مقالات الأهرام اليومى

المشهد الفلسطيني‏!‏

ما أكثر الأحداث التي تستثير الأسي الممزوج بالغضب في المحيط العربي‏.‏ وما أصعب التوقعات بالموعد الذي من الممكن أن تنتهي فيه هذه الحقبة المؤلمة من التاريخ العربي المعاصر‏.‏ فلقد طغت أصوات التطرف علي أصوات العقل والاعتدال‏.‏ وباتت الدماء العربية مستباحة ومسفوحة بأيدينا وأيدي غيرنا في العراق والسودان‏,‏ والصومال‏,‏ بل وفي كل أنحاء العالم عبر حرب الإرهاب وتداعياته‏.‏ ولم نكد نستفيق من هول مشهد الإعدام العلني للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في يوم عيد الأضحي المبارك بالصوت والصورة‏,‏ حتي تصاعد الاقتتال ليزيد من حجم الدماء العربية المستباحة في فلسطين‏.‏ وهي دماء نزفت الكثير منها أجساد أطفال ومواطنين أبرياء لم يكن لهم في حياتهم من حلم إلا أن يروا لهم وطنا آمنا يعملون من أجله ويحققون علي ترابه شيئا من آمالهم المشروعة‏,‏ ويستردون فيه حقوقهم الضائعة‏.‏

إن الاقتتال الدائر علي الأرض الفلسطينية هو أكثر ما يثير الأسي في دراما الحياة في الشرق الأوسط بأسره هذه الأيام‏.‏ فهو اقتتال بين فصائل تحاول استقطاب الشعب الفلسطيني وتوسيع دائرة الصراع ليشمل الجميع‏.‏ ولم يشهد التاريخ من قبل أن أساءت قيادات حركة من حركات التحرر الوطني إلي قضيتها مثلما تفعل القيادات الفلسطينية الآن بشعبها وقضيتها‏.‏ ولم تشوه حركة من هذه الحركات وجه العدالة في قضيتها مثلما يحدث الآن في فلسطين‏,‏ ولم تعمل حركة واحدة من قبل علي النيل من رصيدها لدي المتعاطفين معها مثلما يحدث الآن في فلسطين‏.‏ حيث اختزل الأشقاء في فلسطين اليوم قضيتهم الكبري في عداوات سياسية ومنافع شخصية‏,‏ وتنكر لسنوات طويلة من النضال والكفاح‏,‏ ونسيان كامل للأسباب التي من أجلها سالت دماء الشهداء من الفلسطينيين وغيرهم‏.‏

وأصبحت غزة مقسمة في شكل شوارع بين أمراء الحرب وزعماء الفصائل‏,‏ وأصبحت صورتها الآن موزعة بين الصوملة الصومال أو تورا بورا في أفغانستان‏..‏ ويتزايد الانقسام بينها وبين مدن الضفة الغربية‏,‏ حيث يتوزع في مدنها ويتكرس الخوف بين الاحتلال بكل أوجهه القبيحة وإهداره قيمة الإنسان‏,‏ وبين أن تصبح جزرا منعزلة نتيجة الصراعات والخطر الذي يعيشه أهلها بسبب انعدام الأمن‏.‏

وعبر حلقات مسلسل الشقاق والنزاع كان الجانب المصري في كل مرة حريصا علي جمع الصف الفلسطيني في مساع لم تتوقف من أجل إقرار الحقوق الفلسطينية‏,‏ وإنهاء معاناة شعب طالت أزمته حيث نجحت مصر في كل مرة في احتواء الأزمات وتوقيع الاتفاقات التي توقف الاقتتال وسفك الدماء الفلسطينية‏.‏ لكن العداء كان يطل من جديد لتنهار الهدنة‏,‏ وتعود لغة السلاح إلي العمل بين الإخوة شركاء المعاناة من الاحتلال‏.‏ فلقد نجحت الحكومة الفلسطينية بدعم مصري في الحفاظ علي الهدنة الموقعة مع الحكومة الإسرائيلية في مارس عام‏2005‏ وحتي الآن‏,‏ ولكن الهدنة بين الأشقاء سريعا ما تنهار لينتشر الفزع في الشوارع الفلسطينية من جديد‏.‏

ولم تعد أصوات السلاح في الشارع الفلسطيني تسمح بسماع صوت الحكمة والعقل الموجه إلي الجميع‏.‏ ومن الواضح أن الرئيس حسني مبارك هو الزعيم العربي الأوحد الذي تمثل القضية الفلسطينية جزءا من برنامج عمله اليومي‏,‏ والذي تجاوز بها مآزق كثيرة وجدد في كل أزمة آمال التفاوض والتوصل إلي حل‏,‏ ومازال يحذر من أن استمرار الاقتتال الفلسطيني سيؤثر سلبا علي القضية برمتها‏,‏ وعلي آمال الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة‏,‏ ومازالت القضية الفلسطينية هي البند الأول علي أجندة مباحثاته السياسية واتصالاته الدؤوب وعمله المتصل‏.‏ وكان الرئيس مبارك هو الأكثر شرحا وتوضيحا لكل الفلسطينيين وتنبيها إلي حقيقة أن الاقتتال بينهم لن ينتهي بمنتصر ومهزوم وإنما سيخرج منه الفلسطينيون جميعا بخسائر ربما تتجاوز قدراتهم علي تحملها في الوقت الراهن‏.‏

………………………………………………………………..‏
لقد ترك مسلسل الفشل في التوافق الوطني تأثيرات عميقة وتحولات مرعبة في الضمير الفلسطيني‏.‏ فمع مطلع عام‏2007‏ أظهر استطلاع للرأي أن‏4.9%‏ فقط من الفلسطينيين باتوا يخشون الاحتلال الإسرائيلي بينما‏93%‏ منهم أكثر خوفا من انفلات الأمن والاقتتال الداخلي بين الفلسطينيين‏,‏ وقد أصبحت فصائل التحرر الوطني هي الأكثر رعبا وتخويفا للشعب الذي تعمل من أجل تحريره واستعادة حقوقه الضائعة‏.‏ فأي صورة عبثية تدمغ بها القيادات الفلسطينية قضيتها لدي الجميع داخل الأرض المحتلة وخارجها؟‏..‏ وأي دعم تتوقعه الفرق المتناحرة في مواجهة قوات الاحتلال؟

وعلي الطريق إلي الوضع الراهن أخطاء كثيرة ارتكبت ومهدت الطريق إلي المهزلة الحالية‏,‏ فقد أوصت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الرئيس أبو مازن بإجراء انتخابات مبكرة حلا للأزمة المستعصية مع حماس بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية تخرج بالقضية الفلسطينية من أزمتها الراهنة وتدهور مكانتها‏,‏ وإنهاء حالة الاحتقان والتوتر والحصار المالي والسياسي المفروض‏.‏ إلا أن الرد علي هذه المطالبة جاء سريعا بعملية اغتيال انتهت إلي قتل ثلاثة أطفال وهم في الطريق إلي مدارسهم وكانت جريمتهم أنهم أبناء عقيد بالمخابرات الفلسطينية كما جرح خمسة آخرون‏.‏ وبعد ثمانية أيام من تلك الجريمة البشعة أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن قراره بالدعوة لانتخابات عامة تشمل الرئيس والبرلمان‏.‏ وجاء الرد أيضا سريعا علي تلك الدعوة بثلاثة أيام من الاقتتال في شوارع غزة ووقع المزيد من الضحايا الذين ينتمي بعضهم لحركة فتح ومات آخرون جريمتهم أنهم مواطنون فلسطينيون أبرياء‏.‏

………………………………………………………………..‏
حصاد العار
وفي مسلسل التناحر الفلسطيني الداخلي أحصت المراكز الفلسطينية المستقلة سقوط ثلاثمائة وتسعة قتلي بنيران فلسطينية بينما سقط خمسة قتلي من الإسرائيليين بنيران المقاومة خلال عام‏2006,‏ ومازال الخطاب السياسي الفلسطيني يتحدث عن خيار المقاومة ومحاربة قوات الاحتلال في الوقت الذي توجه فيه الأسلحة إلي صدور المواطنين دون رادع أو وازع‏.‏ وهكذا كلل عام‏2006‏ بالعار حيث سقط بأيدي الفصائل الفلسطينية ستون مواطنا مقابل كل قتيل من الجانب الإسرائيلي‏.‏ والمعادلة ببساطة وفق الخطاب السياسي وشعارات المقاومة أنهم بحاجة إلي قتل‏300‏ مليون فلسطيني حتي يسقط مواطنو إسرائيل جميعا قتلي‏,‏ وتبقي المشكلة‏:‏ من أين نأتي بهذا العدد من الفلسطينيين حتي تتحقق نبوءة ووعود فصائل الجهاد والمقاومة ؟‏!‏

……………………………………………………………………..‏
إن الاقتتال الفلسطيني يتم اليوم علي خلفية جديدة لم تعتدها الأراضي المحتلة‏.‏ وهي خلفية تختزل الفلسطينيين في فئتين لا ثالث لهما‏:‏ إما كفار خارجون علي الدين ولابد بالضرورة من قتلهم‏,‏ وإما خونة باعوا القضية وفرطوا في حقوق الشعب‏,‏ وهؤلاء أيضا لابد من قتلهم‏.‏ فالذين يتعاملون مع القضية من منظور وطني أو قومي يوصفون بالخونة‏,‏ والذين يتعاملون معها من المنظور الديني الخاص الذي تتبناه حماس يوصفون بالصفويين ـ إشارة إلي العلاقات مع الإيرانيين‏(‏ ففي عهد الدولة الصفوية أصبح المذهب الشيعي عقيدة الإيرانيين‏).‏ أسامة سرايا

وحتي رجل الدين الذي دعا إلي احترام حرمة الدم الفلسطيني قتل بعد الصلاة مباشرة في خان يونس‏.‏ ومع هذه التصنيفات فإن الأرض الفلسطينية قد تحولت إلي مسرح لمعارك القوي الإقليمية‏.‏ وعلي جانب آخر‏,‏ فقد تحول الموقف الإيراني الداعم للقضية الفلسطينية إلي طرف فاعل في الصراع الداخلي الفلسطيني‏.‏ وهو تحول له مغزاه‏,‏ إذ لم تولد العلاقات الإيرانية ـ الفلسطينية مع وجود حماس وإنما هي علاقات أقدم كثيرا من حماس والتيار الذي تتبناه‏.‏ لكن القيادة الفلسطينية في ذلك الوقت أدارت العلاقات مع إيران بحكمة تفتقدها حماس اليوم‏.‏ فلم يكن الحصول علي الدعم الإيراني قائما علي حساب العلاقات الاستراتيجية بالمحيط العربي أو بالدخول في محاور إقليمية‏.‏ أما الوضع الآن فإنه ينذر بتحول له مخاطره إذا استمر النفوذ الإيراني في التوغل لحسابه وليس لحساب القضية نفسها‏.‏

أما علي الجانب الإسرائيلي فإن هناك رد فعل مختلفا لما يحدث في الشارع الفلسطيني‏.‏ حيث يتباري السياسيون الإسرائيليون بطرح العديد من مشروعات التسوية الداعية للسلام بينما تعمل آليات الدعاية الإسرائيلية علي نشر تلك المشروعات عالميا لسبب بسيط هو أن يدرك العالم أن يد إسرائيل الممدودة بالسلام لاتجد يدا أو شريكا فلسطينيا يشاطرها العمل من أجله‏,‏ فالأيادي الفلسطينية مشغولة بالاقتتال‏.‏ وهكذا يهدي الفلسطينيون لإسرائيل المزيد من التعاطف الدولي دون أن تدفع الحكومة الإسرائيلية أي ثمن لتلك المبادرات الدعائية‏.‏

………………………………………………………………..‏

والخروج من المهزلة الراهنة ليس صعبا أو مستحيلا إذا تراجعت الفصائل ليحل محلها الوطن الفلسطيني‏,‏ وإذا تم التنازل عن منافع ومكاسب فئوية وشخصية لحساب المصلحة الفلسطينية العليا‏.‏ وقد يكون الحل في التوافق علي حكومة وحدة وطنية تستند إلي وثيقة الوفاق الوطني ووثيقة المحددات السياسية التي وقعها الرئيس الفلسطيني مع إسماعيل هنية رئيس الوزراء في سبتمبر الماضي‏.‏ وربما يكون الخيار الأفضل في تشكيل حكومة تكنوقراط من الخبراء غير الحزبيين الأكفاء لإدارة الشأن الفلسطيني الداخلي تحت رقابة المجلس التشريعي الفلسطيني وتكون مهمتها الأولي هي رفع الحصار الاقتصادي الظالم المفروض علي الشعب الفلسطيني منذ مارس من العام الماضي‏.‏

وإذا تعذرت تلك الخيارات فعلي الجميع العودة إلي صناديق الاقتراع والاحتكام إليها لانتخاب رئيس جديد وبرلمان جديد لحل أزمة القيادة في الأرض الفلسطينية‏.‏ إلا أن العودة إلي صناديق الاقتراع تتطلب الكثير من الضمانات وتغيير المناخ السائد الذي ربما تزيده الانتخابات توترا واحتقانا‏.‏ والأهم الآن هو أن يدرك الفلسطينيون جميعا أنهم بمسلكهم الراهن يعرضون قضيتهم المصيرية لخطر هائل محليا وإقليميا ودوليا ويهددون تاريخا طويلا من النضال والتضحيات‏,‏ ويدفعون الكثيرين من المؤمنين بعدالة قضيتهم والراغبين في تقديم الدعم لهم نحو حالة تفقدهم صبرهم وتتركهم في النهاية يواجهون خصمهم فرادي‏,‏ وحينئذ لن تنفعهم خلافاتهم الداخلية‏,‏ ولا مصالح بعضهم الضيقة‏.‏

إذ ينبغي أن يدرك الفلسطينيون أن خيارات السلام والتفاوض أصعب من خيارات الحرب والمقاومة‏,‏ كما أنها تحتاج إلي مزيد من التعاون والثقة بين جميع الأطراف للكشف عن المماطلات الإسرائيلية‏,‏ خاصة أن القضية الفلسطينية بكل أبعادها وتاريخها الطويل وعدالتها التي لايشكك فيها أحد‏,‏ تدخل ـ ولظروف عالمية وإقليمية متغيرة ـ مرحلة جديدة ستجد خلالها دعما واهتماما من أطراف عديدة‏,‏ وستكون هناك ضغوط متعددة لتسويتها وإعطاء الحقوق لأصحابها‏,‏ ويجب أن يكون الفلسطينيون بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم السياسية مؤهلين لهذا التغير وقادرين علي استيعابه والتعامل معه‏,‏ حتي لاتصبح قضيتهم هي قضية الفرص الضائعة‏,‏ كما أن ضياع الفرصة الراهنة سوف يكون فادحا‏,‏ لأنها سوف تضيع بأيدي أصحابها؟‏.‏

osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى