مقالات الأهرام اليومى

تراجـع للقــوة ومراجعة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

تكشف كل الوقائع والتطورات أن الاختبار الحقيقي لمكانة الولايات المتحدة‏,‏ باعتبارها القوة الكبري في عالم اليوم‏,‏ سيكون في منطقة الشرق الأوسط‏,‏ التي اصبحت محور التحركات الأمريكية الخارجية‏,‏ بل ومحور التفاعلات السياسية الداخلية بين الحزبين الكبيرين الجمهوري والديمقراطي ومؤسساتهما‏,‏ تأزما‏,‏ وانفراجا أيضا‏.‏

ولم تبخل دول المنطقة‏,‏ خاصة مصر‏,‏ في تعاملها مع الأمريكيين بالنصيحة الصادقة‏,‏ وتقديم المعلومات الدقيقة‏,‏ والبحث في كيفية إيجاد المخرج السليم لأزمات المنطقة‏..‏ ولعل جولة المباحثات الراهنة للوفد المصري في واشنطن تكشف عن النية المخلصة من جانبنا‏,‏ للمساعدة علي تجاوز الأزمات والكوارث في منطقتنا‏,‏ حيث لايستطيع أحد أن ينكر مسئولية أمريكا‏,‏ سواء بالخطأ المباشر أو بسلبيتها‏,‏ عن تفاقم الأوضاع وزيادة الاضطرابات في منطقتنا‏.‏

ففي هذه المنطقة الحساسة من عالمنا المعاصر‏,‏ البعيدة أو النائية بالنسبة لأمريكا‏,‏ قضي نحو ثلاثة آلاف من الجنود الأمريكيين نحبهم‏,‏ وتجاوز عدد المصابين عشرات الألوف وأهدرت مئات البلايين من الدولارات‏,‏ دون أن يكون لذلك سبب واضح يبرر تلك التكلفة الباهظة بمنطق المواطن الأمريكي‏.‏ بل إن الأمريكيين يشعرون اليوم بأنهم عرضة لمشاعر كراهية غير مسبوقة بين شعوب المنطقة‏,‏ ولدي شعوب أخري‏,‏ بسبب ما وقع منهم في المنطقة ذاتها أيضا‏.‏ إذن لم تجن الولايات المتحدة من سياساتها في الشرق الأوسط إلا الخسارة‏.‏ فلا هي برهنت للعالم علي قدرتها علي القيادة في زمن القطب الأوحد‏,‏ ولاهي احتفظت بأرواح أبنائها وثرواتها‏,‏ ولاهي حققت شيئا من الأهداف الإمبراطورية‏.‏

والمحصلة حتي الآن هي الخسارة الفادحة للموارد والنفوذ معا‏.‏ فبالرغم من الوجود الأمريكي الكثيف في المنطقة‏,‏ يتحدث الجميع عن تراجع النفوذ الأمريكي‏,‏ وفقدان الثقة في قدرة أمريكا علي ضبط التفاعلات وتوجيهها‏,‏ وإعادة الاستقرار إلي ماكان عليه قبل وصول الجيوش الإمبراطورية‏.‏وباختصار فلقد كان الشرق الأوسط مسرحا ولدت فيه بوادر أمراض الإمبراطورية الجديدة‏,‏ حيث سيطرت أوهام القوة‏,‏ وزادت الهوة بين الطموحات والواقع‏,‏ وساد سوء التقدير قرارات القيادة‏.‏

غير أن الذي فعلته الولايات المتحدة بالمنطقة لم تتوقف أضراره وخسائره عند المصالح الأمريكية فحسب‏,‏ بل تجاوزتها إلي مصالح شعوب المنطقة ذاتها‏.‏ فقد أجبرت السياسة الأمريكية هذه الشعوب علي أن تدفع ثمن معظم أخطائها‏,‏ وهنا يكمن سبب الكثير من المشاعر السلبية في المنطقة تجاه الولايات المتحدة التي أصبحت الداء لأوجاع كثيرة‏,‏ في الوقت الذي مازالت فيه تملك الجزء الأكبر من أساليب العلاج‏.‏ فقد أوقعت سياستها أكثر حكومات المنطقة اعتدالا في مآزق متتالية مع شعوبها‏,‏ ومع الحكومات الأقل اعتدالا‏,‏ وكذلك الأكثر تطرفا‏.‏ وعبر تلك المآزق المتتالية مهدت هذه السياسة الأرض أمام التطرف‏,‏ وقوضت الكثير من جهود الاعتدال‏.‏ أسامة سرايا

ومع تعقد الأزمات في الشرق الأوسط‏,‏ وما تنذر به من فوضي عارمة أصبحت المراجعة الشاملة للأوضاع والسياسات ضرورة حتمية لإنقاذ المنطقة والمصالح الأمريكية علي السواء من أن تنزلق إلي واقع يهدد الأمن والسلام في العالم‏.‏ ولابد من أن تتحمل الولايات المتحدة قبل غيرها مسئولية المراجعة الكاملة والشاملة لسياساتها أولا‏,‏ وأن تعيد النظر في رؤيتها لأزمات المنطقة‏,‏ إذ لم تعد النظرة الجزئية للأحداث والأزمات تجدي في مساعي التسوية‏.‏ فالسنوات الماضية برهنت للجميع علي وجود ارتباط قوي بين أزمات المنطقة في أفغانستان والسودان ولبنان وفلسطين والعراق وإيران وسوريا‏.‏ ولابد أن تعترف الولايات المتحدة بأنها كانت قاسما مشتركا في كل هذه الأزمات‏.‏ وأنها في كل الحالات كانت أقرب إلي المواجهة العسكرية أو التلويح بها‏,‏ بدلا من أن تمارس دورا يليق بقوة قدر لها أن تحكم العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي‏.‏

وقبل الحديث عن نقاط مراجعة السياسات الأمريكية في المنطقة‏,‏ لابد من الإشارة إلي حقيقة مفادها أن الجميع لايريدون للولايات المتحدة أن تخرج مهزومة من الشرق الأوسط‏,‏ ولايريدون لها أن تنسحب من النظام العالمي والإقليمي‏,‏ فتلك خسارة فادحة للجميع‏.‏ فالقوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية الأمريكية كفيلة بتحقيق توازن حيوي مطلوب في نشر السلام وإقرار الحقوق وتحقيق العدالة في كل أنحاء العالم‏,‏ والمراجعة تعني ترشيد استخدام تلك القدرات الأمريكية الهائلة بالشكل الذي يحبط مخططات قوي التطرف وجوعي الحروب‏,‏ ومثيري التوتر والاضطرابات‏.‏ ومثل هذا الاستخدام الرشيد لمقدرات الدولة الأمريكية كفيل بتحقيق نموذج تاريخي فريد لقوة حقيقية‏,‏ تقود العالم نحو واقع يترجم أهداف الجميع بمن فيهم الأمريكيون أنفسهم‏.‏

ولعل أولي المراجعات التي تحتاجها الولايات المتحدة هي أن تضع قوتها العسكرية في موضعها الصحيح في منظومة القدرات الأمريكية المستخدمة في قيادة عالم اليوم‏.‏ فلقد عانت الولايات المتحدة في خمسة عقود مرارة مغامرتين عسكريتين فاشلتين‏:‏ الأولي في فيتنام أيام قوة الاتحاد السوفيتي والثانية في العراق بعد انهياره‏,‏ وانفرادها بقيادة العالم‏.‏ وفي الحالتين لم تحقق القوة العسكرية انتصارا‏,‏ ولم تخضع أيا من الشعبين للإرادة الأمريكية‏.‏ بل كانت التجربتان مأزقا بكل المعايير‏,‏ حيث تطلبت الأولي جهودا هائلة حتي خرجت القوات الأمريكية بعد خسائر فادحة‏,‏ تحولت إلي حالة مرضية في المجتمع الأمريكي‏.‏ أما الثانية فمازالت قائمة‏,‏ تشهد علي هوان القوة العسكرية في حل الصراعات حتي في غياب قوة كبري مناوئة للولايات المتحدة‏.‏

أيضا تحتاج السياسة الأمريكية إلي مراجعة مصادر المعرفة لديها بحقائق الأوضاع في المنطقة‏.‏ فمن الواضح أن الولايات المتحدة تعلمت الدرس الخطأ من المدرس الخطأ في الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية‏.‏ حيث كانت إسرائيل‏,‏ ومازالت‏,‏ تتحسس ترسانتها العسكرية مع كل أزمة‏,‏ معتمدة علي قوتها حتي في مواجهة أطفال الحجارة ومسلحي البنادق‏.‏ ولذلك بعد ستة عقود من قيام إسرائيل لم تفلح في أن تكون جزءا من المنطقة أو في أن تقيم أي شكل من أشكال العلاقات مع حكوماتها او شعوبها‏.‏ ولابد للولايات المتحدة ان تخرج علي الدرس الخطأ وأن تباعد بينها وبين تصورات الإسرائيليين عن الأوضاع في المنطقة‏.‏ خاصة أن إسرائيل مازالت تمثل المشكلة الأم لها في طول الشرق الأوسط وعرضه‏,‏ وهي مشكلة تحتاج منها إلي مراجعة شاملة وواقعية‏.‏ ولابد أن تعطي اهتماما وانتباها أكبر لدروس ونصائح جاءتها ـ ومازالت تجيئها ـ من قوي معتدلة‏,‏ لديها القدرة علي الفهم الواعي لمجريات الأمور في المنطقة بأسرها‏.‏ أما المدرسون الآخرون الفاشلون للقوة الكبري فهم بعض المغامرين السياسيين والعملاء الذين يجرونها إلي التدخل في الشئون الداخلية لدول المنطقة بلا وعي او إدراك أو فهم حقيقي‏,‏

وتدفعهم إلي ذلك طموحاتهم السياسية والاقتصادية للحروب وقد كانوا سببا في تعكير علاقاتها ودفعها إلي مسارات خاطئة‏.‏ كما كانوا حصان طروادة للاحتلال في العراق وأزماته الصعبة المستحكمة‏.‏ وقد برهنت تجارب كثيرة علي أن شيئا من الاهتمام والانتباه لصوت العقل والمعرفة والنصائح الصادقة‏,‏ كان يمكن أن يجنب الأمريكيين الكثير من المتاعب التي يعانونها اليوم‏.‏ ومن الطبيعي أن تسعي قوي الاعتدال أو التطرف نحو أهدافها فيما تقدمه من نصائح للسياسة الأمريكية في المنطقة‏,‏ وتظل النقطة الحاكمة هي مدي التوافق بين المصالح الأمريكية والإقليمية في المنطقة‏,‏ وليس التقاطع بينها‏.‏ فمن الواضح أن كثيرا من المعلومات غير الصحيحة والتحليلات غير المدروسة والسياسات الخاطئة التي خرجت من المنطقة واتبعتها الولايات المتحدة‏,‏ قد ألحقت أضرارا بالغة بمصالحها‏,‏ وتجبرها اليوم علي أن تدفع الثمن غاليا داخليا وخارجيا‏.‏

ومما يحتاج إلي المراجعة في السياسة الأمريكية هو موقفها من القضية الفلسطينية‏,‏ التي حولتها أمريكا إلي أعقد مشكلات القرن بفعل انحيازها الواضح والصريح للتطرف الإسرائيلي‏,‏ ومحاولات إيجاد حلول مؤقتة لا تفي بالحد الأدني من الحقوق المشروعة الضائعة للفلسطينيين‏.‏ وإذا كان الأمريكيون لايدركون أهمية تلك القضية في المنطقة‏.‏ فإنها قضية تتجاوز بتأثيراتها ارض فلسطين وشعبها لتصبح ميراثا لشعوب المنطقة بأسرها من القوميين وحتي الإسلاميين ومن الأكثر اعتدالا إلي الأكثر تطرفا‏.‏ ومالم تحظ القضية الفلسطينية بمراجعة تؤدي إلي العدل والإنصاف‏,‏ فإن الولايات المتحدة سوف تظل تواجه الكثير من المشكلات في المنطقة‏.‏ وربما أدرك الأمريكيون أخيرا لماذا تبدو القضية الفلسطينية حاضرة في العراق ولبنان وإيران وأفغانستان والسودان والصومال‏,‏ وفي غيرها‏.‏ وربما يدركون أيضا أن وصول حماس المتطرفة ـ حسب الوصف الأمريكي ـ إلي سدة الحكم في الأراضي الفلسطينية عبر انتخابات حرة‏,‏ كان نتيجة طبيعية للسياسة الأمريكية الحاكمة للمسلك الإسرائيلي المتغطرس بشأن حقوق الفلسطينيين‏.‏فلم يبق الإسرائيليون‏,‏ ومن ورائهم ساسة واشنطن‏,‏ خيارا أمام الفلسطينيين في مواجهة

الآلة العسكرية الإسرائيلية في الشوارع والميادين وعلي طاولة المفاوضات سوي المزيد من التشدد أو التطرف‏.‏ إن مفتاح السلام في الشرق الأوسط هو إنهاء الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين‏.‏ وعملية السلام كما وصفها هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق مثل راكب الدراجة الصاعد إلي قمة التل‏..‏ إذا لم يواصل الصعود فإنه لايتوقف بل يتراجع وربما يهبط الي السفح وهو ماوصلنا إليه الآن وقد حدث للفلسطينيين وغيرهم في مناطق أخري‏,‏ ذلك عندما ضاعت الحقوق ففقدوا الإرادة المستقلة في مواجهة القوة العسكرية‏.‏ وإذا لم يتم التوصل إلي حل شامل للصراع العربي ـ الإسرائيلي‏,‏ يقوم علي الإنصاف وإعادة الحقوق‏,‏ فإن بذور التطرف التي ترويها السياسة الأمريكية في ذلك الصراع سوف تنمو في أماكن اخري من المنطقة وسوف تتوجه اساسا ضد المصالح الأمريكية وسوف تنال منها‏.‏

وكذلك فإن الموقف في العراق يحتاج إلي مراجعة سريعة قبل أن تتجذر الأزمة لتصبح مصدرا جديدا داعما للإرهاب في المستقبل‏.‏ ولابد من الخروج من أزمة التصورات المسبقة المملوءة بالتحامل علي الواقع والتنكر لمعطياته‏.‏ فلم تعد القضية في العراق هي أن تعترف الولايات المتحدة بفشلها أو أخطائها‏,‏ ولكن القضية هي أن تعترف بأن رؤية جديدة قد أصبحت لازمة للخروج من المأزق الراهن‏.‏ وهي رؤية لابد وأن تختلف عن الاستراتيجية التي تحدث بها الرئيس جورج بوش أخيرا والتي تطرح أزمة نجاحها وفشلها في آن واحد‏,‏ فالنتيجة في الحالتين واحدة وهي الكارثة‏:‏ إن الأزمة في العراق تحتاج إلي مراجعة شاملة أكثر بعدا عن الآلة العسكرية الأمريكية‏,‏ وأكثر اقترابا من الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي في العراق‏,‏ مراجعة لاتتم بهدف البحث عن مخرج مشرف من المستنقع العراقي‏,‏ وإنما تساعد علي ظهور مشروع يعيد بناء العراق علي أساس المواطنة العراقية وليس علي أي أساس آخر‏.‏

والأولي بها أيضا أن تراجع السياسات الأقدم في المنطقة‏,‏ وأن تراجع الاندفاع الراهن نحو المواجهة العسكرية مع إيران بسبب برنامج نووي تعلم حقيقته‏,‏ وتملك كثيرا من أدوات خفض قوته‏.‏ فلا أحد يريد تكرار تجربة أسلحة الدمار الشامل التي اتخذتها أمريكا ذريعة لاحتلال العراق‏,‏ فيصبح تخصيب اليورانيوم ذريعة أخري واهية للتخلص من النظام العدائي في إيران‏.‏ ولابد أن تخضع قضية معقدة بهذا المستوي لتفكير أعمق‏,‏ يدرك خطورة المواجهة علي أمن المنطقة‏.‏ صحيح أن النظام في إيران يرتكب الكثير من الأخطاء في محيطه الإقليمي‏,‏ بما يثير مخاوف جيرانه‏,‏ إلا أن الحل لن يكون في مواجهة عسكرية تطيح بما بقي في المنطقة من أمن واستقرار‏.‏

وإذا أقدم الأمريكيون علي مراجعة سياساتهم في المنطقة‏,‏ فإن ذلك يتطلب مراجعة موازية لها أيضا في العالم العربي‏.‏ فلقد عانت المنطقة الكثير نتيجة غياب دور عربي فعال في تداعيات الأحداث‏,‏ بسبب الانقسام تارة‏,‏ وتشتيت الجهود تارة أخري‏,‏ والأنانية المفرطة للبعض تارة ثالثة‏.‏ ولم يفت الوقت بعد لبناء موقف عربي موحد يؤكد أهلية العرب للمشاركة النشيطة فيما يجري علي أرضهم‏,‏ بشرط أن يتخلصوا من المصالح القطرية الضيقة‏,‏ وأن يعملوا من أجل مصالحهم العليا التي هي أكثر أهمية لهم جميعا مما سواها‏.‏

osaraya@ahram.org.eg

ومع تعقد الأزمات في الشرق الأوسط‏,‏ وما تنذر به من فوضي عارمة أصبحت المراجعة الشاملة للأوضاع والسياسات ضرورة حتمية لإنقاذ المنطقة والمصالح الأمريكية علي السواء من أن تنزلق إلي واقع يهدد الأمن والسلام في العالم‏.‏ ولابد من أن تتحمل الولايات المتحدة قبل غيرها مسئولية المراجعة الكاملة والشاملة لسياساتها أولا‏,‏ وأن تعيد النظر في رؤيتها لأزمات المنطقة‏,‏ إذ لم تعد النظرة الجزئية للأحداث والأزمات تجدي في مساعي التسوية‏.‏ فالسنوات الماضية برهنت للجميع علي وجود ارتباط قوي بين أزمات المنطقة في أفغانستان والسودان ولبنان وفلسطين والعراق وإيران وسوريا‏.‏ ولابد أن تعترف الولايات المتحدة بأنها كانت قاسما مشتركا في كل هذه الأزمات‏.‏ وأنها في كل الحالات كانت أقرب إلي المواجهة العسكرية أو التلويح بها‏,‏ بدلا من أن تمارس دورا يليق بقوة قدر لها أن تحكم العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي‏.‏

وقبل الحديث عن نقاط مراجعة السياسات الأمريكية في المنطقة‏,‏ لابد من الإشارة إلي حقيقة مفادها أن الجميع لايريدون للولايات المتحدة أن تخرج مهزومة من الشرق الأوسط‏,‏ ولايريدون لها أن تنسحب من النظام العالمي والإقليمي‏,‏ فتلك خسارة فادحة للجميع‏.‏ فالقوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية الأمريكية كفيلة بتحقيق توازن حيوي مطلوب في نشر السلام وإقرار الحقوق وتحقيق العدالة في كل أنحاء العالم‏,‏ والمراجعة تعني ترشيد استخدام تلك القدرات الأمريكية الهائلة بالشكل الذي يحبط مخططات قوي التطرف وجوعي الحروب‏,‏ ومثيري التوتر والاضطرابات‏.‏ ومثل هذا الاستخدام الرشيد لمقدرات الدولة الأمريكية كفيل بتحقيق نموذج تاريخي فريد لقوة حقيقية‏,‏ تقود العالم نحو واقع يترجم أهداف الجميع بمن فيهم الأمريكيون أنفسهم‏.‏

ولعل أولي المراجعات التي تحتاجها الولايات المتحدة هي أن تضع قوتها العسكرية في موضعها الصحيح في منظومة القدرات الأمريكية المستخدمة في قيادة عالم اليوم‏.‏ فلقد عانت الولايات المتحدة في خمسة عقود مرارة مغامرتين عسكريتين فاشلتين‏:‏ الأولي في فيتنام أيام قوة الاتحاد السوفيتي والثانية في العراق بعد انهياره‏,‏ وانفرادها بقيادة العالم‏.‏ وفي الحالتين لم تحقق القوة العسكرية انتصارا‏,‏ ولم تخضع أيا من الشعبين للإرادة الأمريكية‏.‏ بل كانت التجربتان مأزقا بكل المعايير‏,‏ حيث تطلبت الأولي جهودا هائلة حتي خرجت القوات الأمريكية بعد خسائر فادحة‏,‏ تحولت إلي حالة مرضية في المجتمع الأمريكي‏.‏ أما الثانية فمازالت قائمة‏,‏ تشهد علي هوان القوة العسكرية في حل الصراعات حتي في غياب قوة كبري مناوئة للولايات المتحدة‏.‏

أيضا تحتاج السياسة الأمريكية إلي مراجعة مصادر المعرفة لديها بحقائق الأوضاع في المنطقة‏.‏ فمن الواضح أن الولايات المتحدة تعلمت الدرس الخطأ من المدرس الخطأ في الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية‏.‏ حيث كانت إسرائيل‏,‏ ومازالت‏,‏ تتحسس ترسانتها العسكرية مع كل أزمة‏,‏ معتمدة علي قوتها حتي في مواجهة أطفال الحجارة ومسلحي البنادق‏.‏ ولذلك بعد ستة عقود من قيام إسرائيل لم تفلح في أن تكون جزءا من المنطقة أو في أن تقيم أي شكل من أشكال العلاقات مع حكوماتها او شعوبها‏.‏ ولابد للولايات المتحدة ان تخرج علي الدرس الخطأ وأن تباعد بينها وبين تصورات الإسرائيليين عن الأوضاع في المنطقة‏.‏ خاصة أن إسرائيل مازالت تمثل المشكلة الأم لها في طول الشرق الأوسط وعرضه‏,‏ وهي مشكلة تحتاج منها إلي مراجعة شاملة وواقعية‏.‏ ولابد أن تعطي اهتماما وانتباها أكبر لدروس ونصائح جاءتها ـ ومازالت تجيئها ـ من قوي معتدلة‏,‏ لديها القدرة علي الفهم الواعي لمجريات الأمور في المنطقة بأسرها‏.‏ أما المدرسون الآخرون الفاشلون للقوة الكبري فهم بعض المغامرين السياسيين والعملاء الذين يجرونها إلي التدخل في الشئون الداخلية لدول المنطقة بلا وعي او إدراك أو فهم حقيقي‏,‏
وتدفعهم إلي ذلك طموحاتهم السياسية والاقتصادية للحروب وقد كانوا سببا في تعكير علاقاتها ودفعها إلي مسارات خاطئة‏.‏ كما كانوا حصان طروادة للاحتلال في العراق وأزماته الصعبة المستحكمة‏.‏ وقد برهنت تجارب كثيرة علي أن شيئا من الاهتمام والانتباه لصوت العقل والمعرفة والنصائح الصادقة‏,‏ كان يمكن أن يجنب الأمريكيين الكثير من المتاعب التي يعانونها اليوم‏.‏ ومن الطبيعي أن تسعي قوي الاعتدال أو التطرف نحو أهدافها فيما تقدمه من نصائح للسياسة الأمريكية في المنطقة‏,‏ وتظل النقطة الحاكمة هي مدي التوافق بين المصالح الأمريكية والإقليمية في المنطقة‏,‏ وليس التقاطع بينها‏.‏ فمن الواضح أن كثيرا من المعلومات غير الصحيحة والتحليلات غير المدروسة والسياسات الخاطئة التي خرجت من المنطقة واتبعتها الولايات المتحدة‏,‏ قد ألحقت أضرارا بالغة بمصالحها‏,‏ وتجبرها اليوم علي أن تدفع الثمن غاليا داخليا وخارجيا‏.‏

ومما يحتاج إلي المراجعة في السياسة الأمريكية هو موقفها من القضية الفلسطينية‏,‏ التي حولتها أمريكا إلي أعقد مشكلات القرن بفعل انحيازها الواضح والصريح للتطرف الإسرائيلي‏,‏ ومحاولات إيجاد حلول مؤقتة لا تفي بالحد الأدني من الحقوق المشروعة الضائعة للفلسطينيين‏.‏ وإذا كان الأمريكيون لايدركون أهمية تلك القضية في المنطقة‏.‏ فإنها قضية تتجاوز بتأثيراتها ارض فلسطين وشعبها لتصبح ميراثا لشعوب المنطقة بأسرها من القوميين وحتي الإسلاميين ومن الأكثر اعتدالا إلي الأكثر تطرفا‏.‏ ومالم تحظ القضية الفلسطينية بمراجعة تؤدي إلي العدل والإنصاف‏,‏ فإن الولايات المتحدة سوف تظل تواجه الكثير من المشكلات في المنطقة‏.‏ وربما أدرك الأمريكيون أخيرا لماذا تبدو القضية الفلسطينية حاضرة في العراق ولبنان وإيران وأفغانستان والسودان والصومال‏,‏ وفي غيرها‏.‏ وربما يدركون أيضا أن وصول حماس المتطرفة ـ حسب الوصف الأمريكي ـ إلي سدة الحكم في الأراضي الفلسطينية عبر انتخابات حرة‏,‏ كان نتيجة طبيعية للسياسة الأمريكية الحاكمة للمسلك الإسرائيلي المتغطرس بشأن حقوق الفلسطينيين‏.‏فلم يبق الإسرائيليون‏,‏ ومن ورائهم ساسة واشنطن‏,‏ خيارا أمام الفلسطينيين في مواجهة
الآلة العسكرية الإسرائيلية في الشوارع والميادين وعلي طاولة المفاوضات سوي المزيد من التشدد أو التطرف‏.‏ إن مفتاح السلام في الشرق الأوسط هو إنهاء الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين‏.‏ وعملية السلام كما وصفها هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق مثل راكب الدراجة الصاعد إلي قمة التل‏..‏ إذا لم يواصل الصعود فإنه لايتوقف بل يتراجع وربما يهبط الي السفح وهو ماوصلنا إليه الآن وقد حدث للفلسطينيين وغيرهم في مناطق أخري‏,‏ ذلك عندما ضاعت الحقوق ففقدوا الإرادة المستقلة في مواجهة القوة العسكرية‏.‏ وإذا لم يتم التوصل إلي حل شامل للصراع العربي ـ الإسرائيلي‏,‏ يقوم علي الإنصاف وإعادة الحقوق‏,‏ فإن بذور التطرف التي ترويها السياسة الأمريكية في ذلك الصراع سوف تنمو في أماكن اخري من المنطقة وسوف تتوجه اساسا ضد المصالح الأمريكية وسوف تنال منها‏.‏

وكذلك فإن الموقف في العراق يحتاج إلي مراجعة سريعة قبل أن تتجذر الأزمة لتصبح مصدرا جديدا داعما للإرهاب في المستقبل‏.‏ ولابد من الخروج من أزمة التصورات المسبقة المملوءة بالتحامل علي الواقع والتنكر لمعطياته‏.‏ فلم تعد القضية في العراق هي أن تعترف الولايات المتحدة بفشلها أو أخطائها‏,‏ ولكن القضية هي أن تعترف بأن رؤية جديدة قد أصبحت لازمة للخروج من المأزق الراهن‏.‏ وهي رؤية لابد وأن تختلف عن الاستراتيجية التي تحدث بها الرئيس جورج بوش أخيرا والتي تطرح أزمة نجاحها وفشلها في آن واحد‏,‏ فالنتيجة في الحالتين واحدة وهي الكارثة‏:‏ إن الأزمة في العراق تحتاج إلي مراجعة شاملة أكثر بعدا عن الآلة العسكرية الأمريكية‏,‏ وأكثر اقترابا من الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي في العراق‏,‏ مراجعة لاتتم بهدف البحث عن مخرج مشرف من المستنقع العراقي‏,‏ وإنما تساعد علي ظهور مشروع يعيد بناء العراق علي أساس المواطنة العراقية وليس علي أي أساس آخر‏.‏

والأولي بها أيضا أن تراجع السياسات الأقدم في المنطقة‏,‏ وأن تراجع الاندفاع الراهن نحو المواجهة العسكرية مع إيران بسبب برنامج نووي تعلم حقيقته‏,‏ وتملك كثيرا من أدوات خفض قوته‏.‏ فلا أحد يريد تكرار تجربة أسلحة الدمار الشامل التي اتخذتها أمريكا ذريعة لاحتلال العراق‏,‏ فيصبح تخصيب اليورانيوم ذريعة أخري واهية للتخلص من النظام العدائي في إيران‏.‏ ولابد أن تخضع قضية معقدة بهذا المستوي لتفكير أعمق‏,‏ يدرك خطورة المواجهة علي أمن المنطقة‏.‏ صحيح أن النظام في إيران يرتكب الكثير من الأخطاء في محيطه الإقليمي‏,‏ بما يثير مخاوف جيرانه‏,‏ إلا أن الحل لن يكون في مواجهة عسكرية تطيح بما بقي في المنطقة من أمن واستقرار‏.‏

وإذا أقدم الأمريكيون علي مراجعة سياساتهم في المنطقة‏,‏ فإن ذلك يتطلب مراجعة موازية لها أيضا في العالم العربي‏.‏ فلقد عانت المنطقة الكثير نتيجة غياب دور عربي فعال في تداعيات الأحداث‏,‏ بسبب الانقسام تارة‏,‏ وتشتيت الجهود تارة أخري‏,‏ والأنانية المفرطة للبعض تارة ثالثة‏.‏ ولم يفت الوقت بعد لبناء موقف عربي موحد يؤكد أهلية العرب للمشاركة النشيطة فيما يجري علي أرضهم‏,‏ بشرط أن يتخلصوا من المصالح القطرية الضيقة‏,‏ وأن يعملوا من أجل مصالحهم العليا التي هي أكثر أهمية لهم جميعا مما سواها‏.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى