مقالات الأهرام اليومى

علاوة الموظفين والإنفاق الاجتماعي انحياز واضح للرئيس

بهدوء وبلا ضجيج أو انفعال سياسي واصل الرئيس حسني مبارك دعمه محدودي الدخل وموظفي الدولة المصرية‏,‏ في رسالة سياسية تتسم بالحكمة وحماية معيشة المصريين التي اتسم بها عهده وحكمه في مصر‏.‏ قرر الرئيس مبارك في اجتماعه الأول أمس مع حكومته‏,‏ بعد انتهاء إجازته بسلامة الله‏,‏ أن تكون العلاوة السنوية لموظفي الدولة‏(10%),‏ يحصل عليها‏6‏ ملايين موظف‏

أسامة سرايا ويستفيد منها35 مليون مصري بتكلفة تقترب من ملياري جنيه, وكانت الحكومة قد تقدمت بمشروع العلاوة الخاصة بـ7% فقط وقرر الرئيس زيادتها.

المغزي من العلاوة الجديدة التي تقررت أنه باستمرارية العلاوات المميزة التي حصل عليها الموظفون في السنوات الأربع الأخيرة, أي منذ بدء تنفيذ برنامج الرئيس مبارك الانتخابي, تمت مضاعفة الأجور الأساسية التي يحصل عليها الموظفون في مصر حتي الدرجة الثالثة.
كانت أول علاوة(2005 ـ2006)20% بحد أدني30 جنيها وبدون حد أقصي.#
العلاوة الثانية في عامي(2006 ـ2007) كانت10% بحد أدني36 جنيها ودون حد أقصي.
والعلاوة الثالثة في عامي(2007 ـ2008) حصل فيها الموظفون علي علاوتين.. الأولي15%, والثانية30%, وهي الزيادة التي تقررت لمواجهة الأزمة العالمية لأسعار السلع الغذائية في شهر مايو2008, وكانت فلسفتها هي إعادة تدوير المكاسب التي حققتها فئات المجتمع من أصحاب الدخول المرتفعة لمصلحة الفئات الأقل دخلا, فكانت العلاوة الجديدة هي أكبر نسبة زيادة في دخول الموظفين في أي فترة طوال تاريخ مصر الاقتصادي, وتم تمويل هذه الزيادة الكبيرة بفرض ضرائب علي السيارات الفارهة, وبرفع أسعار بعض السلع التي تستخدمها المجتمعات القادرة مثل البنزين مرتفع الأوكتين وغيرها.
وإذا نظرنا رقميا إلي تكلفة العلاوات التي تقررت في موازنات تلك الفترة فإن تكلفتها المباشرة تصل إلي18 مليار جنيه, وبالتحليل الاقتصادي المتعمق, فإن تأثير هذه العلاوات علي دخول الموظفين بعد مرور5 سنوات, أي بعد ضم العلاوة إلي أساسي الراتب, يعني أن جميع دخول العاملين والتي تحتسب كنسبة من هذا الأساسي ترتفع تلقائيا, والجدير بالذكر أن أساسي الراتب يمثل ثلث ما يحصل عليه الموظف من دخل ولذلك يكون المردود ثلاثة أمثال, وعلي سبيل المثال نجد أن الجنيه الذي يتم إنفاقه علي العلاوة يترجم إلي3 جنيهات تقريبا بعد ضم العلاوة وتزيد التكلفة من مليار إلي3 مليارات جنيه. وهكذا.
وهذه خدمة جيدة ومتكاملة لزيادة الأجور في مصر بأسلوب علمي ودون إحداث اختلالات حادة في الموازنة المصرية.
…………………………………………….
وإذا أضفنا إلي ذلك ما رصدته الموازنة الجديدة من الإنفاق الاجتماعي لرفع دخول ومعيشة المواطنين في مصر, خاصة محدودي الدخل ـ والتي تقدر بـ213.2 مليار جنيه في الموازنة, منها101.8 مليار دعما مباشرا للطاقة والسلع التموينيةـ نجد أننا أمام موازنة من أهم أهدافها الاقتصادية أن تصل إلي الفئات التي لم تستطع أن تتكيف مع عمليات الإصلاح الاقتصادي في مصر فمن المعروف أن الفئات الأكثر استفادة وتكيفا مع الإصلاحات والمتغيرات هي الفئات المتعلمة والأكثر انفتاحا والتي تستفيد مبكرا وقبل غيرها, ثم تتسرب الفائدة تدريجيا إلي الآخرين.
وأي موازنة عادلة تتسم ببعد الرؤية والحكمة تتجه إلي مساعدة تلك الفئات الضعيفة التي لم تحصل علي حصة عادلة من الإصلاحات. وقد راعت موازنة مصر الجديدة تحقيق هذا الهدف, خاصة للفئات الموجودة في الريف والنجوع والقري الأكثر فقرا بطريق الاستهداف المباشر.
ويكفي للتدليل علي ذلك ما تقرر من دعم للمزارعين وصل إلي2.2 مليار جنيه وهي زيادة كبيرة تقترب من300% من موازنة العام الماضي.
نحن أمام موازنة جديدة تشير إلي تعافي الاقتصاد المصري من أسوأ أزمة عالمية مر بها الاقتصاد العالمي باستمرار النمو الذي سوف يتجاوز5% والسياسة الخاصة بالأجور التي تتسم باستمرارية معالجة الاختلالات الجوهرية في هذا القطاع الحيوي الذي يحافظ علي دخول الموظفين بالدولة ويحمي مستوي معيشتهم, وفي الوقت نفسه لايسهم في زيادة عجز الموازنة.
كما أن هذه السياسة تكشف عن انحياز استراتيجي من الرئيس مبارك لمحدودي الدخل وللفئات التي لم تستفد من الإصلاح الاقتصادي باستمرار وتزايد الدعم المباشر, والأهم تزايد الإنفاق الاجتماعي بشكل مستمر, بما له من تأثير جوهري في التنمية بوجه عام والتنمية البشرية بوجه خاص.
الانتخابات بين الديمقراطية وفتنة السياسة
أخطر ما يعيب أي مجتمع يسعي للتطور والنمو وتغيير حياة أبنائه للأفضل وبناء مؤسساته أو بنيته السياسية القوية التي تتوازي مع بنيته الاقتصادية, هو أن يحاول مروجو الفتن أو منتهزو المتغيرات أو أصحاب الطموحات غير المشروعة السيطرة علي عقل الأمة, وهم موجودون بكثرة في كل المجتمعات ولدي كل الشعوب, يريدون توظيف الأحداث السياسية أو ظروف المجتمع ودرجة تطوره لمصلحة أهدافهم الضيقة أو مصالحهم الآنية أو حتي مصالح متوهمة للوطن, خاصة في ظروف الانتخابات, حيث تصبح الرغبات أو السعي للموقع أهم من البحث عن دور أو التحلي بالمسئولية.
وفي ظروف المنافسة تنفتح شهية هؤلاء المغامرين وقد يستأسدون ويحاولون ضرب المجتمع وتشويه صورته فيتمادون في غيهم ليصلوا إلي ذروة السلبية فنراهم يتطاولون علي النظام بل والقانون.
ولأن الانتخابات لا تعني تغيير الأنظمة أو ضربها, بل تعني الحفاظ عليها وعلي استقرارها وضمان بقاء مؤسساتها, ولأن مصر مازالت في مراحل التطور والنمو السياسي, بل وفي المراحل الأولي للديمقراطية, وأمامها استحقاقات انتخابية ثلاثة كبري تتم في فترة وجيزة ومتتابعة خلال عامين.. لكل ذلك يجب تحذير كل أطراف اللعبة السياسية من اللجوء إلي هذا الأسلوب, ففيه الكثير مما يغري محطات أو وسائل إعلام تتمتع بالحرية وتري الإثارة طريقا سهلا لجماهيرها فجموعة صغيرة( مسماة بـ6 أبريل) تجمعت أمام دار القضاء العالي للمطالبة بالإفراج عن عدد من أنصارها أو متظاهريها الذين حاولوا خرق القانون في ميدان التحرير. وحاولت هذه الصورة الخادعة من خلال بعض الفضائيات جذب الأنظار إلي أن هناك مظاهرات في القاهرة, في حين أن كل هؤلاء لم يشعر بهم إلا المتضررون في شوارع العاصمة, حيث تأثر المرور بشدة من هذا العمل الانتخابي الصغير الذي قصد به أصحابه صورة خادعة في محطات التلفزة, عسي أن تتحول باستمراريتها لدي شارع سياسي عريض له تأثير انتخابي إلي مايريدون.
الانتخابات وسيلة أو أداة من أجل بناء النظام السياسي وتطويره وتدعيم المؤسسات, فهي الطريق إلي تداول السلطة بين أبناء الوطن المستقل والقوي, وليست وسيلة للهدم أو ضرب المجتمع أو حتي النظام, فكل هذه المحاولات بهذا الأسلوب عبثية, وأصحابها لا يعرفون مصر, بل يتصورون أن المجتمع المصري هش يسهل كسره أو تقزيمه, كما تصور لهم أوهامهم وأحلامهم المريضة, ولا نريد أن يأخذنا التحليل بعيدا فنتصور أنهم يحققون مصالح خارجية وبعضهم كذلك بالفعل, فهذه جريمة إذا ضبط من يرتكبها يجب أن يقدم للمحاكمة فورا, فالأنظمة المستقرة والقوية يجب أن تكون في مراحل التغيير والتطور والنمو حاسمة في حماية مصالحها وضمان حاضرها ومستقبلها, ولا تسمح للأقزام أو المغرر بهم بضرب الاستقرار, لأن حماية التطور والنمو لا تقبل التردد أو حتي التسامح مع المتمردين ومثيري الشغب وراغبي الهدم, حتي ولو كانت لحركاتهم أسماء مغرية وجذابة قد تخدع البعض, بعض الوقت, لكنها لا تستطيع خداعهم بالقطع طوال الوقت, إذ سرعان ما تكتشف مرامي المغرضين.. والشعوب الحية مثل المصريين قادرة دائما علي هذا الفرز الإيجابي.
ويجب أيضا أن نحصن ديمقراطيتنا من أن تتحول إلي أخطاء يثيرها المتحمسون أو الغوغائيون, مثلما يفعلون في ملاعب كرة القدم.. وهذا ما حدث في الكويت بالضبط من لجوء البعض إلي نفس الأسلوب لتأييد مرشح مقترح أو محتمل علي محطات التلفزة أو مواقع النت.. فيتحول مؤيدوه لإثارة الشغب سواء في القاهرة وأمام سفارة الكويت أو علي المقاهي في الكويت.. وعندما تتدخل السلطات لضبط الأمور وتصحيح الأخطاء يحدث التطاول من أنصار هذا الفريق.
إن ما حدث في الكويت مؤشر خطير لكل من يتعاملون علي المسرح السياسي أو المشاركين في العملية الانتخابية.. فطرحك نفسك للانتخابات أو سعيك لمنصب أو دور أو مشاركة لا يعني هدم الأنظمة أو حتي تغييرها, فأنت جزء من هذا النظام وعليك أن تتحلي بكل عناصر ضبط النفس, وبكل الأساليب الديمقراطية, وإذا كان لي أن أعذر من تضرروا من أحداث الكويت فيجب أن نعذر الجمهور والناس الذين غرر بهم بعض من يتصدرون الواجهات السياسية أو المتحدثون في وسائل الإعلام, فهم يطرحون القضايا بكل أساليب الإثارة ويصورون أنفسهم كالأبطال والمخلصين والقادمين لتغيير العالم, وليس بلادهم فقط.. وكلها من أساليب الإثارة والبعد عن الموضوعية, بل والحقيقة كذلك! لإيهام المخدوعين الذين يتصورون أنهم الجماهير, وهم في حقيقة الأمر مجموعة من المغامرين يحركهم أصحاب المصالح بالريموت كنترول بالضبط, فيقعون في الخطأ الذي يؤثر علي حياتهم ومستقبلهم.
الانتخابات وسيلة ديمقراطية صحيحة تتيح للناخبين اختيار ممثليهم بأسلوب متحضر وتسمح بتطوير المجتمعات, كما أنها بالنسبة لمن فازوا بها تفويض محدد المدة ومحمي بالدستور والقانون وفي إطار زمني مؤقت.
فالانتخابات ليست من الوسائل الانقلابية لإدارة البلاد والمؤسسات أو تغييرها بالقوة, وإنما هي آلية للحفاظ عليها واستكمال ما بدأناه من عمل سياسي واقتصادي واجتماعي لتطوير المجتمع, المجتمعات المتطورة والمتقدمة, والتغيير الحقيقي لا يأتي عبر الانقلابات أو الثورات بل يتحقق بالعمل وبناء المؤسسات وتطويرها, والعمل التراكمي المستمر والدائم, ولكن المغامرين ومثيري الشغب والفوضي لا يرضون بهذه الأساليب فهي تحتاج إلي أصحاب العقول القادرة والفاهمة لمجتمعها ولطرق التطور, ولذلك يلجأون إلي الأساليب التي يعرفونها وهي إثارة الفوضي.
وهؤلاء يجب أن يطولهم القانون ليضعهم في حجمهم الطبيعي للحفاظ علي ما تحقق لبلادنا من تطور ونمو وحماية الوطن والمواطنين معا, فنحن مجتمع يسعي نحو المزيد من المكاسب الديمقراطية دون التضحية بأمنه واستقراره, ودون الإضرار بالوطن وإلا تحولت الديمقراطية إلي نوع من الفوضي يؤدي إلي سخط طويل المدي لدي المواطنين, ورفضهم الإضرار بمصالحهم التي يجب أن يحميها المجتمع, فليس من حق المغامرين أن يتحدثوا أو حتي يتظاهروا باسم المجتمع كله, أو ينصبوا أنفسهم أوصياء علي مصالح المواطنين.
Osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى