مقالات الأهرام اليومى

قمـــة الخـــوف علي مسـتقبل الأرض

صرخات المحتجين خارج اروقة المؤتمر قفوا مع حماه الارض أسامة سرايا
صرخات المحتجين خارج اروقة المؤتمر قفوا مع حماه الارض

ينقسم العالم فيما لايجوز فيه الانقسام‏,‏ ويختلف فيما لايجوز فيه الاختلاف حين تنعقد الآمال وتثور المخاوف ويستبد القلق بسكان الأرض جميعا‏.‏ فالخطر القادم يهدد جبال الجليد بالذوبان ليرفع مستوي المياه في البحار لتبتلع جزرا وأراضي شاسعة يسكنها مئات الملايين من البشر‏,‏ وينشر الغيوم في الأجواء ويقوض فرص النمو في الإنتاج الزراعي‏,‏ ويهدد بثورات العواصف والأعاصير القادرة علي حصد أرواح الملايين جنبا إلي جنب مع الأمراض والأوبئة‏,‏ ويهدد وجود أجناس آلاف من الكائنات التي عاشت علي الأرض آمنة ملايين السنين‏,‏ وينشر اللون الأصفر في أراض هي اليوم خضراء يانعة ومنتجة‏.‏

وشرر النار تتربص بالغابات‏,‏ وكوارث تدق أبواب سكان الأرض بعنف فتعيد إلي الأذهان كوارث الطبيعة فيما قبل التاريخ حينما كانت الأرض تصارع من أجل استكمال المقومات الملائمة لحياة البشر‏.‏

أن محاولة درء الكوارث تنعقد الآن في كوبنهاجن وما أكثر ما انعقدت وتنعقد وسوف تنعقد مؤتمرات القمة في مناطق مختلفة من هذا العالم‏,‏ ولكن قمة كوبنهاجن الحالية هي الأقوي والأهم في تاريخ الكرة الأرضية‏.‏ فالقضايا التي تبحثها القمة هذه المرة تتعلق بمستقبل الحياة علي هذا الكوكب الذي احتضن الإنسان ومحيطه الحيوي ملايين السنين‏,‏ وهي اختبار حقيقي لمستوي الوعي بالأخطار بين سكان الأرض شعوبا وحكومات‏.‏ واختبار لقدرة البشر علي التمييز بين الأخطار الكونية والمصالح القطرية أو الفئوية المؤقتة‏.‏ وتنعقد هذه القمة بالقرب من المنطقة القطبية التي باتت بالاحتباس الحراري تهدد بحار العالم وشواطئه‏.‏

بدأ المؤتمر أعماله بعد نحو ستين عاما من كارثة اختناق ستة آلاف شخص في يوم واحد نتيجة انبعاث غازات المصانع التي لفتت الأنظار إلي قضية الاحتباس الحراري‏,‏ بعد نحو عشرين عاما من بدء الجهود الدولية لدرء خطر التغيرات المناخية فلقد بدأ برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنظمة الأرصاد العالمية عملهما لاحتواء الأضرار عام‏1988,‏ مرورا بقمة الأرض في ريودي جانيرو عام‏1992‏ وانتهاء ببروتوكول كيوتو عام‏1997‏ ورغم تلك السنوات العشرين‏,‏ فإن الجهود العالمية في مواجهة الخطر مازالت أقل كثيرا من أن توفر الحماية لأجيال الحاضر والمستقبل في مواجهة الخطر الأعظم‏.‏

الدول الصناعية تحاول التنصل من التزامات بروتوكول كيوتو‏,‏ ولم تلتزم بخفض الانبعاثات الغازية الضارة بالنسب الواردة في البروتوكول‏.‏ وتسعي إلي اتفاق جديد لخفض ما سبق أن التزمت به من توفير التمويل لمساعدة الدول النامية في تطوير قدراتها البشرية ونقل التكنولوجيا اللازمة‏,‏ والقوة الصناعية الكبري في العالم وهي الولايات المتحدة لم توافق علي الانضمام إلي هذه الجهود الدولية حتي اليوم‏..‏

أما الدول النامية التي تتعرض شعوبها للأخطار التي لم تكن يوما سببا لها‏,‏ فإنها تذهب إلي قمة كوبنهاجن بكثير من الشكوي وقليل من القدرات والإمكانات في مواجهة الكوارث التي أوشكت أن تأتي بها الأنشطة الصناعية للدول الكبري‏.‏

وقد طالب التقرير الصادر عن تقييم فريق حكومي دولي بألا تزيد درجة حرارة الأرض أكثر من درجتين مئويتين فقط إذا ما أردنا تحقيق الحد الأدني من استقرار الغلاف الجوي‏.‏ وتحقيق هذا الهدف يتطلب خفضا في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة لاتقل عن‏40%‏ من مستويات عام‏1990‏ وذلك بحلول عام‏2020.‏ لكن العالم مازال بعيدا عن الوفاء بهذه الشروط ولذلك تزداد الأمور سوءا عاما بعد عام‏.‏

………………………………………………………‏

ولسنا في مصر بعيدين عن الخطر الناتج عن التغيرات المناخية‏.‏ بل إن مصر تقع ضمن‏84‏ دولة أكد تقرير البنك الدولي عام‏2007‏ أنها الأكثر تضررا من ارتفاع مستوي سطح البحر بسبب ذوبان الجليد في المناطق القطبية بارتفاع درجة حرارة الأرض‏,‏ فدلتا النيل مهددة بالغرق‏,‏ وإنتاجنا الزراعي مهدد بنقص موارد المياه وزحف الصحراء‏,‏ وهناك قائمة طويلة من الأخطار تهدد معظم مناطق العالم إلي حد اختفاء جزر في المحيطات تعيش عليها دول بأكملها‏.‏

من أجل ذلك يحاول ممثلو‏192‏ دولة ونحو‏110‏ رؤساء دول أو حكومات في قمة كوبنهاجن التوصل إلي اتفاق لقصر معدل ارتفاع درجة حرارة الأرض علي درجتين مقارنة بمستواه في الفترة السابقة علي الثورة الصناعية قبل ثلاثة قرون‏,‏ وتسبق النيات الطيبة الجميع في كوبنهاجن حتي أن رئيس الوزراء الدنماركي دعا إلي أن تتحول عاصمة بلاده كوبنهاجن خلال فترة انعقاد المؤتمر إلي‏’‏ هوبنهاغ‏’‏ أي مرفأ الأمل‏,‏ وخاطب الجميع في افتتاح المؤتمر قائلا‏:’‏ أنتم مؤتمنون خلال فترة قصيرة علي آمال البشرية‏’‏ ولكن النيات وحدها لن تصنع تحالفا دوليا في مواجهة الخطر المحدق بالجميع‏,‏ فوراء الكلمات الناعمة والنيات البادية علي الجميع تكمن المصالح الضيقة للشركات والدول واستعراضات القوة والنفوذ من الدول الصناعية الكبري واستخدام كل وسائل التشكيك الناعمة في تقارير العلماء الدامغة لظاهرة الاحتباس الحراري بينما تنتظر الدول النامية ـ بشيء من اليأس ـ ما سوف يسفر عنه المؤتمر الذي وصفه أحد الخبراء الاقتصاديين البريطانيين بأنه يشبه مؤتمر غابات برايتون الذي رسم الخطوط الكبري للنظام النقدي العالمي عقب الحرب العالمية الثانية‏.‏

ويواجه المجتمعون في كوبنهاجن التوافق علي آليات عمل سريعة وفورية وملزمة‏,‏ فالدول الصناعية ملزمة بخفض انبعاث الغازات المسئولة عن ارتفاع حرارة الأرض ولكنها تقاوم بسبب التكلفة الباهظة وتخشي من ارتفاع أسعار منتجاتها في الوقت الذي تعتمد فيه بشدة علي إنتاجها الصناعي‏,‏ وكذلك فإن الدول النامية الكبري مثل الهند والصين مطالبة بالشيء نفسه مهما تكن الحجج التي تسوقها‏..‏ والدول النامية أيضا لاتستطيع الهروب من مسئوليتها في هذا الصدد ولكن الحجج والتبريرات تتفاوت وتتنوع‏.‏

وتواجه قمة كوبنهاجن مشكلة إدارة المخصصات المالية التي سوف تلتزم بها الدول الصناعية تجاه الدول النامية‏..‏ إنها مشكلات سوف تنخرط الدول المشاركة في تفاصيلها وربما تنسي في صراع التفاوض حجم المشكلة نفسها‏.‏

وسوف يرضي العالم أن ينفض المؤتمر عن تفاهم دولي عام يوحد جهود الجميع حتي وإن كان أقل من مستوي بروتوكول كيوتو بشرط أن يجد طريقه سريعا إلي التنفيذ‏.‏ وربما كان نمو الوعي العالمي بالمشكلة ونشاط الدوائر العلمية ومنظمات المجتمع المدني والتغير في الموقف الأمريكي والحضور المتوقع للرئيس الأمريكي باراك أوباما‏,‏ عوامل سوف تساعد في التحرك الإيجابي نحو التصدي للخطر الأكبر الذي يواجه الجميع‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى