مقالات الأهرام اليومى

مبارك في فرنسا وتركيا زيـارة للمســتقبل تحميها أجواء تاريخية

زيارة الرئيس مبارك الأخيرة لفرنسا وتركيا بقدر أهميتها السياسية والاقتصادية والثقافية لمراجعة تطور العلاقات القوية بين مصر والبلدين وتدعيمها‏,‏ فهي أيضا زيارة للمستقبل وليست للتاريخ فقط‏,‏ فلقد جاءت في وقتها لإعادة دفع الشريك الأوروبي القوي‏..‏ فرنسا‏..‏ للمساهمة بزخم أكبر في جهود تحريك العملية السياسية بالشرق الأوسط‏,‏ وهي عملية السلام العربي ـ الإسرائيلي لاستخلاص الحقوق الفلسطينية الضائعة والمهددة بالانكماش والتواري

وفي الوقت نفسه لدفع المشروعات والتعاون الثنائي وتحريك المشروع المتوسطي الذي يتعرض من حين لآخر إلي ذبذبات من الصعود والهبوط‏,‏ وإعادة الثقة بأوروبا الجديدة بعد أن أصاب العرب الإحباط من الموقف الأوروبي الأخير الخاص بالمستوطنات والقدس‏,‏ والذي اعتبر الموقف الإسرائيلي إيجابيا بوقف الاستيطان لفترة محدودة عدا القدس‏,‏ وأعادت القمة بعث الطرح الفرنسي لعقد مؤتمر دولي جديد‏,‏ وأكدت مصر ضرورة إشراك الرباعية بمعني إشراك أمريكا وروسيا إلي جوار الأوروبيين‏.‏ أسامة سرايا

ما زيارة تركيا فهي رسالة مصرية بالثقة في الدور التركي الإقليمي لتحقيق الاستقرار والمشاركة بالحل وليس بتعقيد الأمور‏,‏ فتركيا لا تصنع محاور في منطقتنا‏,‏ فهي زيارة سماها خبراء السياسة في الشرق الأوسط زيارة استباقية لترتيب المنطقة علي أسس من الاعتدال والرؤية المستقبلية في الملفات الصعبة المفتوحة‏,‏ فالملف الإيراني وما يحمله من تطورات‏

قد يهز استقرار الشرق الأوسط إذا استمر المتطرفون الإيرانيون في إدارة الملفات الإقليمية بالرعونة نفسها التي بدت في الفترة الأخيرة حتي في ملفهم النووي الذي أصبح يثير المجتمع الدولي والتي أدت إلي أن الكثير من الدوائر قد نفد صبرها تجاه ممارسات وسياسات إيرانية تنذر بأخطار متعددة‏,‏ كما أن الملف العراقي مازال مفتوحا علي تطورات مماثلة‏.‏

وكشفت زيارة الرئيس مبارك إلي تركيا عن الترحيب بالدور التركي الإيجابي في ملف القضية الفلسطينية‏,‏ وكان عنوان هذه الزيارة الأبرز هو تعزيز الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط وكفانا حروبا وصراعات مازالت آثارها مؤثرة في كل بلداننا‏,‏ فالأزمة العراقية والأفغانية مستمرة وامتدت إلي باكستان ويجب أن تتكاتف الدول الواعية لمنع التدهور‏,‏ بل أن تتجه للخروج من الأزمات والكوارث التي تحدق بالجميع‏.‏

أما بالنسبة للعلاقات الثنائية‏,‏ فإن اتفاق التجارة الحرة الموقع في نهاية مارس‏2007‏ يتطور بشكل مذهل‏,‏ فقد أدي إلي ارتفاع حجم التجارة إلي‏3‏ مليارات دولار‏,‏ وطرح الأتراك علي المصريين أن ينضموا إلي اتفاقية إلغاء تأشيرات الدخول بينهما‏(‏ أسوة بما تحقق بين سوريا وليبيا والسودان والأردن من دول المنطقة‏)‏ خلال الشهور الأربعة الأخيرة وستقوم مصر من جانبها بدراسة الاقتراح‏.‏

………………………………………………………‏

لقاء الرئيسين مبارك وساركوزي له تأثيره وسحره السياسي ليس علي علاقات مصر وفرنسا فقط‏,‏ بل أيضا علي دورهما في محيطهما وعالم اليوم‏,‏ فقد سجلت زيارات الرئيس الفرنسي حتي مايو‏2009‏ أربع مرات لمصر‏,‏ أسهمت في وقف حرب غزة وبحث إعادة تعميرها وفي تدشين وانطلاق المشروع المتوسطي الذي ترأسه البلدان‏,‏ والتقي الرئيسان في باريس‏5‏ مرات‏,‏ بالإضافة إلي المباحثات التي تتم بينهما تليفونيا‏.‏

وأصبحت العلاقات المصرية ـ الفرنسية خلال هذه الفترة عميقة وقوية وجادة ومستمرة‏,‏ وبالرغم من أن لها مرجعية تاريخية وثيقة إلا أن علاقات اليوم تجاوزت ما كان في الماضي‏.‏

ويقول المراقبون المصريون والفرنسيون‏:‏ لقد استطاع الرئيسان مبارك وساركوزي بناء علاقة من الصداقة الشخصية تتناسب إلي حد كبير مع علاقة الصداقة بين الشعبين الفرنسي والمصري‏,‏ وتترجم دورهما السياسي في محيطهما وعالمهما‏,‏ فمصر هي صاحبة الدور الأهم في الشرق الأوسط وكل سياساته وواسطة العقد بين الشرق والغرب والشمال والجنوب جغرافيا‏,‏ وهي صاحبة التوازن والاعتدال‏,‏ ورئيسها مبارك هو من حكماء السياسة في عالم اليوم‏,‏ وفرنسا صاحبة الدور الحيوي الأوروبي‏,‏ وساركوزي من الرؤساء الأكثر تأثيرا في السياسة الدولية عموما في المرحلة الراهنة‏,‏ بما يجعل المراقبين يتوقعون تحركات سياسية جديدة ومختلفة عقب قمة البلدين‏.‏

فعلي الصعيد السياسي تتسم زيارة الرئيس مبارك لفرنسا بتدعيم التوجهات الفرنسية القوية من خلال المواقف العادلة من القضايا والمشكلات الدولية‏..‏ الفرنسيون ساعدوا المنطقة في الكثير من الحلول مع سوريا ولبنان والعراق‏.‏ ويلعبون دورا بارزا في تحديد الموقف الأوروبي من مشكلة العرب الدولة الفلسطينية وقضية السلام‏,‏ ومن الضروري الاستمرارية في دعم مصر هذه التوجهات‏.‏

ونستطيع أن نقول بالكثير من القوة إن مبارك بسياسته الحكيمة قد استطاع إلي حد كبير تغيير صورة العرب والأفارقة لدي الدوائر الفرنسية عموما‏,‏ ولدي أوروبا كلها باعتباره من الحكماء والقادرين علي التحرك الإيجابي وصاحب الرؤية الناضجة والحكيمة والمتجددة في الوقت نفسه لمواجهة الأزمات في منطقتنا‏,‏ وصياغة السياسات المتماسكة والواقعية التي تحفظ مصالح العرب‏.‏

أما بالنسبة لمصالح مصر فيما يختص بعلاقاتها بفرنسا ـ وهي واحدة من الدول الكبري سياسيا واقتصاديا ـ فنجد أن فرنسا هي خامس دولة في حقل التجارة الخارجية‏,‏ وقد تعززت علاقتهما الثنائية‏,‏ خصوصا في مجال جذب الاستثمارات الجديدة‏,‏ حيث أعلنت العديد من الشركات أمام الرئيس مبارك ـ الذي حرص علي لقائهم ـ زيادة توسعاتهم

فالبناء علي ما تحقق لمصر من تعاون فرنسي في تنمية اقتصادنا عمل يحسب لتاريخ البلدين إذ تبلغ الاستثمارات الفرنسية الآن مايقرب من‏3‏ مليارات دولار لنحو‏520‏ شركة في مجالات عديدة ومتنوعة تغطي قطاعات الصناعة الغذائية والطاقة والأسمنت والسياحة والنقل وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتشييد والخدمات المصرفية‏,‏ وارتفعت التجارة من ملياري دولار عام‏2004‏ إلي‏3‏ مليارات دولار العام الماضي‏,‏ كما شهد التبادل التجاري خلال الأشهر التسعة الأخيرة‏25%‏ نموا برغم الأزمة العالمية للاقتصاد‏.‏

والشركات الفرنسية تساعد في تنمية اقتصادنا وإدخال تكنولوجيا جديدة‏,‏ وكانت زيارة الرئيس الأخيرة سببا في دخول شركات جديدة أهمها شركة أكور للفنادق التي وافقت علي القيام بإنشاء فنادق جديدة في معظم المحافظات المصرية‏(3‏ و‏4‏ نجوم‏)‏ بما يعني تنشيط اقتصاديات المحافظات المصرية وربطها بالسياحة العالمية‏.‏

………………………………………………………‏

وهنا يجب أن نشيد بما تحقق في مجال تدريب الكوادر البشرية المصرية بفرنسا‏,‏ فقد دخلت لمجالات جديدة لعل أهمها بالنسبة لبلدنا هو تدريب كوادر في المجال النووي السلمي للمساعدة في بناء المحطات النووية لتوليد الطاقة‏,‏ وتنظيم عام مصري ـ فرنسي هو عام‏2010‏ للعلوم والتكنولوجيا‏,‏ والذي يشمل ستة محاور تتعلق بعلوم الحاسبات والاتصالات والتنمية والطاقة والمياه والزراعة وعلوم الفضاء والطاقة النووية واستخدام التكنولوجيا الجديدة في مجالي الآثار والصحة‏.‏

هذه العلاقة الجديدة تعيد وصل ما انقطع في علاقات مصر بفرنسا‏,‏ والتي بدأت عندما قام نابليون بحملته علي مصر‏(1798‏ ـ‏1801‏ م‏)‏ والتي تركت بصماتها علي الكثير من جوانب الحياة المصرية ثم في مرحلتها الثانية عقب حكم محمد علي عام‏1805‏ وارتباطه بصداقة قوية مع فرنسا حيث قام بإرسال بعثات تعليمية إلي فرنسا من أجل التخصص في العلوم والفنون الحديثة ثم عدنا مع العصر الحديث بعلاقات الرئيس مبارك القوية مع الرئيسين الفرنسيين فرانسوا ميتران وجاك شيراك ثم حاليا مع نيكولا ساركوزي‏,‏ والتي انتقلت إلي مجالات عديدة متنوعة بين السياسة الاقتصادية والثقافية‏,‏ ولعل رمزية تسليم الجداريات المسروقة من الأقصر لمصر تعكس الاحترام المتبادل ومظهر القوة والندية والتكافؤ في علاقات البلدين في مجالاتها المتعددة‏.‏

أما جولة الرئيس مبارك الثانية في تركيا فقد كانت زيارة للمستقبل فعلا‏,‏ كما ذكرت في المقدمة وليست للماضي برغم أنه طويل وعميق وقوي بين مصر وتركيا‏,‏ ولكن البلدين تكلما بلغة واحدة‏,‏ فقد تكلمت مصر مبارك مع الرئيسين جول وأردوغان حول المصالح الاستراتيجية للإقليم كله في الملفات الحساسة بمنطق العصر وليس بمنطق الأيديولوجيا التي عفا عليها الزمن

فالبلدان يتعاونان لإعادة الاستقرار‏,‏ ويكفي للتذكرة الدور المصري بقيادة مبارك لوأد الخلافات التي ظهرت مع سوريا في الماضي وكانت جولات مبارك المكوكية بين‏(‏ أنقرة ودمشق‏)‏ هي التي أعادت علاقات البلدين إلي طبيعتها‏,‏ فلا يمكن اليوم إلا أن تكون مصر داعمة للدور التركي في تحقيق الاستقرار لسوريا والعراق‏,‏ وهما الملفان الحيويان اللذان يهمان تركيا قبل غيرهما‏,‏ كما أن الدور التركي مهم في الملف النووي الإيراني الذي يهدد الاستقرار الإقليمي للمنطقة وكذلك فإن الدور التركي في الملف الفلسطيني سيكون داعما للتوجهات المصرية الرامية لتحقيق المصالح العربية والفلسطينية تحديدا‏.‏

نحن نعرف أن الأتراك يتحركون إقليميا ليس لإعادة العلاقات التاريخية التي سادت منطقتنا لخمسة قرون ثم اتجهت بعدها لأوروبا‏,‏ ولكن لأن أنقرة المعاصرة استدارت لتبني علاقات جديدة مع دول المنطقة برؤية سياسية جديدة محورها الاعتدال والموضوعية وتحقيق الاستقرار‏,‏ واقتصاديا فتركيا من الدول الاقتصادية العملاقة وتشهد تطورا في كل قطاعاتها الإنتاجية وتريد استغلال ما يسمي الجغرافيا السياسية لتأمين أسواق جديدة لها‏,‏ وهي تستطيع المواءمة بين الأوضاع الإقليمية المضطربة والسياسات الدولية حيال قضايا الشرق الأوسط وهي قادرة علي التعامل مع ميزان القوي في المنطقة لقربها من كل ملفاتها ومن القوي الدولية صانعة الأحداث‏.‏

والتعاون المصري ـ التركي في هذه المجالات يعمق هذه النتائج ويؤدي إلي تحقيق نجاحات في تلجيم التطرف والمؤثرات القادمة من المنطقة‏(‏ خاصة إيران وإسرائيل‏)‏ لتوجيهها نحو الاعتدال والمساهمة في تحجيم الإرهاب والتطرف بكل أنواعه‏.‏

لقاء مصر مبارك وتركيا جول ـ أردوغان يساعد إلي حد كبير في إنجاز السياسات والخروج من الأزمات‏,‏ ويأتي بنتائج معتدلة ترضي كل الأطراف الإقليمية والدولية‏,‏ وتحقق مصالح الدولتين والمنطقة‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى