مقالات الأهرام اليومى

مؤتمر الوطني العام‏..‏ وخريطة التطور السياسي

أكثر ما يواجه الحزب الوطني في مؤتمره العام الذي يبدأ الليلة من تحديات يأتي مما حققه الحزب نفسه من إنجازات علي مستويات التنظيم الداخلي والعمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال السنوات القليلة الماضية‏.‏ فقد أصبحت مؤتمرات الحزب الآن أكثر قدرة علي إثارة الاهتمام العام داخليا وخارجيا‏,‏ نتيجة التطورات الهائلة التي طرأت علي بنيته وأساليب صياغة قراراته وسياساته وقدرته علي بلورة فلسفة واضحة تستند إليها تلك السياسات‏.‏

وقد جاء إعلان الرئيس حسني مبارك عن بدء الخطوات الفعلية لدخول مصر عصر الطاقة النووية قبيل انعقاد ذلك المؤتمر‏.‏ وكان الإعلان عن استخدام تلك الطاقة في توليد الكهرباء في مصر قد حدث في المؤتمر السنوي الرابع للحزب في العام الماضي‏.‏ أي أن عاما واحدا قد انقضي بين الإعلان عن حدث بحجم الاستخدام السلمي للطاقة النووية وبين الشروع في تنفيذه‏.‏

أيضا هذا العام يروي أزمة الحوار السياسي في مصر‏.‏ ولو راجعنا ما كتب وقيل عن المشروع عقب الإعلان عنه قبل عام وحتي قبيل خطاب الرئيس مبارك الأخير وبدء التنفيذ لأدركنا كيف ندير حواراتنا السياسية حول قضايا بخطورة وأهمية مستقبل الطاقة في مصر‏.‏ إذ لم تقف لغة الحوار لدي البعض عند حدود التكذيب والتأويل والتخويف والاستخفاف بل وصلت إلي حد السخرية‏.‏ أسامة سرايا

وبينما كانت لغة الحوار السياسي حول ذلك المشروع تتداعي‏,‏ كانت عقول وخبرات مصرية قد بدأت عملا جادا لوضع المشروع موضع التنفيذ‏.‏ فكانت هناك اتصالات سياسية ودبلوماسية علي جميع المستويات‏,‏ وعلماء مصريون قد انخرطوا في منظومة من البحث العلمي لإنهاء الدراسات اللازمة للمشروع‏,‏ وعددها سبع عشرة دراسة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية‏,‏ تم الانتهاء منها جميعا باستثناء أربع دراسات سوف يتم الانتهاء منها قريبا‏.‏

والحقيقة أن ماتم بشأن مشروع الطاقة النووية في مصر يعطي الحزب الوطني مصداقية دافعة للمزيد من الإنجاز والحركة النشيطة‏,‏ والتجاوز عما يثيره البعض من افتراءات تخفي إفلاسهم ووهن حركتهم وضعف وجودهم السياسي‏.‏ كما أن هذا الإنجاز يبعث الثقة في قدراتنا علي مواجهة مشكلاتنا مهما بلغت تعقيداتها‏.‏ فالإدارة السياسية والتقنية لملف الطاقة النووية خلال عام واحد تكشف عن وجه آخر لمصر‏..‏ وجه ربما لا يراه البعض ممن اعتادوا النيل من كل إنجاز‏,‏ وتثبيط الهمم ونشر اليأس والإحباط‏..‏ وجه تعرض للتشويه كثيرا بأقلام وأصوات مصرية في الصحف والفضائيات من حولنا‏.‏

وينعقد المؤتمر العام للحزب مساء اليوم‏,‏ وله أن يفخر وأن يفرح معا بما أعلن في قاعات مؤتمره السابق قبل نحو عام وتحقق اليوم علي أرض مصر‏.‏ فقد تحولت مصر إلي ورشة عمل حقيقية في كل المجالات‏,‏ واستطاعت لجنة السياسات بالحزب الوطني أن تأخذ الحزب والحكومة نحو تطور حقيقي علي أرض مصر‏,‏ لمتابعة تنفيذ برنامج الرئيس الانتخابي‏,‏ بما أسفر عن معدلات نمو وتطور غير مسبوقة‏.‏ غير أن ذلك يفرض علي الحزب بكل مستوياته مسئولية أكبر حيث تزداد التوقعات في ضوء تجربة العام الماضي‏.‏ وعلي الحزب أن يدفع بهذه التوقعات إلي أرض الواقع فيما يناقشه من قضايا تمس حياة المصريين جميعا‏,‏ بما في ذلك تلك الأحزاب التي مرت علي بعضها سنوات طويلة دون أن ينعقد لها مؤتمر واحد‏,‏ ولو من باب التذكير بوجودها‏.‏ فالمؤتمرات الحزبية ليست احتفاليات تقام‏,‏ ولكنها شرط لازم لتفعيل المشاركة السياسية‏,‏ ونشر قيم الديمقراطية‏,‏ وتفعيل الحوار العام بين جميع أفراد المجتمع حول قضاياه الأساسية‏.‏

وتمثل تجربة الحزب الوطني في تنظيم مؤتمره السنوي منذ عام‏2000‏ حلقة أساسية في حلقات تطوير الحزب نفسه‏.‏ فقد أوجدت تلك المؤتمرات حيوية ملحوظة في الساحة السياسية‏,‏ وأتاحت للحزب فرصا سنوية متجددة لتقويم الأداء‏,‏ واختبار الأدوات والأساليب‏,‏ وتطوير ممارساته الحزبية‏,‏ وتجديد نشاطه‏,‏ واكتشاف كوادره وتأهيلها‏.‏ وكان لكل ذلك تأثير قوي في الحياة السياسية المصرية بصفة عامة‏.‏ ولعل الأحزاب الأخري تستفيد من تلك التجربة‏,‏ وتدخر جزءا من جهدها ـ الذي بددته في الخلافات والصراعات والانتقادات وتبادل الاتهامات ـ لشيء من هذه المؤتمرات التي تتيح المجال للحوار بين المستويات الحزبية المختلفة‏,‏ من القاعدة وحتي القمة‏,‏ لبلورة سياسات والنظر في القضايا الحزبية والسياسات العامة‏.‏

ولم يعد هناك خلاف علي أن الاهتمام الشعبي بالمؤتمرات العامة والسنوية التي يعقدها الحزب الوطني يتزايد عاما بعد آخر‏.‏ فلقد أصبح كل مؤتمر مناسبة سنوية لحوار جاد وفعال حول تطوير المجتمع وبلورة السياسات التي سوف تتبناها الحكومة لاحقا وتحديد الاتجاه العام للتشريعات الجديدة التي تحكم السياسات الاقتصادية والاجتماعية‏.‏ وأؤكد أن تزايد الاهتمام الشعبي بما يجري في مؤتمرات الحزب يفرض عليه المزيد من الأعباء ويضاعف التحديات التي يواجهها في مساعيه من أجل تطوير المجتمع‏,‏ وتوسيع المشاركة السياسية‏.‏

وتكشف القضايا المطروحة هذا العام علي المؤتمر عن آلية فرز واختيار تقترب بالحزب ومؤتمره من اهتمامات القطاعات المختلفة في المجتمع‏,‏ وهو ما يكفل اهتماما جماهيريا بما يدور فيه وما سوف ينتهي إليه‏.‏

ويقتحم صوت الفلاح المصري وقضايا الزراعة هذا العام أروقة المؤتمر‏,‏ وتفرض اهتماما خاصا بما يمكن أن يسهم به هذا القطاع في النمو الاقتصادي‏.‏ ولاشك في أن طرح هذه القضايا علي أجندة المؤتمر كفيل بفتح آفاق واسعة من الحوار حول الأوضاع الزراعية بوجه عام والمشكلات الطارئة‏,‏ مثل كساد محصول القطن هذا العام بوجه خاص‏.‏ ومن المتوقع أن تحظي الزراعة باهتمام كبير‏,‏ حيث تراكمت كثير من مشكلاتها في ظل ضعف الاهتمام السابق بها‏.‏ وقد أحسن الحزب الوطني حينما أولي العاملين في قطاع الزراعة اهتماما بمد مظلة التأمين إليهم‏,‏ حيث إنهم الفئة الوحيدة في المجتمع التي لم تكن تتمتع بالرعاية الاجتماعية‏.‏

…………………………………………………………….‏
وبالرغم من أن رعاية العاملين في ذلك القطاع تعبير عن العدالة الاجتماعية المنظورة بقوة في مؤتمر الحزب‏,‏ فإنها تمثل أيضا قضية اقتصادية بالغة الأهمية‏,‏ لأنها تتعلق بمستقبل الزراعة التي قل الإقبال عليها‏,‏ وزاد الهروب من ممارستها بالهجرة إلي المدن‏,‏ وما يترتب علي ذلك من ازدياد التهميش الاجتماعي‏,‏ وامتداد العشوائيات في المدن المصرية وانتشار البطالة‏.‏ فمنذ نحو نصف قرن كانت نسبة العاملين في قطاع الزراعة تمثل‏50%‏ من القوة العاملة في مصر‏.‏ وقد انخفضت هذه النسبة إلي نحو‏25%‏ الآن‏.‏ وهي لاتمثل مشكلة الآن‏,‏ حيث اجتذب التوسع في الصناعة والخدمات نسبة كبيرة من القوة العاملة‏,‏ لكن استمرار الانخفاض يهدد بوجود عجز في توفير العمالة الزراعية في المستقبل‏.‏ ولذلك يعد التأمين علي العمالة الزراعية خطوة مهمة وأساسية نحو إنقاذ قطاع الزراعة‏,‏ واستعادة دوره الحيوي في الاقتصاد المصري‏,‏ وكذلك إنقاذ المدن من الترييف المستمر الناتج عن الهجرة من الريف بسبب ضعف أوضاع الزراعة‏.‏

وعلي صعيد قطاع الصناعة فإن الأحداث العمالية الأخيرة تلفت الأنظار بشدة إلي أهمية تطوير الصناعات التقليدية التي ارتبط بعضها بتطور المجتمع المصري الحديث‏,‏ حماية لعمالتها ورفعا لمستواها الاقتصادي والمهني معا‏.‏ حيث كان لها دور بارز في تحديث المجتمع منذ أوائل القرن الماضي مثل صناعة الغزل والنسيج‏.‏ التي أدخلت عليها أفكار جديدة غير تقليدية بهدف الحفاظ عليها وتطويرها جنبا إلي جنب مع الصناعات الجديدة في الخدمات والاتصالات والمعلوماتية‏.‏ وفي هذا الصدد يستطيع الحزب الوطني أن يبلور رؤية محددة بشأن التكامل بين الصناعات التقليدية التي تنتمي لعصر الثورة الصناعية الثانية‏,‏ وبين الصناعات الحديثة التي تنتمي لعصر الثورة الصناعية الثالثة دون تعارض بينهما‏.‏

…………………………………………………………….‏
وقد أثبت الحزب الوطني خلال السنوات القليلة الماضية قدرة عالية ليس فقط في مجال وضع السياسات‏,‏ وإنما أيضا في بلورة الفلسفة التي تقف وراء تلك السياسات‏,‏ وهو مطالب اليوم بالعمل علي وضع فلسفة التطور المتوازي الذي يستكمل متطلبات الثورة الصناعية الثانية‏,‏ ويقتحم في الوقت ذاته عالم الثورة الصناعية الثالثة‏,‏ خاصة أن هناك اعترافا عالميا بتحسن مناخ الاستثمار في مصر التي اعتبرها التقرير الصادر عن البنك الدولي ـ قبل أسابيع قليلة ـ أكثر دولة حققت إصلاحات في مجال تيسير الأعمال‏,‏ بعد أن كانت في العام الماضي واحدة من بين عشر دول تقوم بهذه الإصلاحات‏.‏

وإذا كان الحزب الوطني يعطي اهتماما خاصا في مؤتمره هذا العام لقضية العدالة الاجتماعية سعيا وراء تفعيل سياسات مواجهة الفقر وتحسين مستويات الحياة‏,‏ فإن ذلك لاينفصل عن جهده الدؤوب في مجال التنمية وزيادة معدلات النمو‏.‏ فالنمو الاقتصادي يرتكز علي رأس المال البشري أي البشر المؤهلين والمدربين‏,‏ وتعد السياسات الاجتماعية عنصرا من عناصر تكوين رأس المال البشري‏,‏ ولابد أن ننتبه إلي أن العدالة الاجتماعية الأكثر فاعلية والأعظم تأثيرا هي التي تتحقق عبر سياسات توفر الظروف الملائمة لتمكين الفقراء والضعفاء من أن يرعوا أنفسهم‏,‏ ويعملوا علي تحسين مستويات معيشتهم‏.‏

فالرعاية الاجتماعية المباشرة تتقلص الآن في العالم كله‏,‏ وتظل ضرورية في مساحات اجتماعية معينة‏.‏ ولذلك فإن مساعي العالم نحو مواجهة الفقر تتجه نحو تشجيع الاستثمار وتوفير الظروف المحفزة له‏,‏ وتدعيم التنافس بحيث تكون سياسات الرعاية الاجتماعية المباشرة مكملة للحراك الاجتماعي الناتج عن التنمية‏,‏ وليست بديلا عن هذا الحراك الذي يعد العامل الأساسي في تحقيق العدالة‏.‏

وهناك الكثير من القضايا الحيوية التي تتسع لها حوارات المؤتمر العام للحزب هذا العام‏,‏ ولكن القضية الحاكمة الآن هي أن يصل الحزب إلي سياسات واضحة ومحددة تضيف إلي رصيده المزيد من الإنجازات‏,‏ وعلي الحكومة أن تستكمل نجاحات الحزب من خلال برامج تنفيذية عملية تترجم علي أرض الواقع ما ينتهي إليه‏.‏ وعلي الحزب والحكومة معا أن يدركا أن المجتمع المصري بكل فئاته ينتظر الكثير في المرحلة المقبلة‏.‏

فالبعد الاجتماعي الذي هو قضية مصيرية لتحقيق العدالة سيأخذ مكانه الصحيح في سلم أولويات السياسة المصرية‏,‏ ولا تغيب قضية التطور والنمو عن الحزب أو الحكومة‏.‏ وأمامنا نموذج وضع مصر علي خريطة الدول المتقدمة‏,‏ بدخولها عصر التكنولوجيا المتقدمة‏,‏ وبتأمين مستقبلها بالطاقة الجديدة حتي نحافظ علي تقدمنا في كل المجالات‏,‏ ونؤمن حاضر مصر ومستقبلها‏.‏

وتدعونا تلك النماذج العملية إلي الدعوة لإحداث تغيير كامل في لغة الخطاب السياسي في مصر‏,‏ حتي نقضي علي كل محاولات زرع الاحتقان والمخاوف لدي المصريين بلا مبرر‏.‏ فنحن نعمل بجدية ونحقق معدلات متطورة من النمو‏,‏ ولدينا برامج صحيحة للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي‏,‏ بما فيها الديمقراطية وبناء مؤسساتها الفاعلة‏,‏ وإتاحة الفرص أمام جميع المصريين للحركة والتطور والنمو‏.‏

ويعلمنا التاريخ أن الشعب لا يتسامح مع من يريد أن يوقف عملية التطور بزرع الاحتقان أو المخاوف بين أبنائه‏.‏

ولننظر جميعا حولنا في كل مكان‏.‏ وندعو جميعا المتخوفين والمترددين إلي المشاركة‏.‏ ولندرك بواقعية الأساليب الحديثة لتغيير المجتمعات‏,‏ وهي المشاركة بإيجابية وبروح عالية وبثقة في قدرة وحيوية المجتمع المصري علي التغيير والنجاح‏,‏ وتدعونا النماذج الماثلة أمامنا إلي هذه الثقة‏.‏ ولكننا نحتاج إلي أن نهزم التردد والمخاوف القديمة التي تطاردنا‏,‏ وإلي أن نضع كل من يحاول أن يقف أمام تطورنا ونمونا في مكانه الصحيح‏,‏ فالذين ينتهجون هذا النهج قلة لا تأثير لها‏.‏

وكانوا يظهرون دائما في كل مراحل تاريخنا‏..‏ خاصة في مرحلة التطور‏.‏ وكانت دائما حركة المجتمع وعزيمة المصريين قادرة علي عزلهم ومواصلة التطور والنمو‏.‏

ونحن علي ثقة بقدرة المصريين شعبا وحكومة وأحزابا علي العمل الجاد والتطور والنمو وتلبية طموحاتنا الراهنة والمستقبلية‏.‏
osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى