مقالات الأهرام اليومى

نحو مشهد انتخابي أكثر نضجا‏..‏ وأحزاب أكثر وعيا بدورها السياسي

لم يعد المشهد السياسي واحدا‏,‏ فهناك مسارح متعددة‏,‏ وقد حسم فريق الأغلبية أمره‏,‏ وقرر أن يكون توجهه لأعضائه قبل أن يتوجه للناخبين المصريين في كل مكان عبر وحداته الحزبية الكثيرة المنتشرة في قري ومدن بحري والصعيد والمدن الكبري‏أسامة سرايا, وجهز خبراءه ومتخصصيه للدخول في أكبر امتحان لاختيار مرشحيه, وأقصد هنا حزب الأغلبية( الحزب الوطني). فالصعوبة الكبيرة التي يواجهها ليست في اختيار مرشحيه للانتخابات المقبلة فهم كثيرون بل متنافسون فيما بينهم, باعتباره الحزب الذي يسعي للحصول علي بطاقته لترشيح أكثر المرشحين قوة ونفوذا في دوائرهم.

ومعركة الحزب الوطني الكبيرة ستكون داخله وستدور حول كيفية فوزه باختيار نواب أو مرشحين للانتخابات المقبلة, دون إحداث هزة داخلية أو انقسام حزبي, يؤدي إلي ظهور الكتلة الثانية المنافسة أو المناوئة له من أعضائه الذين لم يقع عليهم الاختيار في حالة عدم ترشحهم, بمعني كيف يستطيع الحزب إختيار مرشحيه بدون حدوث انقسام داخله, والأهم هو أن يحترم من لم يقع عليهم الإختيار القرار الحزبي وينضموا خلف مرشحهم لتقويته بدلا من تقويضه أو معاقبته حتي يثبتوا لحزبهم أنه أخطأ في عدم اختيارهم لحساب قوي أخري أو أحزاب منافسة, معادلة صعبة تجري داخل حزب الأغلبية لكنها المعركة الأشق إذا خرج منها فائزا علي نفسه فلن تستطيع أي قوي أخري أن تقف في طريقه للحصول علي الأغلبية والعودة لمقاعد البرلمان بقوة, لأن أمامهم الكثير الذي تحتاجه البلاد لتنفيذه أهم من أن يكونوا نوابا.
وهناك تساؤلات عديدة ستجيب عنها الأيام المقبلة, ومن أهمها: هل أدرك نواب حزب الأغلبية أن الأهم لهم أن يكون لمصر حزب قوي قادر علي فرض الشرعية واحترام الدستور والقانون أمام كل المصريين, التنازع علي مقاعد برلمانية يتغير مع الأيام فيكون اليوم لك وغدا لغيرك, أم أنهم مازالوا قصار النظر ولا يرون إلا أنفسهم ومقاعدهم فقط فهم أهم لأنفسهم من الحزب.. بل أهم من البلد!!.
هل ارتفعنا إلي مستوي النضج السياسي والحزبي الذي يجعل النائب أو المرشح يضع حزبه أولا قبل مصالحه الشخصية وأنانيته المفرطة؟ سؤال لا أستطيع الإجابة عنه, ولن تجيب عليه استطلاعات الرأي, ولن تجيب عليه اختيارات المجمعات الانتخابية, بل ستكون الإجابة في الدوائر الانتخابية عندما تبدأ العملية الانتخابية نفسها, ونجد أن المتنافسين داخل المجمعات الانتخابية هم الذين يتسابقون لتأييد مرشحهم الحزبي الذي فاز عليهم, ولا ينضمون إلي منافسين أو يضعون الخطط والعراقيل أمامه حتي لا يفوز في الانتخابات البرلمانية المقبلة.
عندئذ سوف نعترف بأن برامج الحزب الوطني الإصلاحية قد آتت ثمارها.. و ستكشف الجماعات المحظورة قانونا أقنعتها, وتعترف بأنها لا تستطيع الفوز بسهولة في أي دائرة انتخابية اعتمادا علي ناخبيها لكنها تعتمد فقط علي الانقسام والتشرذم والمنافسات داخل الحزب الكبير.
…………………………………………………….فالراغبون في الدخول لحلبة المنافسة سواء كانوا مستقلين أو أحزابا أو جماعات غير شرعية أو منظمة, بالقطع, يستفيدون من الانقسامات والصراعات داخل الحزب الوطني إذا حدثت, لأنه قادر علي حسم المعركة داخل دائرته لاتساع رقعة ناخبيه, ولكن الانقسامات الداخلية هي داء الأحزاب الكبيرة وإذا تجاوزتها تصبح قادرة علي ضبط إيقاع الحياة الحزبية والسياسية في مصر كلها, وحتي يتمكن حزب الأغلبية من تحقيق هذا الهدف الكبير عليه أن ينأي بنفسه عن كل الوساطات أو التدخلات لاختيار مرشحيه, وأن يتجه نحو الأكثر شعبية وقدرة مع حسن السمعة وأمانة اليد, وأن يجعل المجمع الانتخابي والتنافسات الداخلية داخل الحزب حاكمة وبارزة ومؤثرة بشرط ألا تنزلق هذه الانتخابات الداخلية إلي مهاترات أوتنافسات أو تمزيق المرشحين بعضهم بعضا, فتوجد جروحا يصعب الشفاء منها قبل الانتخابات الحقيقية.
…………………………………………………….
إنها عملية صعبة, ولكنها ممكنة, خاصة أن الحزب الوطني قد خطا خطوات ملموسة في برنامج الإصلاح داخله فجعل البرامج الانتخابية والأهداف السياسية ومصالح الوطن العليا قبل مصالح المرشحين, وأن يعي عضو الحزب ـ أي حزب ـ أن النائب الذي ترشح لا يمثل نفسه أو عائلته أو قريته أو مدينته فقط ولكن يمثل حزبه. ولذلك يجب أن تكون معركته البرلمانية مشاركة مع زملائه الحزبيين الذين كانوا منافسين له قبل أن يصبح مرشح الحزب لخوض الأنتخابات البرلمانية المقبلة..
عندئذ سوف نعترف جميعا بنضج الحياة السياسية وتطورها, وستكون مقدمة حقيقية للبرلمان المقبل أن يغير من طبيعة النظام الانتخابي الراهن الذي يعتمد علي الانتخابات الفردية ويتجه لنظام أكثر ديمقراطية وتعبيرا عن المواطن والوطن, وهو نظام القائمة الحزبية النسبية, التي تجعل المنافسات الانتخابية بين قوائم وبرامج سياسية وحزبية, وليست بين أفراد أوعائلات أو قبائل أو مدن وقري, أو تعصبات بأشكالها المختلفة, وما يقرب حزب الأغلبية الراهن من تحقيق أهدافه الإصلاحية في هذا الاتجاه هو تركيزه علي البرنامج الإنتخابي الشامل للحزب علي صعيدين هما: الدائرة الانتخابية(222 دائرة), ثم علي صعيد الوطن,.. بتوجيه نظر الناخب إلي التمييز والاختيار بين البرامج وليس بين الأشخاص, والاختيار بين من يملكون القدرة علي التنفيذ والرؤية للتغيير والتجديد في الحياة السياسية بمصر ومن يملكون القدرة علي الاستمرار في الاستجابة للمتغيرات في حياة الناس وتعظيم القدرات القائمة وتنقيتها مما لحق بها من ترهل أو تراجع, ويعني ذلك التخلص من كل ما يعوق قدرات المجتمع الراهنة علي التطور والتقدم.
…………………………………………………….
وخلال السنوات الماضية تولدت علي أرض هذا البلد قدرات وأفكار وسياسات جديدة أسهمت في حماية مصر من التراجع وعظمت قدرتها علي النمو. وقد نري اليوم أن هذه القدرات بحاجة الي مزيد من الدعم والتجديد لتحقيق معدلات أداء افضل.
وعلي الجانب الآخر يجب إلقاء نظرة علي الأحزاب الأخري, وبعضها ـ خاصة الأحزاب القديمة ـ حسم أمره وقرر أن ينزل للشارع أكثر تنظيما وقدرة, وأشير هنا إلي أحزاب الوفد والتجمع والناصري وقد بدأت الخلافات فيها تتواري برغم أنها مازالت موجودة وكامنة, ولكن هناك حالة مشجعة لأن نقول إن هناك قوي جديدة داخلها همها الرئيسي هو لجم الخلافات والنزاعات الداخلية لتقوية صورة الحزب في الشارع السياسي. ويبقي أن يثق كل حزب في قدراته السياسية, وأن ينزل للشارع بواقعية شديدة.. وكل حزب من الأحزاب القديمة قادر إذا اعتمد علي نفسه أن يحقق وزنا ملموسا له في الشارع السياسي, وألا يقع فريسة للجماعة المحظورة التي تحاول أن تتصيد فرائسها في حالة الضعف والانقسام والشرذمة فتملي عليهم شروطها.
أما ما يسمي حالة ائتلاف المعارضة فهي حالة غير واقعية فمن يستطيع لم الشامي علي المغربي وحجم الاختلافات بينهم كبير وعملية الأ’ئتلاف أو الجبهات خلفتها الواجهات الإعلامية في الأساس لتستفيد منها الأحزاب الهامشية الصغيرة أو المنقسمة والمتشرذمة التي ليس لها وزن في الشارع السياسي, وتسمي نفسها جبهة أو غيرها, فهي أحزاب هشة وبالقطع ليس لها نصيب في كعكة البرلمان المقبل, وتعرف مقدما أنه ليس أمامها أي فرص لاقتناص حتي مقعد واحد لأعضائها. فأي رئيس حزب فيها لا يستطيع الاعتماد علي نفسه في أي شئ, فهي أحزاب انفرط عقدها وتفككت قبل أن تبدأ. فتارة نجدها مترددة في دخول الانتخابات, وتارة أخري تحاول أن تجر الأحزاب القديمة معها إلي الهاوية. فالشجار الحزبي الراهن ليس له ما يبرره, لأن انتخاباتنا الراهنة أو المقبلة مازالت انتخابات فردية, والتلويح بمقاطعتها حزبيا عملية عبثية وغير منطقية, لأن الترشيح فوري, ولانها انتخابات فردية والأحزاب غطاؤها, فأي حزب ينسحب من الانتخابات يحكم علي نفسه بعدم الوجود نهائيا, ويقول لناخبيه انه غير موجود علي المسرح السياسي برغم وجوده القانوني.. ولكن في الحقيقة وجوده عملية افتراضية أو إعلامية فقط تقتصر علي الوجود عبر التصريحات التي تبثها الواجهات السياسية.
…………………………………………………….
الانتخابات المقبلة فرصة للأحزاب كلها أن تخرج من حالة جمودها وتنهي حدة التوتر الداخلي وتواجه الانشقاقات, بل إنها فرصة ذهبية لإستعادة ثقة الجماهير بها واحترامها للحياة السياسية والتعددية الحزبية في مصر ويمكن للأحزاب الصغيرة أن تكون جبهات أو إئتلافات بعد الأنتخابات ووجودها الفعلي بالبرلمان للمنافسة أو المشاركة في تشكيل الحكومة المقبلة.
الانتخابات البرلمانية القادمة.. فرصة للسياسيين في أحزابنا لإثبات وجودهم والحصول علي شرعية حقيقية من الشارع السياسي ومن ناخبيهم مباشرة بلا واسطة, ووسائل اعلام اثبتت الأيام انها مهما تبلغ قوتها فهي غير قادرة علي اكساب السياسيين شرعية حقيقية بديلا عن الشارع أو الناخبين.. فالإعلام بكل وسائله هو وسيلة للوصول للشارع وليس بديلا عنه. ولكن الكثيرين من السياسيين بالأحزاب تصوروا أن الوجود الإعلامي بديل عن الوجود السياسي والانتخابي, وتلك خطيئة كبري, إذ يجب أن يدركوا مخاطره مبكرا قبل فوات الأوان, وأن يسدل الستار علي دورهم الحزبي والسياسي انتظارا لأجيال قادمة, تكون أكثر قدرة ونضجا وتفهما لمعاني وحقائق وأدوار العمل السياسي الحقيقي والمؤثر في حياة الناس والوطن.
…………………………………………………….
أما باقي الأشباه أو النظائر السياسية أو البهلوانية القادمة من الخارج, والمتأثرة بالحركات الاحتجاجية الخارجية أو المستوردة من ثقافات مختلفة.. فقد آن الأوان لهم أن يعترفوا بأن حقائق الحياة السياسية في مصر لا تستوعبهم وأنهم سيخرجون منها كما دخلوا إليها غير مؤثرين, ولا وزن ولا قيمة لهم ولا ينفعهم العمل السياسي الافتراضي سواء عبر الانترنت, أوعبر الجماعات المسماة بكل مسميات التغيير والاحتجاج, أو بكل ألوان الطيف, أو أيام السنة, أو عبر التوقيعات والتوكيلات, سواء كانت إليكترونية أو غيرها, حتي ولو كانت فضائية.
فالشعب أو الناخب الحقيقي في صعيد ودلتا مصر وقراها ومدنها لم يسمعهم برغم طنين أصواتهم عبر كل الفضائيات أو الفضاءات, ولم يصلوا بعد إلي آذان الناس الطبيعيين في كل مكان وهذه قيمة مصر القوية المؤثرة التي تؤثر ولا تتأثر.
والدرس الحقيقي أننا في مراحل الانتخابات قد نلجأ عبر الدعايات الانتخابية إلي كثير من الأساليب غير المقبولة, والتي ينبغي ألا تطول مصالح الوطن. فمن حق الأحزاب أن تبحث عن فرصة للفوز والوجود, ولكن بشرط أن تحافظ علي تماسك الوطن, وقدرته علي الاستمرار في التطور والنمو والاستقرار في المجالات المختلفة, حتي نستحق مصريتنا, وأن نفخر بأن الجيل الحالي استطاع أن يبني نظاما سياسيا يليق بحاضرنا وقادرا علي التطور ليستوعب مستقبلنا.
Osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى