مقالات الأهرام اليومى

تحديات جديدة في عالم متغير مبارك وقيادة حركة عدم الانحياز

بعد خمسة وأربعين عاما تعود قمة دول عدم الانحياز لتنعقد في مصر‏,‏ إحدي الدول الثلاث التي تحملت مسئولية ظهور هذه الحركة علي مسرح العلاقات الدولية‏,‏ كان عدد الدول الأعضاء في الحركة في أول مؤتمر لها في بلجراد عام‏1961‏ نحو‏25‏ دولة‏.‏ وفي المؤتمر الثاني الذي انعقد في القاهرة عام‏1964‏ كان العدد قد بلغ‏47‏ دولة‏.‏ واليوم فإن عدد الدول التي تشارك في القمة الحالية قد بلغ نحو‏118‏ دولة‏.‏ هذه الزيادة المطردة في عدد الدول المشاركة تطرح آمال القطاع الأكبر من سكان العالم في تجمع سياسي يعبر عن مصالح هذه الشعوب التي لم تلق الاهتمام اللائق في ظل النظام العالمي الراهن بأبعاده السياسية والاقتصادية‏.‏ أسامة سرايا

قرابة نصف قرن تفصلنا اليوم عن ظهور حركة عدم الانحياز‏,‏ وقد تغير كل شيء في السياسة والاقتصاد ونوعية التحديات التي تصدرت اهتمامات الدول التي شاركت في ذلك التجمع وقت ظهوره‏.‏ كانت كثير من تلك الدول تواجه تحديات ما بعد الاستقلال‏,‏ وخضوع العالم للصراع بين القوتين العظميين آنذاك‏,‏ والحروب التي كانت تدار بالوكالة عن القوي العظمي‏.‏ ظهرت تلك الحركة مدفوعة في الأساس بدوافع سياسية فرضتها العلاقات الدولية آنذاك‏.‏ وخلال نصف القرن المنصرم أعيدت صياغة العلاقات الدولية والأوضاع السياسية وأولويات الاهتمام لدي الدول الأعضاء في الحركة‏.‏

هذه التغيرات الهائلة أدت إلي طرح العديد من التساؤلات بشأن مستقبل حركة عدم الانحياز بل وجدواها‏,‏ في ظل اختفاء إحدي القوتين العظميين‏,‏ وخضوع العالم أكثر فأكثر للتكتلات والسياسات الاقتصادية القائمة في مجموعة من الدول الصناعية الكبري‏.‏ فالعالم الذي يخضع سياسيا لقطب واحد يخضع اقتصاديا لأقطاب متعددة متفاوتة القدرة علي التأثير‏.‏ والحقيقة أن التغيرات التي جاء بها نصف القرن الماضي تفرض تغيرات في أهداف هذه الحركة وآليات عملها‏,‏ حيث ظهرت مصالح كثيرة مشتركة تجمع بين دول الحركة في عالم اليوم‏.‏ ففي عالم السياسة ليس هناك موقف دائم ولاصداقة دائمة أو عداوة دائمة‏,‏ وإنما هناك مصالح دائمة‏.‏ في ظل هذا المبدا الذي يحكم العلاقات الدولية تمضي حركة عدم الانحياز لتعبر عن أهمية استمرارها‏,‏ وتأكيد فاعليتها‏,‏ لتحقيق آمال شعوبها في العالم اليوم‏.‏

بعد خمسة وأربعين عاما تعود قيادة الحركة لمصر في منعطف تاريخي حقيقي‏,‏ يضع تجمع دول عدم الانحياز في اختبار حقيقي تواجه فيه تحديات جديدة‏.‏ وتأتي قيادة مبارك هذا التجمع العالمي‏,‏ الذي يضم غالبية سكان الأرض في وقت يتطلب إعادة صياغة أهداف الحركة وآليات عملها‏,‏ وإثبات قدرتها علي تحقيق آمال شعوبها في الحصول علي نصيبها العادل وحقوقها المشروعة سياسيا واقتصاديا‏.‏ وربما كان أحد التحديات التي تواجه قيادة مصر هذا التجمع يكمن في الخلافات القائمة بين الدول الأعضاء‏,‏ سواء من حيث المواقف أو التوجهات السياسية والنظم الاقتصادية السائدة‏.‏ فالحركة تضم خليطا من الأنظمة السياسية والاقتصادية‏,‏ وهو ما قد يحول دون تشكيل موقف موحد من القضايا المطروحة علي الصعيد الدولي‏.‏

غير أن قيادة مبارك كفيلة بتوسيع دائرة التوافق بشأن أكثر القضايا أهمية لدول وشعوب الحركة‏,‏ بعيدا عن الاختلافات في الأيديولوجيات والنظم السياسية والاقتصادية‏.‏ فالمشكلات الاقتصادية تواجه معظم دول الحركة‏,‏ وتعصف بجهودها في مكافحة الجوع والفقر‏,‏ ولاتزال تلك الدول تعاني في معظمها مشكلات صعود تلال التنمية‏.‏

في مقدمة خطابه أمام القمة أكد الرئيس مبارك حقيقتين تمثلان محوري عمل الحركة في المرحلة المقبلة حين دعا الدول المشاركة إلي أن تنتهي القمة إلي تعزيز دورها في تحقيق سلام وأمن واستقرار العالم‏,‏ وأن تنتهي إلي ما يحقق الطموحات المشتركة من أجل النمو والتنمية‏.‏ وكان اختيار عنوان‏’‏ التضامن الدولي من أجل السلام والتنمية‏’‏ عنوانا لهذا المؤتمر ـ تعبيرا عن مستقبل عمل حركة عدم الانحياز‏.‏ هذان المحوران كفيلان بتجميع جهود الجميع‏,‏ وتجاوز أي خلافات قد تنشأ‏.‏ فقد أشار الرئيس مبارك إلي مهددات السلم في العالم من مخاطر الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل وتراجع نظم منع الانتشار والعديد من النزاعات وبؤر التوتر والقضايا التي طال انتظارها لحل عادل‏,‏ وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية وقضية السلام الشامل في الشرق الأوسط‏.‏

هذه الأوضاع السائدة في عالم اليوم تهدد أمن واستقرار دول الحركة جميعا بلا استثناء وهي أوضاع كفيلة‏,‏ بتضييق مساحات الاختلاف بين توجهات الدول وكفيلة‏,‏ أيضا بتوحيد الجهود في سبيل تنقية العالم من بؤر التوتر الكثيرة المنتشرة في ربوعه‏.‏ وفي هذا المحور يمتلك مبارك رؤية وتحليلا عميقا للأوضاع المضطربة في العالم‏,‏ وبوسعه أن يقود الحركة في هذا الاتجاه لتوفير مناخ عالمي أفضل لجهود التنمية البناءة‏,‏ ووقف أعمال العنف مهما تكن دوافعها‏.‏

وحين يدعو مبارك زعماء الدول المشاركة إلي تجميع الجهود من أجل التنمية فإنه يعيد الحركة إلي أحد المبادئ الأساسية التي عملت من أجلها‏,‏ وهو التعايش السلمي ونشر السلام‏.‏ صحيح أن أسباب التوتر تغيرت ولكن العمل من أجل إزالة هذه الأسباب لايزال مطلبا ملحا لكل الشعوب التي عانت طويلا من الحروب التي لم تنه خلافا ولم تحقق سلاما‏.‏ مبارك هو الرجل الذي يمكنه‏,‏ بخبراته ورؤيته‏,‏ أن يقود الحركة في هذا الاتجاه‏.‏ فقد عرف الحرب والسلام واستخلص بخبرته دروسا في التعامل مع الأزمات حربا وسلاما‏.‏ والعالم اليوم أكثر حاجة لقيادات تخوض به معارك السلام بعد مسلسل الحروب الطويلة التي نشبت في أرجاء العالم طوال نصف القرن الماضي‏.‏ ولذلك تنهض آمال جديدة بقيادة مبارك للحركة في المرحلة المقبلة‏.‏ خاصة أن الحركة عانت كثيرا من الجمود السياسي في السنوات الأخيرة وخضوعها لمحاولات استقطاب أصبحت مرفوضة في الواقع العالمي الراهن‏.‏ قيادة مبارك تجدد الأمل في ظهور قوة جديدة فاعلة علي الساحة الدولية‏,‏ خاصة أنها تضم اليوم‏118‏ دولة تواجه جميعها أوضاعا سياسية دولية لا تحقق عدلا‏,‏ ولاتستعيد حقوقا‏,‏ مما يطيل أمد الأزمات والتوتر‏.‏

هذا التجمع ينبغي أن يكون له دوره الفاعل علي الساحة الدولية‏,‏ وفي المنظمات العاملة فيها‏.‏

لقد شهدت القمة دعوات إلي مقاطعة مجلس الأمن‏,‏ حيث ينفرد عدد قليل من الدول بالنفوذ والسلطة الكافية لنقض إرادة غالبية دول العالم‏,‏ ربما تكون تلك الدعوات قد ظهرت نتيجة تجارب مريرة في الكثير من القضايا والصراعات‏.‏ غير أن تغيير هذا الواقع لايتأتي بمقاطعة مجلس الأمن وإنشاء بديل له يضم دول الحركة‏,‏ بل إن الحل يكمن في تمكين دول الحركة من أداء دور فاعل ومؤثر عبر منظمات وأجهزة الأمم المتحدة‏,‏ واتباع الأساليب الواقعية في تغيير هذا الواقع بإصلاحه علي النحو الذي يحقق مصالح تلك الدول ويحقق مصالح العالم بأسره‏.‏

إن تفعيل دور حركة عدم الانحياز عالميا لايعني الصدام مع قوي أخري‏,‏ أو التنكر للواقع الراهن‏,‏ فهناك آليات عمل أخري تستند إلي فهم متعمق للعلاقات الدولية والقوي الرئيسية‏,‏ يمكن أن تحقق إصلاحا حقيقيا للواقع الذي ترفضه دول الحركة دون المزيد من التوتر والاضطراب‏.‏ ونعلم أن تحقيق التوافق علي هذه الآليات مهمة صعبة‏,‏ غير أن مبارك قادر علي إنجاز تلك المهمة وبعث دور فاعل لهذا التجمع في العلاقات الدولية‏.‏

أما المحور الثاني للعمل في المرحلة المقبلة‏,‏ والذي أشار إليه الرئيس مبارك حين خاطب المشاركين في قمة شرم الشيخ‏,‏ فهو ما يتعلق بمشكلات النمو وجهود التنمية‏,‏ وهو محور يوجد مساحة واسعة من التوافق بين الجميع‏,‏ حيث تمثل التنمية والمشكلات الاقتصادية الهم الأساسي لجميع دول الحركة‏.‏ تحدث الرئيس في ذلك نيابة عن الجميع حين قال‏’‏ نعيش جميعا‏..‏ واقع مشكلات النمو والتنمية في بلادنا‏..‏ في مواجهة صعاب الداخل وتحدياته‏..‏ وأزمات عالمية ترد إلينا من الخارج‏..‏ في عالم يشهد تراجع الحواجز والحدود‏…‏ نتحمل الجانب الأكبر من تداعياتها وضغوطها ومعاناتها‏.‏ وأشير في هذا السياق إلي أزمة ارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية العام الماضي‏..‏ والأزمة الحالية للاقتصاد العالمي‏..‏ علاوة علي تأثرنا بتبعات ظاهرة‏(‏ تغير المناخ‏),‏ وما نواجهه من صعاب في تمويل التنمية‏..‏ وتحديات في تعاملنا مع قضايا إمدادات الطاقة والأمن الغذائي‏.‏

لخص مبارك في تلك الفقرة من خطابه مشكلات دول الحركة مع الأوضاع الاقتصادية العالمية‏.‏ فالنظام الاقتصادي العالمي جاء بمشكلات كثيرة للغالبية من دول العالم‏,‏ تسببت هذه المشكلات في تراجع معدلات التنمية‏,‏ وانتشار الفقر‏,‏ وتهديد الاستقرار الاجتماعي‏.‏ أعاد مبارك دول الحركة إلي مسار لم يلق منها الاهتمام الكافي بسبب طغيان القضايا السياسية علي عمل الحركة وجمودها‏.‏ فليس من المتوقع أن تنال قضايا التنمية الاهتمام الكافي من دول تخوض جميعها معارك التنمية‏,‏ في ظل أزمة اقتصادية عالمية كبري‏.‏ هذه الأزمة دفعت القوي الاقتصادية الرئيسية في عالم اليوم إلي التفكير جديا في ضرورة إصلاح النظام المالي العالمي‏.‏ وقد آن الأوان أن تكون لدول الحركة كلمتها فيما سوف يئول إليه النظام المالي العالمي الجديد‏,‏

فقد نادت الحركة في سبعينيات القرن الماضي إلي نظام اقتصادي عالمي يكون أكثر عدالة‏,‏ يتيح فرصا متكافئة للجميع‏,‏ وتقل فيه الفجوة بين دول الشمال والجنوب‏,‏ ولكن الحركة اكتفت بالدعوة في ذلك الوقت‏,‏ فظهر نظام عالمي أهملت فيه احتياجات دول الجنوب‏.‏ وإذا كانت الأزمة الاقتصادية العالمية قد برهنت علي فشل النظام المالي والاقتصادي العالمي‏,‏ فإن الفرصة اليوم أمام دول الحركة ليست متاحة بالدعوات والمطالبات‏,‏ وإنما هي متاحة بقدر ما تتخذ من سياسات‏,‏ وما تقدم عليه من إجراءات تعبيرا عن مصالحها في نظام عالمي جديد تشتد الحاجة إليه‏.‏ لابد من استحداث آليات لجمع كلمة تلك المجموعة من الدول في ظل تعدد المجموعات والمنظمات‏,‏ التي تتحدث باسم دول الجنوب مما يؤدي إلي تداخل في العمل وتكرار في المواقف والجهود‏.‏

إن قيادة مبارك حركة عدم الانحياز يمكن أن تقود خطي دولها نحو المشاركة الفاعلة بالحوار والتفاهم مع القوي الكبري نحو صياغة نظام مالي واقتصادي يحقق العدالة لدول الحركة‏.‏ خاصة أن الرئيس مبارك قد حمل صوت دول الجنوب إلي الكثير من المنتديات والمؤتمرات‏,‏ التي تشارك فيها القوي الاقتصادية الكبري‏,‏ وآخرها القمة الأخيرة لمجموعة الدول الثماني الصناعية دفاعا عن مصالح الدول النامية‏,‏ خاصة الدول الأقل نموا والدول الإفريقية‏.‏ وقد سبق وكان له موقفه المدافع عن تلك الدول إبان أزمة الغذاء العالمية‏.‏

لكل ذلك تبعث قيادة مبارك للحركة الكثير من الآمال فيما يمكن أن تقوم به الحركة في السنوات الثلاث القادمة في المجالين السياسي والاقتصادي‏,‏ وما يمكن أن يعظم جهود مبارك في هذه المرحلة مدي استجابة دول الحركة للتحديات التي تفرضها الأوضاع السياسية والاقتصادية الراهنة‏,‏ والتخلي عن المصالح الضيقة والعمل من أجل وجود قوي وفاعل لكيان يمكن أن يقدم الكثير لغالبية شعوب العالم‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى