏.‏ وما جاء به أوباما يمكن أن يفتح آفاقا واسعة أمام الحكمة والرشاد في التعامل مع قضايا المنطقة وهو أمر لايريدونه ولايعملون من أجله ابدا‏.‏

الأوصياء علي العقل السياسي العربي

وكذلك لم يتوقف هؤلاء الناعون علينا ضعف إدراكنا وقلة وعينا‏,‏ فاتخذوا من خطاب أوباما فرصة للتذكير بتلك الادعاءات‏.‏ فهم وحدهم الذين يعلمون ويدركون ويفهمون‏,‏ ويستخلصون من التاريخ العبرة والحكمة‏.‏ فنحن وفقا لما يرونه لانقرأ التاريخ وإذا قرأناه لا نستفيد من تجاربه‏.‏ وهكذا يدعون إنهم امتلكوا ناصية الحكمة وقرأوا ما وراء السطور بأن أوباما جاء لكي يوفر غطاء للمعتدلين العرب لكي يكملوا ما أرادته منهم إدارة بوش‏,‏ وهم يذكروننا بعبارة قالها كيسنجر منذ خمسة وثلاثين عاما وهي دليل علي أننا لم نتعلم طوال تلك السنين شيئا‏,‏ نحن لانفهم ديناميكيات العمل في السياسة الأمريكية‏.‏ باختصار عليكم أن تجلسوا وتستمعوا إلي صوت الحكمة القادم في بكائيات النائحات‏..‏ أي وصاية تلك التي يحاولون فرضها علي الشعوب والحكام أيضا؟ إننا نذكر من تاريخهم أشياء تصم آذاننا اليوم عما يقولون وتمنع العقل من أن يستمع لشيء مما يدعون‏.‏ والتاريخ الذي يطالبوننا بقراءته علمنا ألا نستمع إليهم‏,‏ فقد أوردونا موارد الهلاك وأورثونا تركة مثقلة بالهموم والأزمات في الخارج والداخل‏,‏ مازلنا حتي اليوم ندفع ثمنها‏.‏

إن التاريخ عندهم يعني اقتطاع أحداث مضت من سياقها ونكرانا كاملا لمآخذ كثيرة مؤلمة بل ومخزية لهم‏.‏ لكن الشعوب لم تعد فريسة سهلة للمغامرين‏,‏ ولم تعد تقبل بالتنازل عن عقولها وإدراكها لحفنة قليلة تريد فرض وصايتها علي الضمير‏.‏ وقد أصبح بمقدور الشعوب أيضا أن تدقق وتعرف وتكشف عن التناقضات في أقوال الأوصياء‏.‏ والحكمة البليغة التي يحتاجها الأوصياء اليوم هي إن التلفيق والادعاء يتطلب ذاكرة قوية تمنع التناقضات بين فقرات خطابهم‏.‏

الألحان الجنائزية تقرع أسماعنا منذ زمن بعيد‏,‏ فلقد حاولت النيل من إرادتنا وتثبيط عزائمنا في حرب أكتوبر‏73,‏ لكننا خضنا الحرب بلا قنبلة نووية وانتصرنا‏,‏ ثم مبادرة السلام واسترداد الأرض المصرية كاملة‏,‏ وهي اليوم تراهن علي جيل جديد لم يعرف مسلسل الأكاذيب الطويلة وسرعان مايكتشف الحقائق‏.‏

osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى