مقالات الأهرام اليومى

من أثينا إلي لشبونة مساع من أجل الاقتصاد المصري

إلي الشرق في الصين وكازاخستان وروسيا وإلي الغرب في أيرلندا والنمسا واليونان هبطت طائرة الرئيس حسني مبارك مرات ومرات في عام واحد‏..‏ دول تم اختيارها بعناية لافتة بحثا عن روافد جديدة تدعم قدراتنا الاقتصادية‏,‏ ودراسة لتجارب رائدة في الخروج من أزمات اقتصادية مزمنة‏,‏ ففي هذه الدول سادت أوضاع مشابهة لما كنا فيه‏,‏ وهي تعايش الآن واقعا نتطلع إلي وجوده في أرضنا‏.‏

لقد تسارعت خطي هذه الدول علي طريق التنمية فحصدت ثمارها‏,‏ وكان الإجماع علي الخروج من الأزمة‏,‏ وبذل الكثير من التضحيات عقيدة لديها وهدفا عمل من أجله الجميع‏.‏ وكانت أيضا في الماضي القريب ترتكز علي اقتصاد مركزي يخضع لسيطرة الدولة‏,‏ وينحي القطاع الخاص جانبا‏,‏ ثم تجاوزت مخاوفها من انسحاب الدولة‏,‏ وتوسيع فرص العمل والإنتاج أمام القطاع الخاص فبدأت انطلاقتها الكبري‏.‏ وخاضت معركة التحول نحو اقتصاد السوق بجسارة‏,‏ ودون تردد فمهدت الطريق لتجارب تنموية رائدة بحق‏.‏

والحقيقة أن زيارات الرئيس لهذه المحطات كانت فرصة لنا لأن نري ونسأل‏,‏ ونعرف كيف جاءت الحلول للمشكلات التي أرهقتنا معيشة وفكرا زمنا ليس بالقليل‏.‏ وهناك شيء واحد يجمع بين هذه التجارب الرائعة‏,‏ هو وضوح الهدف وإرادة التحول‏.‏ وإذا كان الهدف في تجربتنا واضحا فإن إرادة التحول مازالت دون مستوي الإنجاز بسبب المخاوف الكثيرة التي تنتشر دون مبرر بيننا‏.‏ ففي كل هذه الدول التي زارها الرئيس مبارك وجدنا عالما يتحول سريعا إلي اقتصاد ينمو‏,‏ وفرص كثيرة للعمل والاستثمار تتاح صباح كل يوم‏,‏ ومستويات معيشة ترتفع باطراد‏,‏ وثقافة تنفض عن نفسها غبار الزمن وتعيد إنتاج قيمها الأصيلة بشكل يلائم واقعا جديدا ومغايرا ويستوعبه‏.‏

فحينما هبطت طائرة الرئيس علي أرض اليونان كنت أفكر فيما يمكن أن تقدمه اليونان لنا في مصر‏,‏ كما كنت أسيرا لتصورات قديمة عن اليونانيين الذين عاشوا زمنا طويلا في القاهرة والاسكندرية وبعض عواصم المحافظات‏,‏ وروابط التاريخ التي مزجت بين ثقافة البلدين‏.‏ وفكرت في اليونان الدولة القابعة في جنوبي أوروبا والتي نسيها الزمن بزوال مجد أثينا القديمة وفلاسفتها وقادتها العظام‏.‏ غير أن دولة جديدة ولدت علي أنقاض تلك التصورات السالفة‏..‏ دولة غادرت مشكلات الماضي وانقساماته واضطراباته‏.‏ ورغم بقائها في الجنوب الأوروبي إلا أنها لحقت سريعا بمستويات حياة الشمال فهناك أحد عشر مليونا يسكنون أرضها المكونة من آلاف الجزر يتزايدون بمعدل‏0.16%‏ سنويا ويبلغ الناتج المحلي السنوي‏256‏ بليون دولار ومتوسط دخل الفرد‏24.000‏ دولار سنويا بينما يبلغ معدل البطالة‏9.2%.‏ هذه هي اليونان التي مازالت تحتفظ لمصر بمكانة خاصة تمتد إلي سنوات طويلة من التاريخ

وهذه الخلفية التاريخية كانت تنشر ظلالها الدافئة علي زيارة الرئيس الذي فرضت شخصيته تقديرا واحتراما واهتماما بكل شأن مصري‏,‏ تطرقت إليه المفاوضات واللقاءات مع المسئولين الحكوميين ورجال الصناعة والتجارة‏.‏ لكن علاقات التاريخ والقربي لاتصنع وحدها المعجزات في عالم التجارة والاقتصاد‏,‏ وإنما تمهد الطريق أمام مصالح ومنافع لابد أن تكون متبادلة‏.‏ مثلما كان الحال في زيارات الرئيس السابقة التي فتحت أسواقا ومهدت الطرق لكثير من الفرص أمام العمل الجاد المستوفي لشروط المعاملات الدولية‏.‏

ثلاثة أيام من العمل الدءوب قضاها الرئيس في اليونان مع السياسيين والمسئولين الحكوميين ورجال المال والتجارة والاقتصاد والمجتمع المدني اليوناني‏,‏ في مسعي لم يتوقف لتعظيم استفادة الاقتصاد المصري من التطور الذي حدث في اليونان‏.‏ وعكست الأيام الثلاثة دور رجل دولة من طراز رفيع‏,‏ يعرف جيدا قدر بلاده ويستثمر جيدا تأثيراتها في محيطها من أجل دفع قدراتها الاقتصادية وتحسين مستويات معيشة أبنائها‏.‏ وبنت هذه الزيارة جسرا جديدا للتعاون البناء بين ضفتي المتوسط في السياسة والاقتصاد‏.‏ أسامة سرايا

………………………………………………………….‏

ولم يترك الرئيس فرصة يمكن أن تفيد مصر والمصريين في هذه البلاد دون بحث واستثمار‏.‏ وتطرق في محادثاته إلي العمالة المصرية في اليونان حفاظا علي حقوقها‏,‏ وفتح المزيد من فرص العمل أمامها مثلما فعل في إيطاليا من قبل‏.‏ كما عمل من أجل تنظيم هجرة العمالة الشرعية والحيلولة دون نتائج المغامرات غير المحسوبة للشباب المصري الباحث عن العمل في أوروبا‏.‏ وسوف تسفر جهود الرئيس عن توقيع اتفاقية مع دول الجوار للعمالة‏,‏ بما يحفظ حقوقها‏,‏ ويؤمن لها وجودا آمنا ومشروعا في تلك البلاد‏.‏

وهنا تأتي جهود لابد من بذلها حتي يمكن أن نستثمر تلك الفرص المتاحة أمام العمالة المصرية‏.‏ ولابد أيضا من تدريب العمالة المصرية تدريبا يتيح لها فرص عمل حقيقية في سوق متنامية‏,‏ يمكن أن تفتح أبوابا واسعة للرزق أمام الشباب المصري‏.‏ وعلينا أن ندرس بدقة احتياجات هذه الأسواق من العمالة ونوعية المهارات المطلوبة‏.‏ وعلينا أيضا توعية المصريين العاملين والراغبين في العمل في تلك الأسواق بحقوقهم وواجباتهم‏,‏ وفي المقدمة منها احترام قوانين البلاد التي يهاجرون إليها‏.‏ فالعلاقات التاريخية الدافئة لاتبرر انتهاك القوانين أو الخروج علي النظام‏.‏ وليس من حق أي مصري أن يطالب حكومته بحماية الذين يخالفون القوانين‏,‏ وإذا كنا راغبين بحق في الحفاظ علي أسواق العمل مفتوحة أمام المصريين فلابد أن نعاقب الذين يسيئون لمصر وعمالتها في البلاد التي يهاجرون إليها‏,‏ لا أن نطالب الحكومة بحمايتهم أو التستر علي جرائمهم‏.‏

ولقد كان الرئيس مبارك بشخصيته ورؤيته وكلماته قادرا علي التأثير العميق في كل من التقاه‏.‏ فلقد التقي يوم الأربعاء الماضي مع حشد كبير من رجال المال والأعمال‏,‏ وعرض في اعتزاز فرص الاستثمار المتاحة اليوم في مصر بعد سنوات النمو الاقتصادي‏.‏ ودعاهم لوصل الماضي بالحاضر في علاقات المصريين باليونانيين‏.‏ انتزع الرئيس إعجاب الحاضرين حين قال‏:‏ جئت من مصر الأهرام والإغريق والإسكندر الأكبر‏,‏ مقدرا أن بلادكم هي مهد الفلسفة‏,‏ مذكرا الجميع بالدور الحضاري الهائل الذي قامت به اليونان في التاريخ القديم‏,‏ ومنوها بتأثير ذلك في الحضارة المعاصرة‏.‏

وركز الرئيس علي ثمار التلاحم بين الشعبين اليوناني والمصري علي أرض مصر‏,‏ حيث انتشرت المستشفيات والكنائس والمدارس والنوادي‏,‏ شاهدة علي قيم التفاهم والتعايش والصداقة بين الشعبين‏,‏ ولقد قال لي أحد كبار رجال الأعمال اليونانيين‏:‏ إن الرئيس مبارك أحيا في نفسي حنينا قديما لمصر‏,‏ وهو حنين يسكن الكثيرين من اليونانيين‏.‏ وقد توالت علي مسمع من الجميع شهادات رجال المال والأعمال بما تحقق في مصر من تقدم ونمو زاد من ثقتنا بأننا علي الطريق الصحيح‏.‏ وكان الاحتفاء بالرئيس مبارك هائلا علي جميع المستويات في اليونان‏,‏ وهو ما يمهد الطريق أمام عمل جاد‏,‏ يزيد من فرص التعاون مع اقتصاد أوروبي قوي ومتنام‏.‏

ولعلي أشير إلي أن ترتيبات زيارة الرئيس كانت رائعة بكل المعايير ومتكاملة نحو هدف محدد‏,‏ هو بناء علاقات متميزة بتجربة تنموية شديدة التميز أيضا‏.‏

وبينما كانت طائرة الرئيس تغادر مطار أثينا‏,‏ منهية واحدة من الزيارات الناجحة بكل المعايير‏,‏ كانت تلوح في الأفق فرص جديدة واعدة أمام الاقتصاد المصري‏.‏ وهذه المرة في العاصمة البرتغالية لشبونة‏,‏ حيث تبدأ فعاليات القمة الأفرو ـ أوروبية الثانية بعد انعقادها الأول في القاهرة عام‏2001,‏ وتنعقد القمة في البرتغال وكان وزير خارجيتها قد اقترح انعقادها عام‏1996.‏ وتعكس هذه القمة اهتماما أوروبيا بالقارة السمراء

في ضوء المنافسة الشديدة بين القوي الكبري علي موارد إفريقيا بدخول الصين طرفا في المنافسة مع أوروبا والولايات المتحدة‏.‏ وتلقي قضايا قمة القاهرة بظلالها علي القمة الثانية في لشبونة‏,‏ من حيث تخفيف الديون المستحقة علي إفريقيا والتي وصلت بها بعض التقديرات إلي‏350‏ مليار دولار‏,‏ ورفض الأوروبيين إسقاط الديون بصورة جماعية‏,‏ والنظر في كل حالة علي حدة‏,‏ وكذلك قضية زيادة الاستثمارات الأوروبية وربطها بالإصلاحات السياسية‏,‏ واحترام حقوق الإنسان وتحسين الإدارة العامة ومواجهة الفساد‏.‏

………………………………………………………….‏

وهناك أيضا قضية الألغام التي زرعتها القوي الأوروبية في عصر الاستعمار‏,‏ حيث تختزن أراضي ثماني عشرة دولة إفريقية ما يزيد علي‏30‏ مليون لغم‏,‏ يصعب علي إفريقيا إزالتها وحدها‏.‏ وكذلك قضية المنازعات الإفريقية‏,‏ وآلية حفظ السلام في القارة السمراء‏.‏ وبالإضافة إلي هذه القضايا تتبدي أهمية أن يعمل الأفارقة والأوروبيون علي صيغة من التعاون‏,‏ تحقق المنافع للطرفين‏,‏ وتنهي حقبة طويلة من استغلال الموارد الإفريقية وأيضا حالة عدم التكافؤ التي تميز التجارة بين إفريقيا وأوروبا‏.‏

وهذه القمة الأفرو ـ أوروبية تنعقد في أجواء تتسم بالتفاؤل النسبي‏,‏ حيث بلغ النمو الاقتصادي في إفريقيا معدلا غير مسبوق في تاريخها‏,‏ وهو نحو‏5.2%.‏ ويري البعض أن النمو الحاصل في إفريقيا يرجع نسبيا إلي الاستثمارات الصينية الهائلة‏.‏ فهل تحتل المشاركة الصينية ـ الإفريقية أولوية علي ما سواها؟ أم أن هناك احتمالات لأن تستند إفريقيا في نهضتها إلي شراكة صينية وأخري أوروبية وثالثة أمريكية؟‏.‏

أما مصر فتشارك في القمة الثانية بقدرة علي التأثير في دفع التعاون الأوروبي ـ الإفريقي نحو آليات عمل حقيقية‏,‏ تجعل من آمال التعاون واقعا ملموسا‏.‏ فهي ترأس ملف المقتنيات الثقافية التي انتقلت بطرق غير مشروعة من إفريقيا إلي أوروبا‏.‏ كما تتبني المبادرة الخاصة بحقوق الأفارقة المهاجرين‏,‏ وما يتعرضون له من عنصرية واعتداء في الخارج‏.‏ وكذلك كانت مصر هي الداعية للمؤتمر التحضيري الذي انعقد أخيرا في شرم الشيخ‏,‏ بهدف تنسيق المواقف الإفريقية حتي يمكن أن تكون قوة فاعلة ومؤثرة في التفاوض مع الأوروبيين‏,‏ وبقي أن تقف إفريقيا موحدة ومتمسكة بأولويات قضاياها حتي تخرج من تلك القمة بما تستحقه‏.‏
osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى