مقالات الأهرام اليومى

التعديلات الدستورية‏..‏ والتوافق العام الذي تحقق

ما تشهده مصر اليوم من حوار حول التعديلات الدستورية بأبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية هو دليل علي عافية وصلابة النظام السياسي المصري‏.‏ ودليل أيضا علي أن هناك أجندة واضحة المعالم والأهداف يمضي العمل بها في كل المجالات‏..‏ من التعديلات الدستورية إلي تطوير منظومة الصحة والتعليم وتحديث البنية الاقتصادية واتخاذ تدابير تشريعية كثيرة تحقق نقلة نوعية في الحياة المصرية‏.‏ وهذه الأجندة حددها البرنامج الانتخابي للرئيس حسني مبارك منذ قرابة عام ونصف عام‏.‏

ولعل استعراض ماتم إنجازه من برنامج الرئيس في عامه الأول يدفعنا إلي الاعتقاد بأن استكمال تنفيذ هذا البرنامج كفيل بتحقيق نقلة نوعية غير مسبوقة في تاريخ مصر المعاصر‏,‏ كما أن هذه الانطلاقة نحو الأهداف المحددة سلفا لم يعقها التدهور الملحوظ في الأوضاع الإقليمية المحيطة بنا‏,‏ والتي كان من الممكن أن تؤجل أو تبطئ خطي المساعي المبذولة لبلوغ تلك الأهداف‏.‏ وهي تبرهن علي أن التغييرات الراهنة جاءت نتيجة دراسة متأنية للأوضاع الداخلية المصرية‏,‏ ومراقبة فاحصة للاحتياجات الحقيقية لجموع المصريين‏.‏

ولو أنها ـ كما ردد البعض كثيرا ـ جاءت استجابة لضغوط خارجية‏,‏ لكانت خطاها قد تباطأت بفعل المشكلات والقضايا الخارجية الموجودة علي الساحة الآن‏.‏

ولعل ما تم من مناقشات حول التعديلات الدستورية في مجلسي الشعب والشوري والأحزاب‏,‏ ودوائر أخري كثيرة‏,‏ وما تحقق فيها من توافق علي كثير من التعديلات المطروحة‏,‏ يؤكد حقيقة أن ما طرحه الرئيس مبارك كان تعبيرا عن رغبات وطموحات جموع المصريين‏.‏ ولاينال من ذلك الإجماع اختلاف البعض حول بعض تلك التعديلات‏.‏ فلم يعد من المقبول في هذا العصر أن نبحث عن الإجماع الكامل أو التطابق التام ونحن نسعي إلي تعميق مسيرة الديمقراطية التي تستند إلي تنوع الآراء في المجتمع‏.‏  أسامة سرايا

ومع ذلك فإن الذين غردوا خارج السرب في مناقشات التعديلات الدستورية كانوا يعبرون عن اتجاه يري أن التحديث شر مستطير‏,‏ وأن النجاة في العودة إلي الوراء وإعادة إنتاج الماضي في صيغة تبدو معاصرة ولكنها تحتفظ بكل ملامح العصور التي مضي زمانها‏.‏ومن هنا فإن ما تم من مناقشات حتي الآن يوحي بشيء من التغيير في الفكر السياسي والاجتماعي السائد نحو الأفضل‏,‏ ونحو ما يدعم مسيرة التحديث في المجتمع‏.‏

ففي مناقشات مجلس الشوري حول التعديلات الدستورية اتسم الحوار بالكثير من الرقي الحضاري والحوار العقلاني الرشيد الذي يحفظ مصالح الوطن العليا‏,‏ ولايتنكر لاختلاف الآراء والرؤي والمفاهيم‏.‏ وقد شهدت الجلسات الخمس ـ التي عقدت بوجود ممثلي سبعة أحزاب سياسية ـ اختلافات كثيرة‏,‏ ولكنها توافقت فيما يمس غايات العمل السياسي في مصر‏.‏ فلقد توافق المشاركون علي تأكيد مبدأ المواطنة باعتباره أحد أهم اسس قيام الدولة الحديثة‏,‏ وحول التدابير الواقية من تسييس الدين‏,‏ واتخاذه وسيلة لتحقيق مكاسب لجماعة علي حساب أخري‏,‏ وأيضا التعديلات الخاصة بتقييد صلاحية رئيس الجمهورية ووضع ضوابط علي استخدامه للصلاحيات المخولة له‏.‏ ودعم صلاحيات رئيس مجلس الوزراء‏,‏ ودعم دور الأحزاب في المرحلة المقبلة‏.‏

وتم التوافق حول عدم تقييد النظام الاقتصادي المصري بنصوص دستورية‏.‏ ومن المهم أن نشير هنا إلي أن ما تم التوافق عليه يضع الكثير من الضمانات الدستورية لأداء المحركات الأساسية للنظام السياسي المصري‏,‏ ويستجيب لمشكلات تزايدت حدتها بالتغيرات التي طرأت علي المجتمع من ناحية‏,‏ وتقادم العهد بالنصوص الدستورية الراهنة من ناحية أخري‏.‏

وقد بقيت هناك خلافات طبيعية حول بعض التعديلات منها الإشراف القضائي علي الانتخابات‏,‏ وحماية الحريات العامة في قانون مكافحة الإرهاب‏,‏ والمادة‏74‏ من الدستور‏,‏ ونحن هنا أمام اختلافات مشروعة لايؤدي عدم التوافق عليها إلي أخطار بعد أن تم التوافق علي الأفكار التي تمثل محور الحياة السياسية فمثل هذه النقاط تخضع للحوار والنقاش‏,‏ والنظر في دساتير الدول الأخري لاختيار النظم المرجحة لمصلحة المجتمع‏.‏ فليس الإشراف القضائي هو السبيل الوحيد لضمان انتخابات نزيهة وإلا كانت كل الانتخابات التي جرت في الديمقراطيات الأخري بغير إشراف قضائي محل شك في نزاهتها‏.‏ فهناك فرق بين الإشراف القضائي علي الانتخابات‏,‏ وبين الإدارة القضائية لها‏,‏ بكل ما نتج عنها من مشكلات‏.‏

ومازال الأمر مطروحا للنقاش ولابد أن يحترم كل طرف فيه رأي الآخر‏,‏ وتتم دراسة التجارب العالمية في الديمقراطيات القديمة والحديثة معا وصولا إلي الصيغ الأفضل في هذا الشأن‏.‏ وكذلك الأمر فيما يتعلق بحماية الحريات العامة في ظل قانون مكافحة الإرهاب المقترح‏,‏ ولابد أيضا أن يدرك الجميع‏,‏ في المناقشات‏,‏ أن الإرهاب الذي تشعب كما وكيفا داخليا وإقليميا وعالميا هو ظاهرة لن تنته قريبا‏,‏ لأن مسبباته مازالت قائمة من حولنا ومازالت مصر ضمن قائمة أهدافه كما أن خطورته هائلة علي مختلف جوانب الحياة لدينا ولابد من اتخاذ كل التدابير التي تحمي المجتمع من شروره وغدره‏,‏ بما لايمس الحريات العامة للمواطنين‏.‏ وربما كان اقتراح خضوع التدابير والإجراءات في قانون مكافحة الإرهاب للرقابة القضائية وتعزيز تلك الرقابة‏,‏ سبيلا يهدئ من مخاوف البعض بشأن الحريات العامة‏.‏

………………………………………………………………‏

وحينما انتقلت المناقشات إلي مجلس الشعب كانت أكثر سخونة‏,‏ وهو أمر يتفق مع طبيعة التكوين السياسي للمجلس‏,‏ إلا أن مجمل المناقشات تمضي في الخط العام نفسه الذي مشت فيه مناقشات مجلس الشوري من توافق حول المحاور الأساسية‏,‏ واختلاف حول بعض التعديلات باستثناء محاولات البعض مصادرة حق المجتمع في حماية الدين من ألاعيب الراغبين في تحويله إلي ورقة من أوراق الضغط السياسي‏.‏ والحقيقة أن النص في الدستور علي حماية الدين والبعد به عن المعترك السياسي بدا ضرورة قصوي في ضوء المناقشات التي جرت في مجلس الشعب‏,‏ حيث بدأ التلاعب بالمشاعر الدينية واللجوء إلي الخطابة والتعبيرات العريضة‏,‏ التي تفتقد أي أسس موضوعية‏.‏ فلقد نصب البعض نفسه معبرا عن جموع المواطنين وأخذ يهتف باسمهم وكان يكفيه أن يعبر عن رأيه ليكون أكثر صدقا وأكثر واقعية‏.‏

لقد انتهي مجلس الشعب إلي الموافقة مبدئيا علي التعديلات الدستورية بأغلبية‏316‏ عضوا‏,‏ وهي أغلبية كبيرة بعد خمس جلسات مطولة من النقاش الحاد‏,‏ الذي شارك فيه أكثر من مائتي عضو‏,‏ وهذه الأغلبية تعبر عن التيار السائد في المجتمع ولابد من احترامه وتقديره برغم اختلافات البعض معه‏.‏

لقد تصور بعض الراغبين في تسييس الدين أن التدين العميق في نفوس المصريين يمكن أن يدعم آليات معارضتهم لتلك القضية‏,‏ استنادا إلي حوارات عامة سابقة‏,‏ غير أن هؤلاء لم يدركوا حجم التغير في المعرفة والفهم لدي المصريين في حقيقة العلاقة بين الدين والسياسة‏.‏ فقد كشفت المناقشات عن واقعية جديدة عبر بها الجميع عن رؤاهم بشأن العلاقة بين الدين والسياسة‏.‏ ولعل ممارسات الجماعة المحظورة قدمت أكثر البراهين قوة في النأي بالدين عن ألاعيب المغامرين السياسيين‏.‏ ولم تعد أساليب التكفير لكل من يري الدين أغلي وارفع من أن يتحول إلي ورقة من أوراق اللعبة السياسية تنطلي علي أحد‏.‏ فقد عانينا كثيرا حين آثرنا الصمت وقت أن أصبح التكفير لعبة في أيدي المتطرفين‏,‏ يخرسون بها ألسنة الجميع‏.‏ واليوم لم يعد هناك من تقنعه مقولات التكفير أيا كان قائلها‏.‏ فالدين ليس مخبوءا في عباءة أحد يعطيه لمن يشاء ويمنعه عمن يشاء‏.‏

…………………………………..‏

إن إحدي منافع الحوار حول التعديلات الدستورية الراهنة هي أنها تجاوزت خوفا استبد بالجميع زمنا‏,‏ عندما كان الحديث يتطرق إلي العلاقة بين الدين والسياسة‏,‏ وهي نقلة نوعية هائلة في التفكير الاجتماعي والسياسي‏.‏ وفي اعتقادي انها تمثل في ذاتها مرحلة جديدة‏,‏ بعد أن أخرست دعاوي التكفير أصواتا متدينة متعلمة قادرة وراغبة في الإسهام في دفع مجتمعها للأمام منذ وقت طويل‏.‏ حيث يدرك الجميع الآن أن احترام الدين وصيانته يكون بحمايته من المغامرين والمتاجرين به‏,‏ والراغبين في إسباغ القداسة علي ما يقولون بشأنه‏.‏

وبهذه الآليات الحضارية سوف يمضي النقاش حول التعديلات الدستورية فقد أدرك الجميع أننا نمضي في الطريق الصحيح‏,‏ وسوف نمضي فيه حتي النهاية‏..‏ ونحن نري مصر الآن وقد اقتربت من أهدافها الحقيقية الأقوي والأكثر جدارة باستمرار ريادتها للمنطقة إلي ما فيه الخير للأمة كلها‏.‏

osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى