مقالات الأهرام اليومى

في وداع عام واستقبال آخر

ساعات وينقضي عام ليبدأ عام آخر نستهل به العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين‏.‏

أسامة سرايا
  وفي مثل هذا الوقت يتوقف الكثيرون هنا وفي مختلف أنحاء العالم يتأملون حصاد عام مضي قد أصبح في ذمة التاريخ, ويتلمسون ملامح عام جديد لايزال جنينا في رحم الغيب. هذه الساعات الفاصلة بين عامين تخضع للكثير من المراجعات والكثير من التوقعات. وهي في كل الأحوال ساعات مفعمة بالأمل أن يأتي العام الجديد ليحتوي توقعات وطموحات تهب الجميع شعورا بالرضا والثقة في الغد المرتقب.

وكما هي الأمنيات المتبادلة بين المصريين هذه الليلة أن يحمل العام المقبل لكل مصري الخير والسعادة, فإن لمصر في مستهل هذا العام الجديد أمنيات وأهدافا وتطلعات ينتفع بها كل مصري علي أرضها في قادم الأيام, ومن حق المصريين أن يتطلعوا إلي حياة أفضل في العام الجديد وأن يتوقعوا فيه الكثير أيضا. وحتي لاتكون آمالنا أمنيات أو أحلاما, أعود لما نشرته مجلة الإيكونوميست هذا الأسبوع حول الأداء الاقتصادي المصري. فقد اختارت تلك المجلة الاقتصادية العالمية مصر ضمن الأسواق المرشحة لموجات كبيرة من النمو خلال السنوات العشر المقبلة,. تقف مصر فيها مع خمس دول أخري هي: كولومبيا واندونيسيا وفيتنام وتركيا وجنوب أفريقيا. وحسبما جاء في هذا التقرير فإن اختيار تلك المجموعة يرجع إلي ما تتميز به من مجتمعات سكانية شابة واقتصادات متنوعة واستقرار سياسي ونظم مالية متميزة. كما أن هذه الدول الست لا تعاني ارتفاعا صارخا في معدلات التضخم أو اختلالات كبيرة في الميزان التجاري.
وهناك أيضا تقرير مؤسسة فيتش العالمية الذي يؤكد أن الاقتصاد المصري أثبت قدرته علي مواجهة الأزمات المالية العالمية, بفضل الإصلاحات الاقتصادية التي تمت. وتقرير البنك الدولي الذي صنف الاقتصاد المصري باعتباره ثالث أكبر الاقتصادات العربية في الوقت الذي يحتل فيه المرتبة الثانية والأربعين علي المستوي العالمي. وجاء تقرير التنمية البشرية ليضع مصر في المرتبة السابعة عشرة في قائمة تضم135 دولة حققت تقدما في الإنجازات الإنمائية طويلة الأجل.
هكذا يرانا خبراء الاقتصاد في العالم, قبل أيام قليلة من انتهاء عام2010, استنادا إلي دراسات وبحوث ومؤشرات عالمية لا تجامل ولا تتحيز. هذه المكانة الاقتصادية الواعدة لمصر تؤكد أننا قطعنا خطوات علي طريق الإصلاح الاقتصادي وأننا نجحنا فيما خططنا له. وتأتي مؤشرات الأداء الاقتصادي المصري في الداخل والخارج لتؤكد أن مصر حققت بوادر انتعاش اقتصادي بعد الأزمة المالية العالمية: زادت إيرادات قناة السويس, وتنامت عائدات السياحة, وحققت تحويلات المصريين في الخارج ارتفاعا كبيرا وتراجع معدل التضخم وارتفع معدل نمو الاقتصاد بعد تراجعه في ذروة سنوات الأزمة المالية العالمية.
وفي عام2010 خطت مصر أولي خطواتها القوية تجاه عصر الطاقة النووية. وفي العام نفسه بدأ تشغيل منجم السكري للذهب بإنتاج وصل إلي سبعة أطنان, وسوف يزيد الإنتاج طنا آخر العام المقبل مما يجعل منجم الذهب المصري ضمن قائمة أكبر مناجم الذهب العشرة في العالم. المؤشرات جميعها تؤكد أننا نمضي علي الطريق الصحيح وإلا ما كان يمكن أن نضع مصر في غضون سنوات قليلة ضمن قائمة الاقتصادات المرشحة لموجات كبيرة من النمو.
وقد آن الأوان لأن نتخلص من ثقافة الشك وانعدام الثقة التي عمل بعضنا طويلا من أجل نشرها. وكذلك الذين يتحدثون عن مشروع قومي يجمع المصريين تحت لوائه. أفلا يمكن أن يكون تحقيق معدل النمو الاقتصادي الذي طالب الرئيس مبارك به وهو8% لسنوات مقبلة مشروعا قوميا نلتف حوله ونعبئ طاقاتنا من أجله؟! وهو هدف يتضاءل إلي جانبه كل مشروع قومي آخر. ولاتحمل مؤشرات عام2010 تحسنا ملحوظا فقط في نمو القدرات الاقتصادية المصرية ولكنها تحمل الأمل في أن تصل عائدات التنمية إلي الشرائح التي عانت بسبب تداعيات الأزمة العالمية وتركيز الحكومة في الفترة المقبلة علي مستوي معيشة محدودي الدخل, فالنمو الاقتصادي في مصر حقيقة والاهتمام بالفقراء أيضا حقيقة لايمكن إنكارها. والمتابع لخطابات الرئيس مبارك وتوجيهاته للحكومة يدرك أن عام2011 سوف يشهد كثيرا من الجهود لتحسين الأحوال المعيشية لمحدودي الدخل وزيادة فاعلية جهود مكافحة الفقر.
وعلي الصعيد السياسي كانت نهاية عام2010 مواكبة لبدء أعمال الدورة البرلمانية الحالية لأكثر مجالس الشعب إثارة للاهتمام. فقد جاء المجلس بعد معركة انتخابية قوية أسفرت عن انحسار شديد لقوة جماعة الإخوان المسلمين في الشارع المصري, بعد خمس سنوات من المشاركة في البرلمان بنحو ثمانية وثمانين نائبا. صحيح أن الجماعة ملأت الدنيا اتهامات ولكن الحقيقة هي أن عملا دءوبا ومنظما وسياسيا مشروعا قد بذل طوال السنوات الخمس التي فصلت انتخابات2005 عن انتخابات2010 لكشف ممارسات الجماعة وأهدافها. ومما أسهم في تراجع شعبية الجماعة وسقوطها المروع في انتخابات هذا العام هو أن الجماعة قد استكانت للاعتقاد بأنها قوية ومرغوبة ومطلوبة, وأن الدين وحده يكفي لأن يحملها الناخبون إلي مقاعد البرلمان. كان الرأي العام المصري يتغير بعيدا عنها في الوقت الذي يزداد تشددها وتتعاظم أخطاؤها. كانت الهزيمة الكبري للجماعة من بين أبرز الأحداث السياسية التي جاءت بها انتخابات.2010
وعلي المستوي الحزبي فقد كان الفوز الكاسح للحزب الوطني بأغلبية مقاعد البرلمان يحمل شيئا أيضا من المفاجأة, علي الرغم من أن تحقيق الأغلبية كان متوقعا للحزب الوطني, بفعل الاستعدادات والترتيبات التي اتخذها الحزب قبل وقت طويل من الانتخابات. ومن المخيب للآمال ذلك العدد المحدود من المقاعد الذي ذهب للأحزاب السياسية الأخري التي يبدو وكأنها فوجئت بالانتخابات عشية إجرائها فلم تستعد الاستعداد الكافي.
انتهت الانتخابات وأصبح الحزب الوطني مسئولا عما تجري به الأحداث في أرض الوطن في الأعوام الخمسة المقبلة. ولقد كان من حق الحزب أن يحتفل بما أنجز في الانتخابات ولكن مسئوليات كبيرة تنتظره في ضوء النجاحات التي تحققت في المجال الاقتصادي طوال السنوات القليلة الماضية. ولذلك ظهر سياسيو الحزب الوطني أشد احتراما للمشهد السياسي المصري وأكثر حرصا علي التعاون مع الأحزاب الأخري وفتح أبواب الحوار معهم.
بدأ الرئيس مبارك الدعوة لتنشيط العمل الحزبي, حين أكد علي أهمية العمل الحزبي وأن يظل رهنا بالتواصل مع الشارع بمشكلاته وهمومه, وشدد علي أن الحزب الوطني يرفض احتكار العمل الوطني والحزبي ويتطلع لتعزيز التعددية والمنافسة, وكذلك أكد أمين عام الحزب الوطني صفوت الشريف, وأمين السياسات جمال مبارك وباقي السياسيين والمتحدثين بل وأعضاء الهيئة البرلمانية.
ولم يبق إلا أن نشهد مع بداية العام الجديد مبادرة حزبية تجمع الأحزاب الشرعية.. وراء حماية النظام السياسي المصري وتعزيزه وتقويته بعد أن نجح نظامنا السياسي ـ عبر الانتخابات البرلمانية في عام2010 ـ في تعزيز مكانته بالتخلص من الشعارات الدينية وحماية النظام السياسي, وتأكيد احترام الدستور والقانون عبر عدم الخلط بين ما هو ديني مقدس وما هو سياسي يختلف حوله الناس ويتنافسون.. وكما أسقط الشارع السياسي والانتخابات تلك الآفة الخطيرة التي كانت تهدد سلامة الحياة السياسية, أسقطت الانتخابات المختبئين وراء قناع المستقلين. وهم في حقيقتهم أحزاب وجماعات دينية محظورة طبقا للقانون والدستور.. الذي لا يسمح بقيام أحزاب دينية تهدد سلامة المجتمع واستقراره.
ودعونا نتفق علي أن من أبرز ما تحقق لنظامنا السياسي من تصحيح وتطور هو تمسكه بالشرعية واحترام القانون والتخلص من الحزب السري والديني الذي يحظره القانون, وأصبحت الأحزاب الشرعية ـ بل والقوة السياسية والمجتمع المدني بهيئاته ومنظماته. وشبكاته المختلفة ـ هي المدعوة اليوم إلي أن تتخلص من أنانيتها وكسلها وسعيها للوصول إلي الشارع عبر الجمعيات الدينية للتواصل معه من خلال همومه ومشكلاته وأن تبذل جهدا سياسيا وعمليا, وتتخلص من حالة الضعف الذهني لتدفع الناس في بر مصر للمشاركة عبر قيم جديدة.. تعزز الدولة المدنية الحديثة وطموحها.
ويجب أن تعترف الأحزاب المصرية كلها بما فيها الحزب الوطني الحاكم بأنها عجزت عن دفع الأغلبية للمشاركة في الانتخابات التي تراوحت بين25 و35% ما بين الشوري والشعب.. أي أن أكثر من70% من المصريين وهم الأغلبية الحقيقية لم يشاركوا في الانتخابات وهذه ظاهرة معيبة في نظامنا وتحتاج إلي تصحيح ورؤية متبصرة من الحكومة والمجتمع لكيفية دفع المواطنين للمشاركة.
وفي العام الجديد يحل للمرة الثانية في تاريخنا الطويل الحدث الديمقراطي الأكبر في تاريخنا الحديث والمعاصر وهو انتخاب رئيس الدولة انتخابا حرا مباشرا. وهو حدث نعزز به مسيرتنا الديمقراطية ونؤكد به حق المصريين في اختيار رئيسهم والنظام الذي يلائمهم. ولئن كانت الأغلبية في مصر اليوم لاتري بديلا عن الرئيس مبارك, فإن الحدث نفسه يظل معلما بالغ الدلالة في مسيرة التطور الديمقراطي في مصر. وسوف تدرك الأجيال القادمة مغزي هذه الخطوة التي بدأها الرئيس مبارك نفسه.
آمال كثيرة تطال حياتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ونحن نستقبل عاما جديدا. غير أن تحقيق كل تلك الآمال يظل مرهونا بتحقيق شيء من الإجماع حول أهدافنا التي تميزنا باعتبارنا مجتمعا مختلفا ومتميزا عن غيره. الأمل أن يضع العام المنصرم نهاية للاختلاف علي كل شيء وحول كل شيء وأن تجمع بيننا أهداف تحقق صالح الجميع, فبغير شيء من الإجماع لن نحقق الكثير ولن تفيدنا ثقافة الشك كثيرا. وعلينا أن نثق في قدرتنا علي تحقيق ما نصبو إليه جميعا.

Osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى