مقالات الأهرام اليومى

الثورة في العقد السادس إعادة اكتشاف‏23‏ يوليو‏1952‏

هذا يوم ليس للتاريخ فحسب‏,‏ بل يوم للحاضر كما هو للمستقبل‏,‏ فيوم‏23‏ يوليو‏1952‏ يجدد حاضرنا‏,‏ كما أنه مرجعيتنا للمستقبل‏ .

أسامة سرايا

فالثورة التي غيرت مصر منذ58 عاما من الملكية إلي الجمهورية, هي نفسها التي جعلت المواطنة البند الأول في دستورنا بعد التعديلات الأخيرة.   23 يوليو هو اليوم الوطني لمصر, هو عيد الوطن, وسوف يظل كذلك علي مدي الأيام برغم أيامنا الوطنية العديدة التي حققنا فيها انتصاراتنا العسكرية المبهرة وأبرزها نصرأكتوبر المجيد.
ثورتنا نملكها ولا تملكنا.
ثورتنا تتغير وتتجدد, مبادئها ثابتة وأداؤها متجدد ومتغير, الثورة وعيدها ويومها هو اليوم الوطني, لأنها كانت فاتحة الاستقلال, وصانعة المساواة بين المصريين والتي جعلتهم يحكمون أنفسهم لأول مرة في عصورهم الحديثة, ثورتنا نقلت الحكم للفلاحين وأولادهم وللمهنيين الذين تربوا في مصر ويعرفونها, صحيح أن طليعة الثورة كانوا ضباط الجيش المصري, ولكنهم لم يكونوا من المتمصرين أو الأجانب بل كانوا أبناء الفلاحين, أبناء المصريين, ولذلك حرصوا علي حماية الحكم وتحصينه. فالمصري لا يحكمه بعد الثورة إلا أبناؤه وحدهم بعد أن كان تحت إمرة الاحتلال الأجنبي.
الثورة أسقطت الحكم الأجنبي, كما حققت الاستقلال, وأنهت الاحتلال, ووضع جمال عبدالناصر زعيم الثورة ورفاقه من مجلس قيادة الثورة مبادئها الستة التي مازالت حتي يومنا هذا باقية ولا تسقط ولا تموت, لأنهم لم يخترعوها, ولكنهم تبنوا نضالات المصريين عبر التاريخ, فتحولت من انقلاب عسكري إلي ثورة حقيقية, تعيش في الوجدان مثلها مثل الثورات الكبري في عالمنا التي تبنت مبادئ وقيما سامية باقية علي مر الزمان, وتنمو مع الأيام بل وتتجدد.
ثورة أكدت عروبة مصر وسارت لبناء هوية للشعوب العربية تكرست مع الأيام.
ثورة يوليو صنعت المساواة بين المصريين, وألغت مظاهر التمييز بينهم بحكم الطبقة أو الأسرة أو اللقب.
ثورة لم تكن في نظام الحكم أو بحثا عن الاستقلال فقط.. بل كانت ثورة اجتماعية سعت للعدالة قدر طاقتها, وكرست مفهومها وقيمها فأثبتت قدرة المصريين علي التغيير الاجتماعي برغم صعوبته وحدة تكلفته, وحدث هذا التغيير بلا دماء أو ضحايا.. وتلك من عبقريات ثورتنا البيضاء وليست الدموية, فلقد غيرت نظام الحكم.. ووضعت مبادئ جديدة, خالدة وباقية بلا دماء تورث الأحقاد بين الشعب الواحد.
ولكن هذا لا ينفي مظالمها أو أخطاءها الكبيرة, بل خطاياها التي تحمل الشعب تكلفتها وأعباءها الباهظة. ولكن عبقرية ثورة يوليو أنها كانت قادرة دائما علي أن تصحح أخطاءها عبر الزمن وأن تتجدد. ولعلنا هنا نتذكر أن الثورة صححت أكبر كوارثها وأخطائها الفادحة, وهنا أذكر كارثة يونيو1967 وما أحدثته في الضمير المصري من أزمة عميقة صاحبت احتلال أرض سيناء, وتهجير أبناء القناة وتشريدهم بعيدا عن بيوتهم ومدنهم.
ولكن الهزيمة بكل أبعادها الثقيلة كانت اختبارا للشعب المصري وللثورة, حيث رفض الشعب الاعتراف بالهزيمة, ورفض أن يتحمل زعيم الثورة الرئيس عبدالناصر وحده ثمنها, برغم اعترافه به وتحمله المسئولية. وكان الشعب أصيلا وعمليا فوقف إلي جوار قائده وقيادات الثورة, عرفانا بدورهم في التغيير السياسي والاجتماعي, فرفض الهزيمة معهم, وبدأ الجيش والشعب عبر الفدائيين معا حرب الاستنزاف من اليوم التالي في أكبر حرب تحرير في التاريخ استنزفت إسرائيل, وصولا إلي قرار الحرب وعبور الجيش قناة السويس في أكتوبر1973 بقيادة الرئيس أنور السادات أحد الضباط الأحرار, الذي صحح مسار الثورة, واسترد الأرض بعبور جسور وانتصار عسكري مبهر وبأكبر عملية تفاوض سياسي ودبلوماسي خلاق ومبدع, بني علي انتصار أكتوبر الذي تحقق بفضل الله والضربة الجوية لقائدها حسني مبارك, وبدأت مصر مرحلة جديدة استردت فيها الأرض بالكامل, وأقامت السلام, بل فتحت بابا كبيرا وعريضا هو أول خريطة طريق للفلسطينيين لاسترداد بعض حقوقهم, وسعيا وراء إقامة دولتهم. ومازال المسار مستمرا نحو هذا الهدف, وكل يوم يحاصر الفلسطينيون والمجتمع الدولي إسرائيل عبر مسار السلام والتفاوض للوصول إلي دولتهم بعد أن حصلت علي اعتراف كامل من المجتمع الدولي, بما فيه أكبر أنصار إسرائيل, الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي, بل إن كثيرين من الإسرائيليين يقرون اليوم بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
*****
هذا هو مسار الثورة ومازال مستمرا إلي أن تولي الرئيس حسني مبارك الحكم. فكان وفيا للثورة ومبادئها, واستكمل مسارها ببناء جيش قوي ونظام ديمقراطي, وتعززت عبر حكمه قيم البعد الاجتماعي وتحقيق العدالة الاجتماعية, واتجهت مصر معه إلي بناء مجتمع يلبي رغبات الإرادة الشعبية في إحداث تغييرات هيكلية أساسية في النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
ومعظم الثورات في تاريخ العالم كان وعيها بما تسعي إلي تغييره أكثر عمقا مما تريد أن تضعه بديلا, ولذلك عرفت الثورات التجربة والخطأ, والتصحيح والتطوير, والتغيير والتكيف مع المتغيرات المحيطة حتي تستقر علي البديل الأكثر كفاءة في السياسة والاقتصاد وغيرهما, في إطار عدد من المبادئ العامة. فالثورات لاتضع الشعوب في قوالب جامدة أو مسارات محددة لاتخرج عنها, وإلا حكمت علي نفسها بالفشل الذريع, حيث إن الظروف التي تنشأ فيها تتغير بمرور الزمن, وتظهر معها تحديات واقع جديد.
ويمر هذا العام علي ثورة يوليو المجيدة وقد جرت في نهر الحياة المصرية مياه كثيرة, وتغير وجه الحياة في مصر سياسيا, واجتماعيا واقتصاديا عما كان عليه صبيحة الثالث والعشرين من يوليو عام1952, فلقد ولد ثلاثة أرباع سكان مصر اليوم بعد ذلك التاريخ, ويدرك الكثيرون منهم ما كان من الثورة وماكان قبلها من خلال روايات وكتابات متناقضة ومتباينة, وهذا التناقض في الحديث عن ثورة يوليو يرجع إلي أسباب كثيرة, ليس أقلها تشدد البعض في الحكم عليها سلبا أو إيجابا. فهي عند البعض إلهام قائد لايجوز معه النقاش, وهي عند آخرين وساوس شيطانية ينبغي مواجهتها والتخلص من نتائجها.
وتناسي الجميع المبادئ التي نادت بها حركة الجيش فاكتسبت تأييد الشعب, وحينها تحولت إلي ثورة, حيث وقف الكثيرون أمام آليات التطبيق ومساعي تحقيق المبادئ العامة للثورة, وهي بطبيعتها تقبل الخطأ وتقبل الصواب وفق معطيات الواقع المتغير من حولنا.
ومن المغالطات التاريخية أن نحكم علي أخطاء عقود مضت بمنطق الوقت الراهن, حتي وإن تحمل هذا الجيل من المصريين تبعات تلك الأخطاء.
وعرفت مصر بعد الثورة أربع زعامات سياسية, تعاقبت علي حكمها من محمد نجيب إلي جمال عبد الناصر ثم أنور السادات إلي حسني مبارك. وتباينت بينهم الرؤي وآليات تنفيذ تلك المبادئ التي اكتسبت بتأييد المصريين صفة الثبات في الحياة السياسية المصرية, بما في ذلك موقع الحاكم نفسه من النظام السياسي. فقد استغرقت الزعامة الكاريزمية سنوات طويلة حتي جاء الرئيس مبارك بمفهوم رجل الدولة ليضع أسسا جديدة للنظام السياسي في الداخل, وآلية محكمة للربط بين العلاقات الداخلية والخارجية للدولة المصرية.
جاء مبارك إلي الحكم والعديد من مبادئ الثورة تراوح مكانها, بينما كان بعضها قد تراجع بعد نجاح نسبي, وكان جزء من الأرض المصرية لايزال وقتها, برغم اتفاقيات السلام, محتلا, وكانت مساعي الديمقراطية قد لقيت ضربة قاسية, واقتربت الأوضاع الاقتصادية وقتها من حدود الانهيار, وحدث انخفاض ملحوظ في مستويات المعيشة, لم تجد معه إجراءات الثورة في توزيع الثروة لتحقيق العدالة الاجتماعية. هذا إلي جانب بنية أساسية متهالكة في الصرف الصحي والمياه والطرق والاتصالات, ونسبة كبيرة من سكان الريف محرومة من مياه الشرب والكهرباء والصرف الصحي, ومصانع تخلفت فيها أدوات الإنتاج عقودا عما يستخدم عالميا, وإنتاج زراعي يعاني قائمة طويلة من المشكلات وقدرة علي التصدير تكاد تكون معدومة, وعلاقات تشهد قطيعة غير مسبوقة مع المحيط العربي,وعلاقات خارجية تفتقد التوازن.
إنها قائمة طويلة من المشكلات, كان من المحتم مواجهتها بموجب ما توافق عليه المصريون من مبادئ في ظل ثورة يوليو, واليوم وبعد تلك السنوات استكمل مبارك لمصر تحرير كامل ترابها الوطني, ومهد الطريق لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخ مصر حتي توج بحق المصريين في انتخاب رئيسهم من خلال الاقتراع المباشر, ولم يفرط في إرادة الأمة الحرة المستقلة في ظل علاقات دولية تفتقر إلي التوازن وتغص بالمتسلطين علي إرادة الشعوب.
اختار مبارك الطريق الصعب في تحقيق العدالة الاجتماعية ولايزال, ولم يتخل عن الفقراء, فبلغت حقوقهم في اقتصاد الدولة ما لم تبلغه في أي عصر آخر, وشيد أكبر بنية تحتية في تاريخ مصر.
واختار لقواتها المسلحة المفهوم الحديث للجيوش المعاصرة فأصبح لدي مصر جيش وطني قادر علي حماية حدودها ومصالحها, وأعاد صياغة علاقات مصر بشقيقاتها العربيات, وأقام فاعلية دورها الإقليمي علي أسس جديدة, وحقق لها لدي جيران الشمال الأوروبيين مكانة لم تتحقق من قبل, واستطاع أن يترجم هذه العلاقات إلي مصالح اقتصادية داعمة لقدراتنا الراهنة.
إن كل إنجاز في عصر مبارك يترجم في أرض الواقع مبادئ تلك الثورة التي التف حولها المصريون منذ الإعلان عنها, وقد استحدث مبارك أساليب عمل وآليات تنفيذ مكنتنا اليوم من أن نحتفل بذكري الثورة ونحن ندخل العقد السادس في مرحلة النضج الثوري بعد الوهج والفوران الذي كلفنا الكثير. ولا نقول إننا قد بلغنا كل آمالنا العريضة التي تفجرت مع الثورة, ولكننا اليوم أقرب ما نكون إلي أن نري تلك الآمال قد تحققت علي أرضنا رخاء لنا ولأجيالنا المقبلة.
فخلال الأعوام القليلة الماضية حققت مصر علي أرض الواقع كثيرا مما داعب أحلامنا عشية قيام الثورة, وشهدت تلك السنوات حركة إصلاحية في كثير من جوانب حياتنا, سوف يتردد صداها في قادم الأيام, ولدينا اليوم ـ وللمرة الأولي ـ رئيس لبلدنا انتخبناه علي أساس برنامج شامل, كان بمثابة عقد بين الحاكم والمحكومين, وهذه الشرعية الجديدة تمثل أساسا لدولة مصرية حديثة, وقد حققت هذه الإصلاحات كثيرا من المبادئ التي عملت من أجلها الثورة. ففي الريف المصري مست حركة الإصلاح حياة الفلاحين بأكثر مما مسته أي إجراءات سابقة, فحياة الفلاح المصري اليوم لاتقارن بأي فترات سابقة في تاريخنا.
إننا بحاجة إلي توافق عام بشأن ثورة يوليو بعد تلك السنوات التي تفصلنا عن تاريخ قيامها, ولاينبغي الوقوف طويلا أمام أخطاء السياسات إلا بقدر الاستفادة منها وتسديد خطي المستقبل, فسوف تظل ثورة يوليو بأعمالها جميعا ـ الصواب منها والخطأ ـ جزءا من تاريخنا الوطني, وقوة دافعة لنا علي طريق مازال مملوءا بالعقبات والمشكلات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى