مقالات الأهرام اليومى

القلق الاجتماعي‏..‏ والغبار السياسي‏..‏ والنضج الاقتصادي

للوهلة الأولي تأخذك الحالة المصرية بعيدا‏..‏ صخب كثير في كل الاتجاهات يستعصي علي الفهم والتحليل‏,‏ فبالنسبة للذين يأخذون الأمور بسطحيتها وقشورها أو ظواهرها فهم في أزمة‏,‏

أسامة سرايا

والأحداث ومتغيراتها تجرفهم إلي المخاوف, ومستقبل الوطن مرهون بحالاتهم وعجزهم فيهيلون التراب علي أنفسهم وعلي الوطن. أما المصريون الجادون أصحاب الخبرة والعمق فهم قادرون علي تلمس الطريق ومعرفة بداياته ونهاياته.
أما أصحاب العقول التي تدير دفة الحراك والتطور المصري فيجب أن يشعروا بالكثير من الارتياح لأن هناك ثمارا في الطريق, ولكن عليهم إدراك المخاوف القادمة, وأن يسارعوا إلي استثمار إحساس الشعب والوطن بضرورة التقدم والنهوض والتحديث, وقيام الدولة الحديثة فيضعونا جميعا أمام المرحلة التي انتظرناها, وهي الانتقال بمختلف تياراتنا واتجاهاتنا إلي الدور الجديد بمسئولياته الجسام لكل مواطن ولكل مؤسسة, فلا مكان للإهمال أو التراخي أو عدم تنفيذ القوانين, علي كل فرد أن يتحمل واجباته, وأن تكون هناك رؤية أكثر عمقا للمستقبل, تخلق مايسميه المصريون الحلم الجديد.
أما بالنسبة لعامة الناس فهم الأكثر إدراكا لما يحدث, لأنهم يملكون عقلا باطنا يحركهم ويشعرهم بدورهم ويدفعهم لقيادة الحراك المصري وتطويره, وهم قادرون بحكم الحس التاريخي والدور الريادي الكامل علي تحجيم عناصر الفوضي داخله, وتحويلها إلي طاقة دافعة للأمام, وليست سبيلا للتراخي أو الخوف, بل سبيل للتقدم إلي الأمام لتنتقل من التعميم إلي التخصيص.
لقد شهدت مصر أخيرا حالة من القلق الاجتماعي تتمثل في قضيتين لا يمكن التقليل من شأنهما ورصد ظواهرهما ومتغيراتهما:
الأولي ـ كانت في الأزمة العلنية بين المحامين والقضاة والتي بدأت باعتداء أحد المحامين داخل المحكمة علي رئيس النيابة, ثم دعا كل فريق من عنصري العدالة أنصاره للوقوف مع وجهة نظره سواء بالحق أو بالباطل, حتي أصبحت هناك أزمة حادة بين وجهتي نظر نقابة المحامين ونادي القضاة, وكلاهما فيه قادة جدد يسعون بكل جهدهم إلي إنجاح قيادتهم وكسب ثقة المحامين والقضاة, مما يدفعهم إلي المغالاة في الدفاع عن زملائهم فيقعون في المحظور الذي يجب أن ينتبهوا إليه وإلي أن دورهم المجتمعي تجاه الوطن قد يضيع لأجل الدفاع عن زميل سواء بالحق أو بالباطل.. وهنا تقع المنظومة كلها في المحظور الكبير, وهو تجاهل دورها الرئيسي داخل المجتمع, والاقتصار علي دور لا نقلل منه وهو حماية المحامين من جانب, والقضاة من جانب آخر.
ودعونا نقلها صراحة إن الأزمة المعلنة التي تدور رحاها الآن بين نقابة وناد هما الأكثر جوارا والتصاقا, ودورهما متكامل, ولا غني لأحدهما عن الآخر.. هذه الأزمة ليست وليدة الحادث الفردي الأخير بين المحامي ورئيس النيابة في طنطا, ولكنها أزمة مكتومة منذ زمن, ويعرفها كل من يتردد علي قصور العدالة والمحاكم في مصر, فهناك أجيال جدد من وكلاء النيابة ـ ولهم كامل الاحترام ـ لم يحصلوا علي دورات تدريبية مكثفة تؤهلهم إلي أن يكونوا سدنة للعدالة, وأعطي لهم القانون سلطات كبيرة, ووفر لهم حرسا داخل النيابات حتي يكونوا حراسا للعدالة, وكذلك زملاؤهم المحامون لهم حقوق كثيرة وعليهم أيضا, فهما كفتا الميزان, يعملان معا, كما أن المحامين عليهم أن يتحلوا ويتمسكوا باحترام مهنة القضاء الغالية, فاحترامها من احترام مهنية واحترافية المحامي القوي, واختلال هذه المعادلة الحساسة يعد اختلالا للعدالة, ويشكك في قدرة( النادي والنقابة) علي إحداث التفاعل الضروري بين الطرفين حتي لا يصلا إلي حالة من الصدام مثلما نري الآن, كما أن القضية الكبري التي يجب أن يتنبه لها السيد النائب العام هي أن مقار النيابة العامة يجب ألا تتحول إلي زحام مثل أقسام الشرطة, لأنه في هذه الحالة تتوه العدالة ولا يستطيع السيد النائب أن يصل إلي الحقيقة, فالزحام أو التربص بين طرفي المهنة يجب ألا يتحول إلي الاستقواء بالمنصة العالية, فذلك له مخاوف كثيرة علي المستقبل.
وما تعلمناه من تراث رجال القضاء الموقرين أن الكبار هم من يحتوون المواقف ولا يفتعلون الأزمات, بل يطفئون النيران.
هذه الأزمة العلنية هي وليدة أزمات مكتومة سابقة عليها, ولذلك يجب ألا تقتصر معالجتها علي تصيد المخطئ في الحادثة الفردية فقط, بل يجب البحث في عمق الأشياء حتي لا نترك ترسبات في الأعماق تعوق سير العدالة والعلاقة الحميمة والقوية التي يجب أن تكون بين المحامين والقضاة.
أما القضية الاجتماعية الثانية التي تفجرت أخيرا وأصبحت أزمة فهي حكم المحكمة الإدارية العليا الخاص بالسيد هاني وصفي وغيرها من القضايا, فالكثيرون لم يفهموا التصعيد الذي جري سواء من الكنيسة أو المتابعين للأحداث, فالحكم يلزم الكنيسة القبطية بإعطاء الحاصلين علي حكم الطلاق تصريحا بالزواج الثاني, وقد تعرض لموجات متناقضة يجب أن تكون في حدودها, فلا أحد يطالب الكنيسة بالخروج علي الإنجيل,( فالذي جمعه الله لا يفرقه الناس), ولكن هناك حالات يجب دراستها, فالشخص الذي التمس العدالة سمحت الكنيسة لزوجته السيدة هالة صدقي بالزواج الثاني ولا تسمح له, مما يضع علامة استفهام كبيرة, فالعدالة يجب أن تكون للجميع, وهذا لا ينفي أننا نطالب منذ فترة بأن من الضروري إصلاح القوانين الإدارية لمنع اختلاطها, فهناك أحكام إدارية كثيرة تم إلغاؤها في درجات التقاضي المختلفة, ولكنها أثارت الكثير من البلبلة في الشارع المصري, وأظهرت أن هناك نزوعا من المحاكم الإدارية للتدخل في السلطة التنفيذية, مثل منع تصدير الغاز أو تسعيره, أو حكم تحديد الحد الأدني للأجور وما أثاره من تداعيات مختلفة في الشارع الاقتصادي كله, بالإضافة إلي أحكام أخري كثيرة بمصادرة كتب وروايات وإدانة مبدعين تسببت في جدل, ولكن الكثير من الأحكام يحدث فيها تغيير في درجات التقاضي الأعلي.
من حق الكنيسة أن تتمسك بتقاليد الزواج الديني, ولكن ماذا يفعل من حالت الظروف بينه وبين استمرار مؤسسة الزواج لسبب ما, وهو يريد تكوين أسرة.
يجب أن يفك المجتمع والقانون الاشتباك بين القضيتين المعقدتين.. فللكنيسة حقها, وللمواطن المسيحي المعلق بين عدم الزواج وعدم موافقة الكنيسة الحق في الزواج بأن يلجأ إلي الزواج المدني الذي يجب أن ينظمه القانون, تلك هي حقوق الناس في المجتمعات المدنية, والتي لا تخل بحقوق المؤسسات الدينية.
يجب أن يتسع صدر المجتمع( الكنيسة والجامع) للمتغيرات الحديثة, وألا تظل الأمور معقدة, حتي تصنع قلقا اجتماعيا يؤثر في الاستقرار المجتمعي للوطن كله.
إن هذه الأزمة مفتعلة ولا محل لها من الإعراب, وكل الكلمات الكبيرة التي صدرت من مختلف الأطراف بأن الكنيسة تريد أن تكون دولة داخل الدولة لا يوجد لها تفسير أو دليل حي, ولكن الأزمة تعكس حالة من القلق المجتمعي لقصور تشريعي يجب أن تسارع الدولة بتجاوزه وإجراء إصلاح قانوني وإداري لمؤسساتها, بحيث تجعلها قادرة علي مواكبة العصر ومتغيراته, وأن تكون مؤسساتنا الدينية والقانونية قادرة علي استيعاب احتياجات وطموحات مواطنيها. وليست أدوات تعقيد وصناعة للأزمات.
هذه هي صورة العصر ومتغيراته في كل الدول, فالعالم من حولنا يتغير ويتطور, ولم تعد أزمات مثل التي تقع في مصر تحدث في العالم, فهذا هو نتاج التأخر في عمليات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي الجذرية التي تتم في كل المجتمعات لتتواكب مع احتياجات الناس وتطورها, وما يستتبعها من إصلاح قانوني وتشريعي وإداري لجميع المؤسسات, بحيث تكون مؤسسات عصرية ومتطورة وليست مؤسسات لصناعة الأزمات أو التعقيدات المفجرة للأزمات السياسية والاجتماعية, وباعثة علي القلق المجتمعي.
………………………………………………………..
لا يمكن أن ننتهي من الإطلالة علي الحالة المصرية في الأسبوعين الماضيين بدون رصد المتغيرات علي المسرح السياسي, وهي للأمانة أفضل بكثير من المتغيرات الاجتماعية, وإن كانت التطورات الاقتصادية أكثر ثقة ويقينا من الحالتين الاجتماعية والسياسية علي المسرح السياسي.
انتهت انتخابات مجلس الشوري بسلام واطمئنان وبدون صخب برغم استمرار الضجيج الذي هو سمة للحالة السياسية, وبالذات الانتخابية, فلا يمكن للأطراف المتنافسة أن تعطي للفائز حقه, بل سوف تظل تصرخ دائما متهمة بالتزوير والتجاوزات, ولكن ظروف العملية الانتخابية تعكس المتغيرات العميقة في الشارع المصري سياسيا.
فقد انتهت الانتخابات الأسهل ودخلنا إلي المرحلة الأصعب, وهي انتخابات مجلس الشعب, تمهيدا للعام المقبل الذي سيشهد انتخابات الرئاسة التي تعمل لها مصر بإذن الله وهي مستقرة وتملك اليقين الكامل لمستقبلها.
انتخابات الشوري كشفت عن قوة الحزب الوطني, وأكدت أنه مازال الحزب الوحيد الذي يحصل علي ثقة الناخبين, بل والقادر علي تحقيق النتيجة التي يريدها, ويرجع ذلك لتطورات سياسية كثيرة واقتصادية متعددة تشير إلي كفاءته وقدرته, ولكن ذلك يضع علامات كثيرة علي مستقبل النظام الحزبي في مصر وقدرته علي التطور, وإن كانت قد ظهرت أخيرا إشارات إيجابية سواء من الأحزاب الصغيرة أو من الأحزاب القديمة كالوفد ـ تشير إلي تغييرات جوهرية داخلها, ستجعل دورها أكثر بروزا في الانتخابات المقبلة, خاصة في مجلس الشعب, فالجميع ينتظر بروزا وتعاونا أكثر قوة من حزب الوفد, بعد إعادة تنظيم صفوفه ودخوله معركة تنافسية علي رئاسة الحزب لم تؤد ـ كما كان متوقعا ـ إلي انقسامه وتفتته إلي حزبين, بل حافظ علي استقراره ووحدته, وهي علامة إيجابية مهمة تشير إلي قدرته علي المنافسة في الانتخابات البرلمانية القادمة من موقع متميز وأكثر قوة.
وإذا كان الحزب الوطني قد أظهر قوته وحقق أهدافه, فذلك نتاج تنظيمه صفوفه, فلقد أصبح يملك مؤسسات وغرف عمليات حديثة, وقدرة فائقة علي التغلغل في الشارع السياسي, والاستفادة القصوي من عدم قدرة الأحزاب الأخري علي التفاعل ولملمة صفوفها للدخول في معارك انتخابية تنافسية تليق بالنظام السياسي المصري, فالأحزاب الأخري لم تستطع أن تستفيد من ثغرة منافسة الحزب الوطني نفسه وزيادة كوادره, ولم تستفد من الطموحات غير المشروعة لبعض كوادر الوطني التي تم استبعادها من الانتخابات.
وهنا يجب أن نحذر من مبالغات الأحزاب الصغيرة ومن بكائها المستمر علي الانتخابات والنظام السياسي المصري, مبررة انقساماتها وفشلها الذريع في التكيف الانتخابي وإثبات وجودها علي المسرح السياسي بذرائع واهية.
يجب علي الأحزاب والسياسيين الذين لم يحققوا أهدافهم أن يعترفوا لأنفسهم قبل غيرهم بعدم قدرتهم علي فهم المتغيرات في الشارع السياسي المصري والتكيف معها, فهذا هو الطريق الأسلم للتطور, وأن يكون لها في الانتخابات المقبلة مكانة وموقع, فلا يكفي البكاء وإهالة التراب علي الانتخابات كتبرير للفشل وعدم إثبات الوجود.
كما لن تغني الأحزاب الصغيرة أو التي لم تحقق أهدافها بإثارة شعارات أو أوهام أو مغالطات لرجل الشارع عن مسئولية حزب الأغلبية وتقصيره, أو تحميل الحزب الوطني وحده مسئولية فشلها عن الوجود في الشارع والحصول علي أصوات الناخبين. فالمنافسة السياسية مفتوحة والمناقشات محتدمة, وكل حزب أمامه كل القنوات ووسائل الإعلام والاتصال المباشر لنقل وجهة نظره, فالحياة السياسية المصرية متطورة ومتفاعلة ومناخ الحرية في التعبير لا يمكن إنكاره والفرصة مواتية أمام هذه الأحزاب إذا اقتنع الناخب بها ليعطيها صوته, ولكن الناخب مازال قادرا علي الفرز, ويعرف لمن يعطي صوته وعمن يحجبه لعدم اقتناعه بشعاراته أو رؤاه.
انتهت حالة الصخب السياسي بالنسبة للشوري, وأثبتت الجماعات المحظورة أو جماعات الشعارات الزائفة عدم وجود أصوات مقابلة لها في الشارع السياسي, بل خذلتهم أصوات الناس, ولم تذهب إليهم, فحق عليهم الآن أن يعترفوا بفشلهم ويدخلوا المعركة المقبلة بروح جديدة بل بلغة جديدة, قد تجد صدي لها في الشارع, وكفاهم إهالة التراب علي إنجازات النظام السياسي الذي مكنهم من الوجود علي الساحة وطرح رؤاهم, بل التعبير عنها بكل الوسائل الإعلامية, حتي في الشارع بالتظاهر والاعتصامات.
………………………………………………………..
ما حدث في انتخابات الشوري هو انعكاس لحالة الشارع المصري سياسيا, ولكننا اجتزنا المرحلة الأولي من عام الانتخابات وبقيت أمامنا مرحلتان كبيرتان يجب أن تعيد الأحزاب كلها خططها وأهدافها وأساليبها في العمل وأن تضع أمامها تنمية الحياة السياسية وإصلاحها أولا.
فنحن في مرحلة دقيقة من التطور وعمليات الإصلاح, ونحتاج إلي وضع أهداف الوطن ومصالحه وتنميتها أولا, قبل وضع الأهداف الخاصة أو الحزبية في المقدمة, وأعتقد أن النخبة السياسية المصرية وشارعها الحي والمتجدد قادرون علي السير في عمليات الإصلاح والتفوق بلا تردد أو نكوص.
ولا أستطيع أن أنهي حديثي عن الحالة المصرية دون الإشارة إلي قدرة الجهاز التنفيذي في استكمال برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تبرز مؤشراته استمرار معدلات النمو وتنفيذ البرنامج الانتخابي للرئيس مبارك بمعدلات أكبر, وأسرع في العام الأخير.
فقد أشارت المنظمات الدولية إلي أن مصر تقترب من العودة لمعدلات النمو قبل الأزمة الأخيرة, كما أن هناك اتجاهات جديدة لإعداد برنامج جديد لحشد المدخرات الصغيرة ودفع البنوك والقطاع الخاص لإقامة مشروعات وخدمات عامة تعمل علي تفعيل عمليات التطوير والإصلاح والنمو الاقتصادي.
كما أن الحكومة تعيد النظر بالكامل في أساليب تقديم الدعم والخدمات الاجتماعية بحيث تصل مباشرة إلي محدودي الدخل, بالاستهداف المباشر للفقراء والقري الفقيرة, بما يعني توفير أموال ومدخرات لزيادة الخدمات العامة( في قطاعي الصحة والتعليم), بحيث نرتفع بهما إلي معدلات أكثر أداء وتفوقا.
Osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى