مقالات الأهرام اليومى

عودة الدراسة الحذر الواجب والخوف غير المبرر

أسوأ ما يصيب أي مجتمع في وقت الأزمات أن تسيطر عليه المخاوف فتتحول إلي رعب جماعي يعوق كل التدابير الكافية والكفيلة بمواجهة أسباب الأزمة‏.‏ في ظروف استثنائية غير عادية يبدأ عشرون مليون طالب غدا عاما دراسيا جديدا‏.‏ القلق والخوف يساور الجميع من أن تتحول قاعات الدراسة في المدارس والمعاهد والجامعات إلي مصدر ومرتع خصب لانتشار المرض الذي أصاب العالم أجمع بالخوف‏.‏ والخوف الذي تواجه به الأمم مرض إنفلونزا الخنازير هو الحذر الواجب‏,‏ واتخاذ الاحتياطات اللازمة لمحاصرة انتشاره‏.‏ فالأوضاع الصحية الطارئة ومعدلات انتشار المرض والوفيات الناجمة عن الإصابة به لاتستدعي الخوف أو الرعب‏,‏ وإنما تفرض سلوكا مختلفا وحرصا وحذرا دائمين لمحاصرة انتشاره‏.‏ فحجم انتشار المرض لايخضع لكمية الخوف أو الرعب المصاحبة له ولكنه يخضع لمدي الوعي به ومدي اتخاذ الإجراءات وتبني السلوكيات اللازمة لمواجهته‏.‏ أسامة سرايا

علينا أن نختار بين مشاعر الرعب وبين تبني السلوكيات واتخاذ الاحتياطات الواجبة في مواجهة إنفلونزا الخنازير‏.‏ لن ينفعنا الخوف أو ترديد الشائعات في دحر المرض وحماية أبنائنا‏,‏ وإنما الذي ينفعنا هو أن ننصت لذوي الاختصاص‏,‏ وأن نثق فيما يقولون‏,‏ وأن نستجيب لهم‏.‏ الأقوال المرسلة غير المسئولة لن تجدي شيئا‏,‏ وسوف تضر كثيرا بالجهد الحقيقي المبذول القادر علي محاصرة المرض‏.‏ نحن بحاجة إلي شعور حقيقي بالمسئولية‏,‏ خاصة أن كل فرد منا مشارك فاعل إما في نشر المرض أو في محاصرته‏.‏ لن ننقسم إلي قلة فاعلة نشطة وأخري سلبية متفرجة في مواجهة الخطر المحتمل الذي يهدد الجميع‏.‏

أما بالنسبة للبعض منا الذي مازال تساوره المخاوف وتبرز عبر رغبة بعض أولياء الأمور في منع أبنائه من الذهاب إلي المدارس والاكتفاء بالدراسة في المنازل‏,‏ أو الاعتماد الكلي علي الدروس الخصوصية‏.‏ هذا نموذج للخوف غير المبرر والسلوكيات الخاطئة التي لن تنفع في مواجهة انتشار المرض‏.‏ فالالتزام بالتعليمات الصادرة عن عشرات المؤسسات الصحية كفيل باستمرار الدراسة‏,‏ وكفيل بمحاصرة المرض‏.‏ بدلا من اللجوء إلي سلوكيات ربما تنتشر بالعدوي بين المواطنين فيزيد الخوف بدلا من الوعي‏.‏ لايزال المرض حتي الآن دون مستوي المخاطر حتي لو أصيب به شخص‏.‏ والحوارات حول التطعيم ضده مبشرة جدا‏.‏ لانريد أن نعاني خطورة الرعب بدلا من التحوط ضد مرض محتمل‏.‏

بداية الدراسة غدا تنهي جدلا حول المزيد من التأجيل للدراسة الذي أدلي الجميع فيه برأي رغم أن منظمة الصحة العالمية لم توص أبدا بتأجيل الدراسة حتي في الدول التي زادت فيها معدلات الإصابة كثيرا عنا‏.,‏ ولكن قرار بدء الدراسة يلقي بمسئولية كبري علي الجميع حتي يمكن الخروج من الأخطار المحتملة دون التضحية بالعملية التعليمية لشهور عديدة‏.‏ الأخطار المحتملة هي نداء الوطن اليوم لكل همة عالية وكل جهد مخلص لحماية الجميع‏.‏

وفي هذا السياق فإن التحية واجبة للسيدة سوزان مبارك التي استجابت للنداء وجمعت حولها جهودا كثيرة اصبحت اليوم رافدا أساسيا من روافد الجهد الوطني في مواجهة الأزمة‏.‏ فمبادرتها من خلال الهلال الأحمر هي الحافز الأقوي لمنظمات المجتمع المدني لأن ينهض بدور هائل في جهود المواجهة‏.‏ وحضورها في مقدمة صفوف جهدنا الوطني في المكافحة كفيل بحفز مساهمات المجتمع المدني الذي كان شبه غائب عن جهودنا المبذولة‏.‏

المخاوف التي تصاحب عودة الدراسة وجدتها كاملة لدي وزير الصحة ووزيري التعليم والتعليم العالي في أحاديث مطولة أجريتها معهم‏.‏ وزير الصحة الدكتور حاتم الجبلي أكد أن معدلات انتشار المرض ومعدلات الوفيات منخفضة مقارنة بالدول المحيطة بنا برغم الكثافة السكانية المرتفعة لدينا‏.‏ والحقيقة هي أن هذه المعدلات المنخفضة في الانتشار والوفيات ليست إلا نتيجة طبيعية لجهد هائل بذلته وزارة الصحة وتعرضت بسببه للكثير من الانتقادات‏.‏

أدار الدكتور الجبلي معركته ضد إنفلونزا الطيور والخنازير حتي الآن بحسم وجرأة قاطعة‏,‏ وشفافية بدت صادمة للكثيرين‏.‏ وليس أدل علي نجاح وزارته في مهمتها من أن تتبني منظمة الصحة العالمية خطة وزارة الصحة المصرية في التعامل مع المرض في المدارس نموذجا يحتذي به في إقليم الشرق الأوسط‏.‏

هذا التقدير من أعلي منظمة صحية في العالم كفيل بأن يزرع الأمل في نفوسنا‏,‏ وأن نمضي في إجراءات مكافحة انتشار المرض بكثير من الثقة والحذر وقليل من الخوف‏.‏ استطاعت وزارة الصحة أن ترفع مستويات الوعي بالمرض درجات كبيرة بين كل قطاعات المجتمع‏,‏ وأن تضع الجميع أمام مسئولياتهم‏.‏ سلوكيات خاطئة وغير مسئولة هنا أو هناك يمكن أن تنال من خطط وزارات الصحة والتعليم والتعليم العالي وتكلف المزيد من الجهد‏.‏ لدينا‏44‏ ألف مدرسة و‏400.000‏ فصل دراسي ونحو ثمانية آلاف معهد أزهري يرتادها نحو‏18‏ مليون تلميذ ينتقلون بين ملايين البيوت والمدارس‏.‏ والسلوك الخاطئ في البيت يمكن أن ينقل العدوي إلي المدرسة والعكس صحيح‏.‏

ولذلك تزداد أهمية مشاركة الأهالي في جهود المكافحة‏.‏ وتحتل المدارس والجامعات أهمية خاصة في منظومة مكافحة انتشار المرض من زوايا عديدة ليس فقط بسبب التجمعات والكثافة العددية وإنما كما قال الدكتور حاتم الجبلي في أن أكثر الفئات العمرية تعرضا للإصابة تقع بين‏16‏ إلي‏26‏ والغالبية العظمي من هذه الفئة العمرية توجد في المدارس والمعاهد والجامعات‏.‏

ان المبادرات الأهلية ضرورة لتحقيق التكامل مع خطط الوزارات المختلفة‏.‏ والمبادرات الذكية مطلوبة في هذا التوقيت‏.‏ وقال لي الدكتور حاتم الجبلي إن محافظ الإسكندرية عادل لبيب استحدث نظاما يعالج به النقص في عدد الأطباء فاستدعي أطباء الامتياز وهو تفكير عملي جدا لتوفير أكبر عدد من الأطباء في مواقع التعليم والتجمعات المختلفة‏.‏

واستعدادات وزارة الصحة فيما يتعلق بقطاع التعليم لقيت تقديرا من المنظمات الدولية ولكن تفعيل هذه الاستعدادات في أرض الواقع يتطلب مشاركة فاعلة من الجميع في المدارس والمعاهد والجامعات بمن فيهم أولياء الأمور أنفسهم‏,‏ ورفع مستويات الوعي بين الجميع‏.‏ وفي هذا الصدد يتعين أن تنهض وسائل الإعلام العامة أو الخاصة بمسئوليتها الوطنية بالمشاركة في حملات التوعية العامة دون انتظار أن تكون تلك الإعلانات مدفوعة خاصة القنوات التلفزيونية القادرة علي الوصول إلي مختلف قطاعات المجتمع‏.‏ المسئولية الاجتماعية تحتم علي وسائل الإعلام الخاصة أن تضع قدراتها في خدمة ذلك الجهد الوطني توعية وإعلاما بما نقوم به وبما يتعين علينا القيام به‏.‏ وألا تتحول إنفلونزا الخنازير إلي قضية جدلية ومجال للنقد والهجوم ينال من الإجماع اللازم لإنجاز المهمة علي الوجه المطلوب‏.‏

وفي أزمة كتلك التي نواجهها لامجال للمزايدة علي مؤسسات التعليم التي هي بحاجة إلي أن نساعدها في المواءمة بين الاعتبارات الصحية والاعتبارات التعليمية مع إعطاء الأولوية للاعتبارات الصحية‏,‏ كما قال لي الدكتور يسري الجمل في حديثه عن استعدادات الوزارة وتعاملها مع الأزمة‏.‏ علينا أن ندرك حقيقة حاكمة لجهودنا التعليمية‏,‏ وهي أننا نواجه أزمة تتطلب تفكير أزمة‏.‏ واجهت الوزارة مشكلة كثافة الفصول بأشكال مختلفة حسب ظروف كل مدرسة ضمانا للتهوية الجيدة‏.‏ ووفرت ما تستطيع من ضمانات صحية تقلل من احتمالات الإصابة‏.‏ تم توفير نحو‏16‏ مليون قناع واق وزعت علي المدارس

 

وتم تخصيص نحو‏40‏ مليون جنيه للمدارس لمواجهة الظروف الطارئة بالإضافة إلي أن المصروفات الدراسية التي يدفعها الطلاب خصصت جميعها للتدابير الصحية الرامية لمكافحة انتشار المرض‏.‏ وعلي الصعيد التعليمي هناك تخطيط محكم لاستخدام القنوات التعليمية التليفزيونية ومحطات الإذاعة القومية والمحلية لبث المواد التعليمية لتعويض الطلاب عن نقص الدروس المنتظمة في المدارس‏,‏ فيما لو اقتضي الأمر إلغاء بعضها‏.‏ والحقيقة أن مدارسنا في هذا الوقت تحتاج منا جميعا للدعم والمساندة حماية لأبنائنا أينما كانوا‏.‏ مدارسنا بحاجة إلي دعم حقيقي بدلا من توجيه الاتهامات والنقد‏,‏ الذي لايجدي شيئا فيما نحن بصدده‏.‏ مدارسنا بحاجة إلي مبادرات نوعية من أولياء الأمور الذين يظهرون الكثير من الكرم في الدروس الخصوصية‏.‏

وأحسب أن لدي الجميع استعدادا لدعم مدارسنا في هذا الوقت فيما لو تم ذلك من خلال مبادرات نوعية من منظمات المجتمع المدني وغيرها‏,‏ وبمشاركة من المحافظين خاصة في المناطق الريفية والنائية‏.‏

ربما كانت الحال أفضل في مؤسسات التعليم العالي حيث يرتفع مستوي الوعي بين الطلاب وتتوافر الكوادر البشرية القادرة علي تفعيل المواجهة مع المرض داخل الجامعات وخارجها‏.‏ ومع ذلك تظل تلك المؤسسات تعاني شيئا من الكثافة التي توفر مجالا خصبا لانتشار المرض‏.‏

الدكتور هاني هلال وزير التعليم العالي أكد في حديث تليفوني معه أن مجموعة عمل مشتركة جمعت بين وزارتي التعليم العالي والصحة منذ شهر مايو الماضي‏,‏ وتم وضع خطة عمل وخطة طوارئ ليس للجامعات فقط وإنما لمصر كلها‏.‏ فالجامعات المصرية لديها من الكوادر المؤهلة والمدربة ما يمكن أن يدعم قدرات المجتمع علي المواجهة‏.‏ جهود الجامعات انصبت علي قضية خفض الكثافة في المحاضرات وتوفير التدابير الصحية اللازمة والتخطيط لاستخدام القنوات التعليمية في تعويض أي نقص في المحاضرات العادية‏.‏

………………………………………………….‏

اننا نحتاج في بداية عام دراسي جديد أن نبث الثقة في نفوس الجميع‏,‏ وأن نوفر أفضل ما يمكننا توفيره من ظروف للعملية التعليمية‏.‏ وأحذر من مناخ الشائعات أن يفسد علينا الإفادة مما أعددناه وهو كاف وفاعل ومؤثر‏.‏ لانريد أن تتحول حالات الإنفلونزا العادية التي تصيب الملايين منا كل عام علي ألسنة الناس إلي إنفلونزا الخنازير فينتشر الخوف دون مبرر‏.‏ ولا أرجو أيضا بظهور حالة هنا أو أخري هناك من إنفلونزا الخنازير أن تتحول إلي رعب يصيبنا وظن يذهب بنا إلي حدود انتشار الوباء دون مبرر‏.‏ أقول‏:‏ إن المناخ مهيأ لانتشار الشائعات وبث الخوف وعلينا ألا ننسي سبل مواجهة تلك الشائعات ضمن خططنا لمواجهة انتشار المرض‏.‏ وكل عام ومصر جميعها بخير‏.‏

‏Osaraya@ahram.org.eg‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى