مقالات الأهرام اليومى

مصر والسودان واستفتاء‏9‏ يناير

أخطاء تراكمت وسنوات تتابعت لتصل بالسودان إلي ما هو مقبل عليه‏.‏ لم يعد انفصال الجنوب عن السودان احتمالا‏,‏ ولم يعد المشكلة الأكبر‏,‏ ولكنه خطير بتداعياته علي ما بقي من وحدة بين أقاليم البلد الأكبر مساحة بين دول العرب والأفارقة‏.

أسامة سرايا
وخطير بما سوف يأتي به علي أهل الشمال وأهل الجنوب. اقترب التاسع من يناير لا ليكون يوم تقرير مصير وحدة السودان, ولكن ليكون يوما ينهي عصورا من التاريخ. لن يضع ذلك اليوم نهاية لحروب طويلة دامية بين الشمال والجنوب, ولكنه يمكن أن يأتي بحروب أكثر دموية وأكثر تكلفة, ووقتها سوف يكون السودان قد خسر بالاستفتاء مرتين: الانقسام, والحرب. فالانقسام قادم بقدسية الاستفتاء عند الجنوبيين والحرب قادمة بالتسليح المستمر علي الطرفين استعدادا للقتال. المشكلات العالقة كثيرة وكبيرة والاتجاه نحو تأجيل حلها إلي ما بعد الاستفتاء قوي وغالب.

في الشمال والجنوب قوتان فشلتا فشلا ذريعا في الحفاظ علي وحدة السودان التي هي في مصلحة أهل الجنوب وأهل الشمال علي السواء. ولكن القوتين فرضتا سطوتيهما منفردتين لتصبح كل منهما وصيا علي حياة الملايين في السودان. بعض الأصوات في السودان تحمل العرب جزءا من المسئولية بتراجعهم عن دعم ثورة الإنقاذ وحكومة البشير في ظل الترابي لمغالبة الأوضاع المتردية في الجنوب. ولكن الحقيقة هي أن حكومة السودان تتحمل منفردة الجانب الأكبر من المأساة التي تتربص بالسودان الآن. وعلي الرغم أن الوقت لم يحن بعد لتقييم الأخطاء التي انتهت بالسودان إلي هذا المصير, فإن حكومة السودان ظلت ترتكب مسلسلا من الأخطاء الفادحة منذ توليها سدة الحكم في البلاد, وهي التي أكدت لدي الجنوبيين فكرة تقرير المصير بدلا من التكامل مع الشمال بسياسات عقائدية, جعلت التعايش بينهما صعبا ومستحيلا. لقد روجت الحكومة لخطيئة أن إقرار حق تقرير المصير سوف يجعل من وحدة السودان خيارا صحيحا للجنوبيين, في الوقت الذي لم تفعل فيه شيئا طوال السنوات التي انقضت منذ إقرار هذا الحق. فالحكومات المتعاقبة لم تستوعب جيدا معطيات قضية الجنوب, ولا هي أدركت الأوضاع الدولية المحيطة التي كانت كل المؤشرات تؤكد حرصها وسعيها نحو تقطيع أوصال البلد الكبير. والنتيجة هي ما نحن بصدده الآن. فعند توقيع بروتوكولات ماشاكوس لم تستمع حكومة السودان لرأي القاهرة.
وقايضت علي تطبيق الشريعة الإسلامية في الشمال مقابل حق تقرير المصير في الجنوب. كانت عباءة الترابي هي التي أخرجت الكثير من الأفكار التي عجلت بالمصير الذي ينتظر السودان. وفي التاسع من يناير عام2005 ووسط زخم إعلامي كبير وحضور دولي غير مسبوق تم توقيع اتفاقية نيفاشا بحضور شرفي لأربع منظمات دولية وتسع دول, منها دولة عربية واحدة هي: مصر, ودولتان إفريقيتان هما, كينيا, وأوغندا, وخمس دول أوروبية, بالإضافة إلي الولايات المتحدة.
لم تكن مصر يوما بعيدة عن تطور الأوضاع في السودان, ولم تكف عن التحذير والمشورة لمن هم في سدة الحكم في الجنوب والشمال والتعاون معهم. تفاعلت مصر مع القضية بقدر ما تسمح لها أبعاد مشكلة داخلية في دول ذات سيادة. زار الرئيس مبارك جوبا في جنوب السودان, في حين تساءل الجنوبيون أين الرئيس السوداني من زيارة جوبا؟ استقبل الرئيس مرات ومرات قيادات جنوب السودان, وتوالت زياراته ومحادثاته مع قيادات الشمال. ولكن الأوضاع بالأخطاء المتكررة انتهت إلي ما نحن بصدده اليوم. بل إن العلاقات المصرية ـ السودانية قد عانت كثيرا بسبب سياسات حكومة الإنقاذ وانقيادها لأفكار الترابي. ومن موقع الشقيقة الأكبر تجاوزت مصر عن أخطاء كثيرة ارتكبت في حقها, حفاظا علي استقرار الأوضاع في السودان.
……………………………………………………….
ولأن الفكر الذي نحتاجه لمعالجة المشكلات لابد أن يختلف عن الفكر الذي أدي إلي إيجاد تلك المشكلات, كان التحرك المصري هو آخر التحركات التي تسبق يوم الاستفتاء لطرح رؤي جديدة تنقذ السودان من تفاقم المشكلات قبل الاستفتاء وبعده. فمن الواضح أن الانفصال لن يكون هو الحل لمشكلات الشمال, فلا يزال السودان يواجه مشكلات التعدد اللغوي والديني والإثني, بما يهدد ما بقي من وحدته. لذلك ذهب الرئيس مبارك إلي الخرطوم مصطحبا معه الرئيس الليبي معمر القذافي والرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز في محادثات جمعتهم بالرئيس السوداني ونائبه رئيس حكومة الجنوب, حيث أصبح الاستفتاء حقيقة واقعة, وبات من الضروري أن يتم الاستفتاء في جو من الهدوء والسلام والمصداقية, احتراما لإرادة أهل الجنوب في البقاء في إطار السودان الموحد أو الانفصال السلمي, وتعظيم النتائج الإيجابية لهذا الاستفتاء مهما تكن نتائجه. وحظيت القضايا العالقة باهتمام بالغ, خشية أن تؤثر تلك القضايا الخلافية علي مستقبل العلاقة بين الشمال والجنوب في السودان. فبصرف النظر عن نتيجة الاستفتاء تظل العلاقات التاريخية والاعتبارات الجغرافية والثقافة والقيم الاجتماعية والمصالح المشتركة تمثل الإطار الأكبر لعلاقات الشمال والجنوب.
والتحرك المصري ينطلق من حقيقة استراتيجية توجب الحفاظ علي علاقات قوية وإيجابية بين الشمال والجنوب. ولايمكن لمصر أن تقف حجر عثرة في طريق حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم, وقد توافق الجميع علي ذلك. فهي التي أعطت السودان نفسه ذلك الحق عام1956, وهي التي تضع حق تقرير المصير للفلسطينيين محورا أساسيا لتحركاتها في القضية الفلسطينية منذ سنوات طويلة. فتقرير حق المصير الآن لايضع نهاية لعلاقات التاريخ والجغرافيا, ولكنه يفتح آفاقا جديدة للتعاون والتكامل, في ظل واقع لابد أن نعمل من أجل أن يكون أقل تأزما من السنوات الماضية, حين كان الجنوب جزءا من السودان الموحد. كانت مصر قد طرحت قيام كونفيدرالية تجمع بين دولتين مستقلتين في الشمال والجنوب. وكان هذا الخيار الصيغة الأكثر ملاءمة لطبيعة العلاقات التاريخية والجغرافية بين شمال السودان وجنوبه في ظل المشكلات المعقدة. غير أن القوي الأجنبية, وبصفة خاصة الولايات المتحدة, طرحت حزاما عازلا بين الشمال والجنوب, وهو اقتراح لايعي الحقائق علي أرض السودان, ويخالف قوانين الطبيعة في المنطقة, وعلاقات الجوار بين القبائل التي تجوب أرض الشمال والجنوب منذ آلاف السنين. والاقتراحات الأمريكية تعيد إلي الأذهان الكثير من المشكلات الضخمة التي فجرها الأمريكيون, ثم فشلوا في إيجاد حلول لها, تاركين أطراف المشكلات يعانون صعوبات إيجاد الحلول كما فعلوا في العراق وأفغانستان. وسوف يظل الاقتراح المصري هو الأنجع بين كل السيناريوهات المعلنة لعلاقة الشمال بالجنوب بعد الاستفتاء. فالمعرفة المصرية التاريخية بأحوال المنطقة وقربها الجغرافي ومصالح المنطقة, تجعلها الأقدر علي إيجاد الحلول وتدبير سبل التعايش بين الجميع. ثم إن مصر هي أكثر الدول المعنية بما يمكن أن تئول إليه الأوضاع في السودان بعد الاستفتاء, لارتباط ذلك بأمنها القومي وعمقها الاستراتيجي, ولطبيعة العلاقة التي ربطت بين الشعبين المصري والسوداني عبر سنوات التاريخ الطويلة. ولذلك يظل للدور المصري أهميته فيما يجري وسوف يجري في السودان. فالعلاقات المصرية مع الشمال والجنوب قوية ولابديل عن أن تظل في كل الأحوال كذلك. هذه العلاقات القوية يمكن أن تفيد كثيرا في الحفاظ علي الروابط الكثيرة بين الطرفين. وهي كذلك بمكانتها الإقليمية وعلاقاتها الدولية قادرة علي تحقيق التوازن في المواقف الدولية والعربية من الوضع في السودان بما يوفر مناخا أفضل للعمل هناك.
……………………………………………………….
الواقع الآن يفرض فكرا جديدا, يتجه بالسودان الوجهة الأخري المغايرة تماما لما ساد من فكر الأزمات الذي سوف يؤدي إلي انسلاخ20% من مساحة السودان, والجزء الأكبر من موارده الاقتصادية, وطرح قضايا الانفصال أمام أقاليم أخري من السودان. فالفكر السياسي الذي جعل من الانفصال عقيدة عند الجنوب لن يصلح بحال لأن يجعل الجنوبيين يعدلون عن هذا الاختيار إلي بديل آخر. فالشمال بحاجة إلي فكر جديد يحقق التوافق السياسي, فيما يتعلق بأهله وسكانه وقواه السياسية للحفاظ علي استقراره, ووضع حلول جذرية لمشكلات مرشحة للتفاقم, وجلب التدخلات الأجنبية. قد يبدو هذا الفكر الجديد بعيدا في ظل الواقع الراهن, ولكنه أصبح مسألة بالغة الأهمية للسودان. فالشمال السوداني يواجه مأزق الانفصال وهو منقسم علي نفسه يعاني تفككا في جبهته الداخلية وفقدان تحالف وطني يضم أطياف العمل السياسي, يواجه به مؤامرات تقسيم السودان وتفتيت قدراته. وليس من هذا الفكر الجديد المطلوب أن يقف الرئيس السوداني في ظل الأزمة الراهنة ليعلن قبل أيام أنه سوف يتم تعديل الدستور, وستكون الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع في حال انفصال الجنوب. أي أن الرئيس السوداني لا يزال يعتقد أن دولة الخلافة في السودان أهم من وحدته, وأنه بانفصال الجنوب قد تخلص من القوة التي تعوق إنشاء الدولة الدينية في السودان. وهو بذلك لايجعل من بقاء السودان موحدا أملا ضعيفا. بل يدفع الجنوبيين بهذا الخطاب دفعا نحو الانفصال, وتعميق الخلافات بين الدولتين بعد الاستفتاء. وجاءت أحداث أخري تؤكد ذلك, ومنها دفاع الرئيس عن واقعة جلد امرأة سودانية, ارتدت البنطلون فأثارت حفيظة العالم ضد بلد لايستطيع أن يعيش بمفرده بعيدا عن العالم المحيط به. الفكر الذي يحتاجه السودان الآن فكر يعي سياسات التعامل مع الفروق العرقية والدينية التي لاتوجب في كل الحالات الانقسام والعداء. وأن يعي أيضا أن استغلال تلك الفروق هو ما يشجع علي الانقسام ويزيد العداء. فليس السودان وحده الذي يحتوي اختلافات عرقية وثقافية ودينية, فهذا هو حال الغالبية من دول العالم, ومن الصعب أن نجد مجتمعا متجانسا بلا اختلافات أو فروق, ولكن قدرة النظام السياسي ومرونته في التعامل مع هذا الواقع هي التي تحدد قدرة الدولة علي استيعاب هذا التعدد والتحول به نحو أن يكون مصدر إثراء وليس مرتكزات ضعف وانقسام. لقد عاش السودان قرونا بهذه التقسيمات العرقية والدينية واللغوية, ولكنه بقي موحدا مع وجود المشكلات. ولكن العقدين الأخيرين جعلا من التعايش بينها أمرا مرفوضا, باحثا عن الانفصال بسياسات كرست التمييز والتجاهل, ومهدت الطريق لتدخل قوي خارجية تزيد الاختلاف اشتعالا.
Osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى