مقالات الأهرام اليومى

حوارات التعديلات الدستورية

لم يكد الرئيس حسني مبارك ينهي خطابه يوم الثلاثاء قبل الماضي حول التعديلات الدستورية التي تشمل‏34‏ مادة من الدستور حتي انهمر فيضان التحليلات والأحاديث والحوارات حول هذه التعديلات وغيرها‏.‏ وقد بني بعض هذه التحليلات علي مواقف سياسية معروفة لأصحابها‏.‏ حيث يريد كثيرون منهم تطويع نصوص الدستور المعدلة للعمل في خدمة أهدافهم وأغراضهم‏.‏ ولم يتوقف هؤلاء أمام معان جديدة ومبادئ واعدة تفرضها مصلحة الوطن‏,‏ وراحوا يفتشون في تفصيلات صغيرة يهيلون بها التراب علي القضية برمتها‏.‏

وخلال الأيام الأولي التي أعقبت خطاب الرئيس تحول الجميع إلي خبراء وفقهاء في الدساتير‏,‏ خاصة دستور عام‏1971‏ الذي مازال يحكم حياتنا السياسية حتي الآن‏.‏ وبات من الصعب علي المواطن العادي أن يفرق بين أساتذة القانون الدستوري وفقهائه وخبرائه‏,‏ وبين مرتادي المقاهي الإعلامية‏,‏ ممن اعتادوا الفتيا في كل قضية والحكم في كل نزاع‏.‏ ومع كامل التقدير لحق كل مواطن في التعبير عن رأيه في القضايا العامة‏,‏ وبخاصة فيما يتعلق بوثيقة الحكم الأساسية وهي الدستور‏,‏ فإن ذلك الحق لابد أن يبني علي إحساس قوي بالمسئولية والفهم الكامل لمغزي الدستور وأهميته في حياة الشعوب‏,‏ فحينما يتعلق الأمر بقضية لها أهميتها لابد أن نتوقف أمام محاولات الشحن والتزييف والفتن وزرع الأوهام‏,‏ فتعديل الدستور يراه جموع المصريين نقلة نوعية غير مسبوقة في مسيرتنا السياسية‏.‏ إذ لم يحدث في تاريخنا أن طرحت تعديلات أو صياغات دستورية لحوار بمثل هذا المستوي الذي كان رئيس الدولة نفسه هو الداعي إليه‏,‏ تدعيما للمشاركة الشعبية في القضايا الحيوية والمصيرية‏,‏ وتأكيدا لمبدأ يأمل أن يراه سائدا في حياتنا السياسية‏,‏ وهو ألا يغيب المصريون عن أمر يتعلق بجوهر نشاطهم العام‏.‏ أسامة سرايا
وأحسب أن كثيرين ممن تصدوا مبكرا للحديث عن قضية الدستور لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث في نصوص الدستور القائم ونصوص التعديلات المقترحة‏,‏ ولم يستجيبوا للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المصري في مرحلة التحول التي نعيشها‏,‏ وهو واقع يمارس تأثيره القوي فيما سوف تنتهي إليه كل جهود تعديل الدستور‏.‏ إننا لسنا بصدد البحث عن مجرد نصوص دستورية جديدة بدلا من نصوص قديمة لم تعد صالحة‏,‏ أو نصوص نجمل بها وجه الحياة السياسية‏.‏ لكننا نسعي إلي تضييق الفجوة بين النص الدستوري والواقع الذي يحتوي تطبيق هذا النص‏.‏

ولابد أن نأخذ الواقع الحالي بكل أبعاده في الاعتبار حينما نتحدث عن التعديلات المرتقبة‏.‏ فنحن لانبحث عن دستور لجمهورية مثالية لاوجود لها إذ لا يوجد هذا الدستور بعد‏,‏ وإنما نسعي إلي دستور للمجتمع والدولة المصرية بوضعها الراهن ومستقبلها المأمول‏..‏ وهذه الرؤية تغيب كثيرا في حوارات تعديل الدستور‏.‏ والحقيقة أن تضييق الفجوة بين النص الدستوري والواقع لايعني النزول بالنص إلي ما دون المأمول‏.‏ ولكنه يعني المقاربة بين الواقع والمأمول في إطار يسمح بتطوير الواقع ذاته‏,‏ وضمان ألا يمضي النص في اتجاه والواقع في اتجاه آخر‏.‏ ففي دساتير أكثر الدول تسلطا عشرات من النصوص التي تكفل الحرية والحقوق الأساسية والفرعية‏,‏ ولكن واقعها كان يمضي في اتجاه آخر‏.‏ ولاشك أن الحوار الذي دعا إليه الرئيس مبارك يعني تنمية الوعي بالحفاظ علي الدستور وحمايته‏.‏

مناخ الصراخ لا يحقق أهدافنا
ومما يغيب عن حوارات تعديل الدستور حتي الآن أهمية الحدث نفسه‏,‏ وتأثيراته المؤكدة في حاضرنا ومستقبلنا السياسي‏.‏ فمستوي الحوار حتي الآن لايشير إلي أننا نأخذ القضية بما تستحقه من الاهتمام‏,‏ وبما تتطلبه من موضوعية‏.‏ فحين يتعلق الأمر بقضية مثل الدستور لابد أن يتسم الحوار بغير ما هو عليه الآن‏.‏ فالمستوي السائد فيه من الذاتية أكثر مما به من الموضوعية‏,‏ كما أن فيه من الصراخ أكثر مما به من الهدوء الرشيد‏.‏ وإذا كان هدف الحوار العام حول الدستور هو التوصل إلي التوافق العام‏,‏ فكيف يمكن بلوغ ذلك الهدف في مناخ لايسمع المشاركون فيه سوي أنفسهم فقط؟‏..‏ إن المعروف في النظم الديمقراطية هو أن الشعوب تحتاج إلي آليات حوار فعالة‏,‏ مادام عليها أن تشارك في الشأن العام‏.‏ والحقيقة أننا ومنذ بدأنا مسيرة التحول الديمقراطي فقدنا تدريجيا كثيرا من أدب الحوار‏,‏ وسادت مناقشاتنا حول الشأن العام الحدة والانفعال والانزلاق إلي ماهو أسوأ من ذلك‏.‏ وأخشي إن استمر المناخ بهذا الشكل أن نخسر كثيرا من الخبراء وأصحاب الرأي ممن يستطيعون دعم مسيرتنا خوفا علي كرامتهم من أن تهان في مثل هذا المستوي من الحوار‏.‏ فلا يبقي في الساحة إلا صخب وضجيج لاطائل من ورائه‏.‏

إن التعديلات الدستورية قضية لاتمس القلة التي تحتكر الحوار حتي الآن‏,‏ وإنما هي قضية حاكمة للمصريين جميعا الآن ولسنوات قادمة‏.‏ وحتي يمكن لقطاعات أوسع منهم أن تشارك لابد أن نساعدهم علي فهم مغزي الدستور وعلاقته بأسباب حياتهم‏.‏ فبالنسبة للكثيرين ظهر الدستور في الحوار العام فجأة‏,‏ وسوف يجدون أنفسهم مدعوين للاستفتاء حول تعديلات لم يسمعوا بها ولم يدركوا مغزاها‏.‏ ومن الأولي بالحوار في مراحله الأولي أن ينصرف إلي نشر قدر من الثقافة الدستورية تمهد الطريق أمام تطوره فيما بعد‏.‏ ولكننا آثرنا أن نبدأ من نهايته‏,‏ من نقاط الاختلاف وليس من نقاط الاتفاق‏.‏ وهكذا وجد الكثيرون أنفسهم في مواجهة حوار ملتهب تتناثر فيه الاتهامات دون معرفة كافية بما يجري‏.‏

وحدة الأحزاب حول التعديلات الدستورية
إن أحد دواعي التعديلات الدستورية هو تفعيل دور الأحزاب في الحياة السياسية المصرية وكان عليها أن تنتهز الفرصة لعمل جاد سوف تبني عليه الممارسات السياسة القادمة‏,‏ وكان جديرا بها أن تتبني برامج حوار موسعة في مواجهة القوي التي ظهرت بديلا عنها لتتربص بالحياة السياسية المصرية‏.‏ فالتعديلات المقترحة تطرح فكرتي المواطنة والمساواة وغيرهما من المفاهيم التي تحتاج إلي تبسيط وشرح‏,‏ وإلي تعميق الفهم والوعي بها في مواجهة التزييف المقصود والتلاعب بالمشاعر الدينية‏.‏ وكان جديرا بالأحزاب أن تدرك أنها جميعا في مواجهة خطر واحد ظهرت مؤشراته مرات ومرات‏.‏ وكان عليها أيضا أن تصل معا إلي حد من التوافق العام يحفظ للمجتمع كيانه واستقراره‏,‏ وأن تختلف فيما دونه في إطار عمل سياسي حقيقي يدعم التحول الديمقراطي‏.‏

الدستور والبوابة الصحيحة للعمل السياسي
ولقد كان محور الهجوم علي التعديلات الدستورية المقترحة يتعلق بالرغبة في تقويض فرص الجماعة المحظورة في العمل السياسي العام‏.‏ ولئن كانت هناك رغبة حقيقية في تقويض فرص تلك الجماعة في العمل السياسي الشرعي فهي بكل تأكيد رغبة تستحق التقدير‏.‏ إذ لم يعد من المقبول أن تبقي هذه الجماعة المحظورة بالقانون‏,‏ ولا أن تمارس دورا سياسيا مشروعا تحت قبة البرلمان‏.‏ لم تعد نياتها وأهدافها خافية علي أحد‏.‏ وعلينا أن نفرق هنا بين حق المواطن المصري في ممارسة النشاط السياسي‏,‏ وبين جماعة تتبني برنامجا سياسيا ينذر المجتمع بكل الأخطار‏.‏ وليس مقبولا أيضا أن تنفذ هذه الجماعة إلي الحياة السياسية من بوابة حقوق أعضائها من المواطنين‏.‏ ولابد أن يحدد الدستور بوابات صحيحة وصريحة للدخول إلي النشاط السياسي‏.‏ وحين ينص علي عدم مشروعية قيام حزب علي أساس ديني أو عنصري أو طائفي‏,‏ فإنه يعلي من قيمة المواطنة والمصالح الوطنية العليا التي تتحقق بها المساواة‏.‏ فالعمل السياسي لابد أن يسعي إلي خدمة المواطنين جميعا علي اختلاف أديانهم وأعراقهم وطوائفهم‏.‏

لقد تلاعب أعضاء الجماعة كثيرا بشعارات كانت تجد في الخلفية الدينية للمصريين شيئا من التعاطف‏,‏ حتي أدرك الجميع زيف تلك الشعارات‏,‏ ووقفوا علي حقيقة أهدافهم‏.‏ ولو أن التعديلات الدستورية انتهت إلي تنقية حياتنا السياسية من مثل هؤلاء لكفتنا شرورا كثيرة‏.‏ فليس في تلك التعديلات ما يمنع مواطنا مصريا مسلما كان أو قبطيا من ممارسة حقوقه السياسية‏,‏ في إطار أحزاب سياسية تستوعب الجميع دون تفرقة‏,‏ وتعمل من أجلهم دون تحيز‏.‏

إن قضية الدستور تتطلب حوارا موضوعيا وجادا يليق بما يمثله من أهمية في حاضرنا ومستقبلنا‏,‏ ولابد أن يحدونا هدف التوافق الوطني حول كثير من التعديلات التي تدفع مسيرتنا الديمقراطية خطوات إلي الأمام‏.‏ ونحن بحاجة إلي تكوين رأي عام مستنير يحمي كل مكتسب نحققه‏,‏ ويدعمه‏,‏ ويتقدم به خطوات إلي الأمام‏.‏ ولعل الحوار الجاد والموضوعي يمثل فرصة حقيقية لحفز المشاركة العامة في صياغة وثيقة الحكم الأساسية التي تقترب بنا من بناء رأي عام واع‏,‏ يحفظ وجود وفاعلية ما سوف ينتهي إليه الحوار من تعديلات في الدستور‏.‏ وباستثناء أولئك الذين اختزلوا تلك التعديلات في مصالحهم الفئوية‏,‏ فإن الجميع يوقن أننا بصدد نقلة نوعية في حياتنا السياسية لن تكون هي الأخيرة‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى