مقالات الأهرام اليومى

الأيـدي الإيرانيــة‏!‏

تحذير الرئيس حسني مبارك العلني والصريح لإيران بعدم التدخل في الشأن العربي يجب ألا يفوت علي العرب جميعا‏,‏ وخاصة عقلاءهم أو حكماءهم الذين يرصدون المتغيرات‏,‏ ويقيسون كل شئ بأسبابه الموضوعية وتطوراتها‏..‏ فرئيس مصر‏,‏ الحريص والدقيق في كل مايخص العرب ومصالحهم العليا‏,‏ قد ضمن تحذيره في خطابه الافتتاحي للدورة البرلمانية‏(‏ لمجلسي الشعب والشوري‏)‏ وهما السلطة التشريعية في بلادنا في اليوم الأول لبدء أعمالها السياسية‏,‏ وهو الخطاب الذي يحمل سياسات مصر المستقبلية داخليا وخارجيا‏.‏

الرئيس مبارك أوضح في خطابه الصريح أن مصر لن تتردد في اتخاذ مواقف تتصدي لمحاولات زعزعة الاستقرار‏,‏ وتحمي أمن مصر القومي في صلته بأمن منطقة الخليج والبحر الأحمر وأمن الشرق الأوسط بوجه عام‏..‏ هذا التحذير له مضمون سياسي يكشف المتغيرات الإقليمية‏..‏ لأن إيران فعلا نوعت تدخلاتها الإقليمية في نشر المذهب الشيعي‏,‏ واخترقت اتفاقا سنيا شيعيا بعدم التدخل في نشر المذاهب‏,‏ وعدم استغلال الروح العدائية الطائفية الكامنة‏,‏ وامتد ذلك إلي إثارة القلاقل في كل المنطقة‏,‏ وشن حروب عسكرية فعلية‏,‏ واستنزاف دول المنطقة علي حساب أبنائها باستغلال المذهبية أو الانشقاقات العربية ـ العربية‏,‏ ومن يجادل في ذلك فعليه أن ينظر برؤية ثاقبة إلي مسرح العمليات الأخير الذي فتح في اليمن والذي اتسعت رقعته بانضمام السعودية‏..‏ وهي ليست الحرب الأولي‏,‏ بل جاءت بعد استنزاف العراق‏,‏ وهناك مواجهات فعلية وميليشيات إيرانية‏,‏ تعمل في مختلف المدن العراقية‏..‏ فإيران هي أكثر الدول استثمارا للوضع السيئ الذي يعيشه العراقيون بعد الاحتلال الأمريكي‏,‏ وقد خلقت حالة لدي العراقيين شبيهة بحالة الحرب الأولي مع إيران في الثمانينيات‏..‏ وظهر أن إيران استغلت حالة
الاحتلال للثأر من العراقيين‏..‏ بل ومن العرب جميعا‏,‏ خاصة من ساعد العراق في هذه الحرب‏.‏

وإذا زدنا علي ذلك حالة الشواهد من التدخل الإيراني المتزايد في الشأنين اللبناني والفلسطيني لأصبح مسرح العمليات العسكرية والسياسية الإيراني مكشوفا‏..‏ وبصراحة كاملة أمام كل العرب‏,‏ وهناك تدخلات أخري ليست أقل تأثيرا‏,‏ ولكنها تصنع وتؤجج المشاعر والمخاوف بين العرب جميعا‏..‏

ولعلنا نتذكر‏..‏ ولا ننسي أن إيران تدخلت في الشأن الفلسطيني لزرع الانشقاق وتغذيته بين‏(‏ الضفة وغزة‏),‏ كما أنها تقف ضد أي محاولات لإعادة الوئام‏,‏ وتصفية الانفصال الجغرافي أو الصراع الفصائلي‏,‏ حتي ترهن قضية العرب ـ أي القضية الفلسطينية ومستقبلها‏,‏ بل ومستقبل الدولة الفلسطينية المرتقبة التي قاتل العرب والمصريون سلما وحربا لإقامتها‏,‏ أقول ترهن هذه القضية من أجل الملف النووي الإيراني‏,‏ ومستقبل إيران ودورها في المنطقة‏.‏

وتلك كارثة عربية كبري‏,‏ يجب أن ينتبه لها كل العرب‏,‏ فغير مقبول أن تكون قضيتهم الكبري ومستقبل الفلسطينيين ورقة صغيرة في الملف الإيراني مع أمريكا والغرب في الشرق الأوسط‏..‏ ومن لا يريد أن يصدقنا فيجب أن يدرك أن إيران حاولت اختبار قوتها الإقليمية عبر مصير الفلسطينيين واللبنانيين‏,‏ وأنها كانت وراء حرب غزة وضرب الفلسطينيين في مطلع هذا العام بل إنها كانت وراء حرب لبنان عبر حزب الله وهي حرب غير متكافئة‏,‏ دفع ثمنهاأسامة سرايا الدم الفلسطيني الغالي‏,‏ والدم اللبناني الغالي‏.‏

ومن يرد أن يقارن بين الدور المصري والتخريب الإيراني في الشرق الأوسط‏,‏ فعليه أن يعرف ماذا فعلت مصر‏,‏ وماذا فعلت إيران؟

………………………………………………………‏
كانت مصر وحكمتها البالغة وراء وقف الحرب‏,‏ وكشف العدوانية الإسرائيلية‏,‏ وتوحشها ضد الفلسطينيين في غزة‏,‏ وضد اللبنانيين وأراضيهم‏..‏ بينما كانت إيران تريد أن تري الدم العربي يسيل غزيرا لتحقيق مصالحها وأطماعها الإقليمية في المنطقة‏,‏ فلم يسل الدم الإيراني في المعركة بل سال الدم العربي‏,‏ وتعرضت منطقتنا للأزمة وللحروب وللخسائر‏,‏ وحاول الإيرانيون هنا أن يظهروا أنهم مؤيدون وداعمون للعرب‏,‏ وأرادوا إحراج الجميع‏,‏ ولكن مخططاتهم انكشفت‏.‏

وأعتقد أن الحقيقة الآن في المنطقة أصبحت عارية تماما لكل من يريد أن يفهم أو يدرك المتغيرات وطبيعتها‏..‏ إيران ليست ضد إسرائيل بل إن إيران تستخدم القضايا العربية‏,‏ خاصة ملفها النووي في المنطقة‏,‏ للتفاوض‏..‏ ولا تبالي بدفع المنطقة الي حافة الحرب الجزئية أو الكاملة‏,‏ لأنها تعرف أنها بعيدة وتريد ان تدفع إسرائيل لممارسة عدوانيتها مع العرب‏,‏ وليس غيرهم‏!!‏ ولا تريد للحلول السياسية أو السلمية ان تمتد إلي المنطقة‏,‏ بل تساعد إسرائيل في إفشال مبادرة الرئيس الأمريكي باراك أوباما للسلام وقيام الدولة الفلسطينية المرتقبة‏,‏ لأنها تشعر بأن هذا يهدد مصالحها بل مستقبلها الإقليمي الذي لاتراه إلا علي أشلاء العرب وجثثهم وضياع بلادهم وتهميشها‏..‏ وامتد ذلك إلي كل البلدان العربية‏,‏ وليس لمنطقة الخليج وحدها أو البحر الأحمر وصولا إلي المغرب العربي بأساليب مختلفة ومبتكرة‏.‏

ولا أستبعد أن تكون الجفوة الأخيرة التي حدثت بين مصر والجزائر بعد مباراة لكرة القدم من صناعة الأصابع الإيرانية الخبيثة والممتدة‏,‏ باستخدام دوائر عربية خليجية تتنافس علي المشروعات الاقتصادية‏,‏ وتريد التأثير علي مكانة مصر في مجالات سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية في المنطقة العربية كلها‏.‏

وإلا فبماذا تفسرون أن كثيرا من الأصوات أو الصحف الجزائرية التي استخدمت في معركة لكرة القدم بين البلدين خرجت بعناوين تعيد التذكير بكامب ديفيد‏.‏ وتعلن أنها خروج مصري من قضايا العرب والمنطقة‏..‏ متناسين منهج مصر وسياستها في إدارة الصراع بين العرب والإسرائيليين‏..‏ بين الحرب والسلام معا؟‏!‏

هذه صحف مأجورة إيرانيا‏,‏ ولا ننسي أن إيران لا تستخدم صحفا فقط‏,‏ بل تستخدم بلادا وطوائف عربية في معركة كبيرة وممتدة لفرض مصالحها الإقليمية ودورها ومستقبلها علي حساب العرب جميعا ومستقبلهم وقضاياهم‏..‏ وأصحاب الأدوار الرخيصة كثيرون‏,‏ واللوبي الإيراني يتغلغل وسط العرب جميعا وفي كل البلدان العربية‏,‏ ولا ننسي أن الأصابع الإيرانية هي التي استخدمت فريق حزب الله اللبناني في مصر لزرع خلية للتدخل في الشأن المصري عمليا‏.‏

ولا ننسي التهديدات الإيرانية الصريحة بابتلاع البحرين‏,‏ وإعادتها إلي الحظيرة الإيرانية أو الدولة الإيرانية‏,‏ وتصفية مملكة البحرين‏,‏ متلاعبة باستقرار دولة عربية شقيقة‏,‏ بل أمن الخليج العربي كله مستخدمة العنصر الطائفي لتقسيم وخلخلة البلدان العربية‏.‏

سكتنا عربيا عن الجرائم الإيرانية طويلا‏..‏

سكتنا عن احتلال الجزر الإماراتية الثلاث للحفاظ علي التجارة بين الإمارات وإيران‏.‏

سكتنا عن السيطرة علي الخليج العربي‏,‏ الذي حولته إيران إلي فارسي‏,‏ حرصا علي وشائج القربي والدين بين العرب وأهل فارس‏.‏

سكتنا عن التحالف بين التيارات الدينية في بلادنا السنية‏,‏ وبين التنظيمات الإيرانية التي حشدتها لتهديد استقرار المنطقة‏..‏ ولم يتكلم كثيرون عن وشائج القربي بين إيران وإيواء عناصر من تنظيم القاعدة أو التنظيمات الأخري خلال حرب الإرهاب الطويلة في منطقتنا وقبل اشتعال حرب الإرهاب الأمريكية عقب أحداث سبتمبر عام‏2001‏ في واشنطن ونيويورك‏.‏

ولا ننسي أن الاحتفاء بقاتل الرئيس الراحل أنور السادات‏,‏ الإرهابي خالد الإسلامبولي كان إيرانيا لتشجيع باقي الإرهابيين علي هز استقرار مصر والسير في هذا الطريق الذي يهدد أكبر دولة عربية بعدم الاستقرار‏.‏

ولا ننسي أن المعركة اليمنية الآن وطرفها السعودي ضد الحوثيين‏,‏ هي معركة تحت السلاح والمال الإيراني‏,‏ بأيدي فصيل يمني تمرد علي الدولة‏,‏ مستغلا البعد الطائفي والديني ومستغلا ظروفا يمنية داخلية‏..‏ وكان يجب علي إيران الحفاظ علي علاقات قوية مع الجوار العربي كله‏!!‏ ولكنها لا تبالي بعلاقات الجوار العربي أو باتفاقيات التعايش بين السنة والشيعة في عالمنا الإسلامي‏.‏

فلقد سبق أن استخدمتهم في لبنان لتهديد التعايش التاريخي والطويل بين الطوائف اللبنانية في تلك الدولة الفريدة ولم يتكلم أحد‏,‏ بل إنها وجدت بين العرب من يتدخلون لكي يقننوا ويفرضوا تعايشا لبنانيا جديدا تحت تهديد السلاح الإيراني‏,‏ مستخدمين حزب الله ومستخدمين حجة المقاومة ضد إسرائيل لكي ينقلوا قرار الحرب في تلك الدولة المهمة عربيا وشرق اوسطيا إلي يد إيران علي حساب كل الطوائف اللبنانية بالقهر والتخويف وباستخدام السلاح والمال لهز الثقة بينهم وبين بلدانهم‏.‏

إيران لم تتورع في الفترة الأخيرة عن استخدام الأسلحة القذرة مع العرب‏.‏

ويبدو أن بعض المغامرين فيها الآن يرون أن الوقت قد حان لإعادة بعث المشروع الفارسي الذي ينطلق من عباءات الملالي لتهديد العرب ومصالحهم وأوطانهم‏.‏

ولافرق في هذه التهديدات بين دولة تقع علي الحدود بين إيران‏,‏ ودولة تفصلها عنها آلاف الأميال‏.‏

لا فرق بين دولة بها طائفة شيعية أو غيرها‏,‏ تستخدمها بحكم الانتماء الطائفي‏..‏ فلقد أعادت بعث عداء كبير بين الطائفتين من بواطن التاريخ بعد أن انزوي وضاع‏,‏ فعاد من جديد بعد احتلال العراق‏,‏ وبعد حرب لبنان‏,‏ بالقتل علي الهوية‏,‏ وبالتخويف من السنة واجبارهم علي التعايش تحت تهديد السلاح الإيراني بحجة حماية الشيعة وفرض وجودهم عربيا وعلي الساحة الإسلامية كلها ليس باعتبارهم أقلية دينية‏,‏ وإنما باعتبارهم محميين بالقوة الإيرانية النووية المرتقبة‏.‏

أما الطوائف الأخري فيتم قهر المسيحيين وتوظيفهم إيرانيا‏,‏ وإضعاف السنة وجعلهم تحت رحمة السلاح الإيراني في أي وقت‏..‏ ولم تؤلف الحكومة اللبنانية إلا بتوافق‏(‏ سوري ـ إيراني‏)‏ علي حساب وتحت التهديد أو الفيتو الإيراني عبر حزب الله في أي وقت أو زمان‏,‏ لجعل حياة اللبنانيين تحت التهديد الايراني الدائم والمستمر‏.‏

هكذا تتعامل إيران مع العرب‏..‏ فعلاقة العرب بإيران وعلاقات الطوائف العربية أو الإيرانية السنية بالطائفة الشيعية إيرانيا وعربيا تحتاج إلي إعادة صياغة ولغة حوار صريح بين الطرفين‏,‏ فلا يمكن ان نرهنها بالحوار الدائر بين أمريكا وأوروبا من جهة وبين إيران من جهة أخري‏,‏ فالعرب ضد ضرب إيران أمريكيا أو أوروبيا بل إن العرب ضد فرض عقوبات علي الشعب الإيراني‏,‏ والعرب كذلك مع أي مشروع سلمي نووي إيراني لتوليد الطاقة الكهربائية‏,‏ ولكنهم ضد أي مشروع نووي جديد في المنطقة لايران أو لغيرها يؤجج الصراعات العسكرية في الشرق الأوسط ويحولها إلي صراعات حرب ودمار شامل‏.‏

………………………………………………………‏

علي إيران أن تدرك المتغيرات العالمية والمتغيرات الاقليمية خاصة العربية وأن العرب لن يقبلوا بأي هيمنة علي شئونهم سواء من إسرائيل أو أمريكا أو إيران‏,‏ فالمنطقة العربية والشرق الأوسط كله في حالة صحوة وتغير حقيقي‏..‏ كل بلدانه تسعي الي بناء اقتصادها وتطوير نظمها السياسية وإعادة اللحمة الاجتماعية لبلدانها باحترام كل الأديان والطوائف داخلها بل واحترام حقوق الإنسان والمواطنة الحقيقية لكل أبنائها‏..‏ وهي في هذه الحالة ضد الحروب والصراعات بكل أشكالها وباحثة عن السلام لبلدانها بل للمنطقة كلها‏..‏ وهي مع إعادة الحقوق الضائعة للشعوب المظلومة‏,‏ وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني الشقيق الذي لن يقبل احد ان يهضم او تضيع حقوقه لأسباب تاريخية اخترعتها إسرائيل ولصراعات حديثة تجددها إيران‏!!‏

العرب‏..‏ أيها الإخوة الإيرانيون يبحثون عن السلام والاستقرار لبناء دولة عربية حديثة لن يهضم حق أحد فيها‏..‏ ولن يقبلوا دولا عفا عليها زمن‏..‏ أي دولة دينية أو طائفية‏,‏ فليكن معلوما لديكم أنه لن يكون مسموحا هضم حق أحد أو فرض وصاية علي أحد‏,‏ ولن نكرر أخطاءكم أو خطاياكم في حق الشعب الإيراني نفسه‏..‏ فكل الحقائق أصبحت واضحة عن الداخل الإيراني بعد الاضطهاد الذي واجهته الأغلبية أو الأقلية عقب الانتخابات الإيرانية الأخيرة‏.‏

حانت لحظة أن يتحرك العرب معا لوقف التدخلات الإيرانية في بلداننا وصياغة خطط مشتركة لحل قضايانا‏,‏ وفي مقدمتها القضية الفلسطينية العادلة وتقسيم الأدوار بين بلداننا لمصلحة الفلسطينيين‏,‏ وليس عليهم أو استخداما لقضيتهم حتي لا يحاسبنا التاريخ علي إهدار فرصة مواتية لتقرير مصير الفلسطينيين وقيام دولتهم‏..‏ نهدرها تحت سياط اللعب الايراني الخبيث مع التطرف اليميني الاسرائيلي المجحف والعدواني والإجرامي أو حتي الضعف الأمريكي المشين أمام الاسرائيليين‏.‏

انتهزت هذه الدعوة النبيلة لكي أطرحها في عيد الفداء الإسلامي الكبير ـ عيد الأضحي المبارك ـ لأقول لكل مسلم عربي أو فارسي أو تركي أو آسيوي أو إفريقي أو أوروبي أو أمريكي‏..‏ كل عام وأنتم بخير‏.‏

وقد انتهت الصراعات بينكم وبين الآخرين واستطعتم أن تلجموا التطرف والإرهاب والمخاوف بينكم وبين الآخرين في عالم جديد ومتغير‏.‏

كل عام وأنتم بخير‏..‏ يوم العيد الكبير للمسلمين في كل مكان بعالمنا‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى