مقالات الأهرام اليومى

الضغوط والاعتصامات لاتحل أزمة القضاة والمحامين

مازلت أعتقد أن الحالة بين القضاة والمحامين لا تعدو أن تكون عملية قلق اجتماعي من السهل تجاوزها وليست فتنة‏,‏

أسامة سرايا

وإن كانت أحدثت أزمة بين الطرفين في طريقة المعاملات وصخبا في العدالة ومطالبات شتي من قادة الطرفين المحامين والقضاة في نقابتهم أو في ناديهم, لأن كل طرف في المؤسستين المنتخبتين يحاول استثمار القلق لدي القضاة وأعضاء نقابة المحامين في تعزيز وجوده علي المسرح النقابي, أو تسجيل أنه الأكثر دفاعا عن حقوقهم.
وفي حالة الغياب المجتمعي عن الأزمة ينفرد بنا نجوم الطرفين, لتحقيق بعض النقاط التي قد تساعدهم علي المنافسات المقبلة لدي أنصارهم.. والكل يطالب بالحصانة, مع أن لديهم ما هو أكثر من الحصانة والمكانة, فالقاضي رفيع القدر والمكانة فوق المنصة, وهو صاحب الحصانة الفعلية ولا يملكها بصفة شخصية, فلقد حصل عليها للفصل في القضايا دون تمييز, حيث يلجأ إليه الناس للإنصاف والعدالة.
وكيل النائب العام رمز القوة العادلة والحكمة الشابة النزيهة, لا يهزه المنصب أو احترام الناس له, فيحيد عن المبدأ, أو تغيب عنه الحقيقة, فهو صاحب الدعوي العمومية في كل أنحاء مصر, وكيل النائب العام تتملقه السلطة التنفيذية عبر الحراسة فيستخدمها في مكانها لا يهتز له جفن وينحاز للناس البسطاء, لأنه رمزهم وأملهم في عدالة ناجزة.
وكيل النائب العام يحترمه الناس ويلجأون إليه للحصول علي حقوقهم, وهذا أكثر أهمية من أن يخافه الناس أو يهابوه, برغم أنه يتمتع بالمهابة والمخافة بحكم مكانته الرفيعة.
وكيل النائب العام هو الأكثر مهابة, فهو يختلف كلية عن رجال الأمن.. حيث إنه الحكم بين كل الأطراف, أو الخصم الشريف في الدعوي العمومية قبل اللجوء للمنصة.
أما عن المحامي, فحدث ولاحرج, لأن حصانته الحقيقية في علمه.. في مذكراته التي تكشف الألغاز وتفند القضايا.. وفي حسن أداء دوره, فلا يتحول إلي مضلل للعدالة, حيث يقرأ القاضي المذكرات بإمعان ويستمع لما يقوله المحامون العلماء بدقة, فهم العنصر المكمل للعدالة, وبغيره لا يكتمل العدل ولا يصل القضاة إلي مرادهم, القاضي ووكيل النائب العام يحترمان المحامي لعلمه وأخلاقه وقدرته علي مساعدة العدالة, والكشف عن الخفايا أو المستور في القضايا, وباحترامه الجم للمنصة ورموز العدالة وأصحاب القرارات في الفصل في المنازعات والقضايا.
العدالة هي الأصعب والأشق, والوصول إليها عملية جماعية تشترك فيها الأجهزة الأمنية أولا, ثم النيابة العامة بتحقيقاتها الواسعة ثانيا, ثم المنصة والقضاة والمحامون معا ثالثا, فهم جميعا يعملون ويتحرون الدقة عبر مراحل التقاضي المتعددة وتغيب العدالة عندما يقصر طرف ولا يؤدي واجبه.
كل ذلك من أجل الوطن والمواطنين, فهم أصحاب الحصانة الحقيقية, ولا تستقر الأوضاع في وطن إذا غابت العدالة الناجزة أو السريعة.. ولا تستقر الأمور إلا إذا شعر كل مواطن بأن حقه مصان, وأن مصيره في أيد عدالة تعرف الطريق إلي الحقيقة, وأي خلل في هذه المنظومة لن يصيب بالضرر سوي المجتمع والأفراد.
ولذلك فالقضية المطروحة أو الأزمة المعلنة بين القضاة والنيابة من جهة, والمحامين من جهة أخري لا يستطيع أحد أن يتدخل في حلها, فهم الأقدر وهم من نلجأ إليهم لحل المنازعات فلمن يلجأون هم؟.
لا أعتقد أن مصالحات أو تفاهمات, أو ضغوطا, أو حتي وساطات قد تجدي بين طرفين يعرفان أن حل الخلافات أو المنازعات له طريق واحد ومرسوم هو القانون وحده, خاصة أن الطرفين هم أهل القانون, ولذلك فالتأخير في حل هذه المنازعة أو النزاع يضر الطرفين أمام الرأي العام وأمام سمعة العدالة ورجالها من قضاة ومحامين, ولا يحقق أي مكاسب لأي من الفريقين, وهما في الحقيقة فريق واحد.
………………………………………………….بل قد أقول إن الرأي العام يشعر بالحيرة في هذه القضية واستمرارها. فمن نلجأ إليهم في منازعاتنا هم في خلاف وتنازع بينهما, كل طرف يساند فريقه, وكأنهم تناسوا مهمتهم الأساسية بأنهم قضاة ورجال عدل وقانون يحلون ويفصلون في منازعات الناس, ويتجردون من ذواتهم أو مصالحهم, فإعلاء شأن العدالة وقوة القانون وحكمته أهم من تحقيق مكسب أو انتصار لفريق علي حساب الآخر. فانتصار القانون والعدالة هو انتصارهما معا( قضاة ومحامون), ولكن يبدو أن أحد الأطراف يريد إشراك المجتمع معه في أزمة هم يعيشونها معا, وهي أن دور العدالة تحتاج إلي نظرة أكثر تعمقا من أن تتحول إلي أقسام شرطة يسودها الزحام والتناحر والأصوات المزعجة.. دور العدالة ومكاتب السادة وكلاء النيابة تحتاج إلي استثمارات من الحكومة.. وأماكن انتظار السادة المحامين في المحاكم تحتاج إلي رعاية واحترام.
………………………………………………….كما أن تنظيم المهن في مصر يحتاج إلي نظرة أكثر عمقا من الدولة, فلا تترك كل المهن الخطيرة لأبنائها وحدهم لتنظيمها داخل النقابات, فالمخاطر التي تكتنف الوطن وتكشف عنها هذه الأزمة العابرة بين( القضاة والمحامين) يجب أن تدق أجراس إنذار ليس داخل جدران مؤسسة العدالة وحدها, ولكن في كل أرجاء المجتمع, فتأخير الحلول يزيد المشكلات ويعمقها ولا يحلها.. كل النقابات المهنية وعلاقة المهنيين بنقاباتهم وتنظيم المهن من محاماة وصحافة وطب وغيرها يحتاج إلي ما هو أكثر من النقابة, وكذلك حماية حقوق المواطنين والشعب كافة.
فالقضية المطروحة بكل أبعادها بين المحامين والقضاة لا يمكن حلها عبر الاعتصامات أو الإضرابات بين المحامين( في النقابة) أو بعض القضاة في النادي, فالسادة النقابيون, مهما يكن قدرهم أو مكانتهم سوف يلجأون في النهاية إلي القانون والقضاة.. والامتناع عن أداء الوظيفة أو التهديد بالغرامات من مجلس النقابة يجب ألا يخيف أحدا, لأن مجالس النقابات ليست سلطة فوق النقابة, فكل القرارات محكومة بدرجات التقاضي والقوانين المختلفة, فإذا أخطأت نقابة في السلطة فيجب أن يكون الحكم للقوانين, فنحن في بلد سيادة القانون فوق الجميع مهما تكن مكانة المعتصمين أو الخارجين عليه, ولذلك فمعظم المحاكم المصرية, تعمل ومعظم المحامين الشرفاء يؤدون واجبهم تجاه موكليهم أمام المحاكم.. والمتتبع لسير المحاكم سيكشف أن معظم المحامين لم يستجيبوا لدعاوي الإضطرابات أو التهديد بالغرامات واحترموا مهنتهم وموكليهم وهذا يعلي شأنهم ومكانتهم أمام موكليهم وأمام المجتمع.
ودعنا نعترف بكلمة بسيطة للسادة المحامين ومجلس نقابتهم وهي أن المتضرر الوحيد من الاعتصامات وتوقف العمل بالمحاكم, هم المحامون وموكلوهم, فالقضاة موظفون عموميون, والإضرابات والاعتصامات والأعمال الصغيرة لا تؤذيهم ولا تقلل من مكانتهم, فالذي يحدث الآن بين طرفي معادلة العدالة في مصر يؤذي ضمير المجتمع المصري, كما يؤذي الباحثين عن العدالة في دوائرها المختلفة, كما يؤذي حقوق المتقاضين, وهي ليست موجهة ضد القضاة, فلا يمكن أحد أن يؤذي قضاة مصر ورموز عدالتها, فهم من نلجأ إليهم. ودعوني أقف بكثير من الاحترام أمام بيان المستشار عادل عبدالحميد رئيس مجلس القضاة الأعلي, الذي طالب القضاة بعدم التصعيد حفاظا علي وقار الهيئة القضائية, وقال إن الحل لن يأتي إلا بتطبيق القانون, وهو نفس ما طالب به نقيب المحامين حمدي خليفة.
وإذا عدنا إلي القضية الفردية التي تحولت إلي قضية عامة في نيابة طنطا, فإن الحكم الابتدائي ليس نهاية الطريق, وهذا ما يعرفه كل محام تحت التمرين, فهو ليس حكما نهائيا, ودرجات التقاضي مفتوحة أمام السادة المحامين للجوء إليها أمام قاضي مصر الشريف الذي ينصف الجميع, وأولهم ـ وليس آخرهم بالقطع ـ المحامون. وأقول لكل المحامين الذين يلعبون سياسة في هذه القضية الحساسة أنتم أعرف بحكم القانون وبسيادة الدولة, وهذا اللعب لا يمكن أن يفيد أحدا بالقطع.
أما الحساسيات التي تتكلمون عنها بين( القضاة والمحامين) فلا محل لها من الإعراب فيها أمام القضاة, فأنتم جميعا أدري بعمليات التصحيح التي تحدث يوميا داخل هذه الهيئة الموقرة, ولكن حساسيتها ووقارها يمنعان الإساءة إليها حتي ولو بالقول, كما أن كل من في المجتمع يعلم أن درجات التقاضي المختلفة في مصر, والتغيير في الأحكام يضمن العدالة للجميع, ولم يقل أحد أن اختلاف الأحكام وتعددها يضر بالعدالة, أو أن القاضي الذي خالفه قاض أكبر حكمه يؤذي أو يؤثر في مكانته أو حصانته. وهذه هي الضمانة للعدالة في مصر.
……………………………………………………
إن هذه القضية أو هذه الأزمة عبرت عن نفسها بما يكفي, ولا تحتاج إلي أي تدخل من أي أطراف خارجية, ويجب أن يقود هذه العملية وينهي هذه الأزمة نادي القضاة ونقابة المحامين ومجلسها إذا كانوا يبحثون عن مستقبلهم ومستقبل التجمعات النقابية أو المهنية, ويجب ألا تتجاوز كل الخطوط الحمراء لاكتساب الشعبية, أو لأسباب انتخابية, فتحرق أصابعنا وتؤثر في مؤسساتنا, وكأننا جميعا لم نرتق لمستوي المسئولية التي حملنا أياها الناخبون أو المجتمع.
إن مستقبل مؤسساتنا المهنية مرهون بتحرك النادي والنقابة, أما سيادة القانون ودولته, فهما بالقطع أكبر من النادي والنقابة, فالسلطة القضائية مهمتها حماية القانون ودولته حتي ولو أخطأ ناديها وأحد أعضائها, ومجلس نقابة المحامين أو الجماعات الصغيرة, فيجب أن تسمو علي الأعمال الصغيرة, وأن تكون قادرة علي تصحيح خطايا أحد أبنائها في النادي وفي النقابة.. السلطة القضائية أكبر من ذلك وتستطيع حسم الخلافات بين جناحي العدالة داخل مؤسساتنا بالاحترام, والقانون يسود ويحكم الجميع, ويمنع انفلات جماعة لاستخدامه لأسباب ومبررات واهية أو غير معلومة.
Osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى