مقالات الأهرام اليومى

المؤتمر التاسع للحزب الوطني الآمال والتوقعات

ينبغي أن يحظي المؤتمر التاسع للحزب الوطني‏,‏ الذي يبدأ أعماله يوم الجمعة المقبل‏,‏ باهتمام المصريين جميعا‏,‏ ويجب أن ينتهي إلي نتائج في مستوي ذلك الاهتمام‏.‏ وأن تعكس مناقشاته وحواراته قدرة الحزب علي الانتقال بالأداء السياسي المصري خطوات إلي الأمام وذلك في ضوء ما حققه من إنجازات في السنوات القليلة الماضية‏.‏ والحقيقة أن الاهتمام الحالي بحركة الحزب الوطني علي مسرح الحياة السياسية لا يأتي فقط من الأغلبية الهائلة التي ظل الحزب يحققها في كل الانتخابات التي خاضها‏,‏ وهي أغلبية مكنته من أن يصبح القوة السياسية الفاعلة وربما الوحيدة فقط‏,‏ وإنما يتأتي هذا الاهتمام أيضا مما يدور داخل الحزب من تغيرات كثيرة طرأت علي هياكله التنظيمية وأساليب صياغة سياساته وصنع قراراته وخطابه السياسي‏,‏ وكذلك قدرة الحزب وحكومته علي إحداث الكثير من التغييرات الهائلة في الحياة السياسية والاقتصادية المصرية خلال السنوات الأخيرة‏,‏ والتي بدأنا نجني ثمارها في تطورنا الديمقراطي‏,‏ وبرامج الإصلاح الاقتصادي‏,‏ وبلورة حزمة من السياسات لمواجهة كثير من المشكلات المعقدة في التعليم والصحة وغيرهما‏.‏ وأخيرا فإنه في الوقت الذي جدد الحزب الوطني فيه قدراته وطاقاته‏,‏ واقترب أكثر من اهتمامات المصريين‏,‏ واقتحم كثيرا من المشكلات المسكوت عنها من قبل بحلول جريئة وعملية‏,‏ كانت الأحزاب الأخري تزداد تراجعا وضعفا وانقساما وتوزيعا للاتهامات يمينا ويسارا‏.‏ ولذلك تظل حركة الحزب الوطني هي القوة الرئيسية بل الوحيدة القادرة ـ في واقعنا الراهن ـ علي تحديد ملامح حركة المجتمع المصري وإنجازاته في المستقبل‏.‏

ويأتي انعقاد المؤتمر التاسع للحزب بعد تجربة غير مسبوقة من انتخابات شملت كل مستويات الحزب‏,‏ واستغرقت ثلاثة أشهر دفعت في نهايتها إلي ساحة العمل السياسي كوادر جديدة تحمل رؤي وفكرا أكثر قدرة علي الاستجابة لمعطيات واقع سياسي متغير‏,‏ ليظل الحزب الوطني معبرا عن الأغلبية التي تنحاز لمصالح الوطن‏.‏

وإذا كان انتخاب رئيس الحزب مدرجا علي جدول أعمال المؤتمر فإنه يؤكد ثابتا من ثوابت الحزب في استكمال بنائه من قاعدته إلي قمته بأسلوب ديمقراطي لترسيخ آليات العمل السياسي الصحيح‏.‏ فانتخاب الرئيس حسني مبارك رئيسا للحزب الوطني من الأمور المسلم بها لاعتبارات كثيرة يعرفها المصريون جميعا‏,‏ فلقد أجمعوا علي انتخابه في أول انتخابات رئاسية تجري في تاريخ مصر‏.‏ غير أن انتخاب الرئيس هذه المرة هو شأن خاص بأعضاء الحزب الوطني وحدهم‏.‏ وهم بكل التأكيد يستشعرون أهمية الاختيار‏,‏ لأنهم لايختارون للحزب وحده وإنما يختارون لمصر كلها من يقود الحزب الذي ترتبط به حياتنا السياسية والاقتصادية‏.‏ ولقد أثبتت الأيام أن الرئيس مبارك قيادة تركت بصماتها علي وجه مصر المعاصرة في ظروف تاريخية معقدة وصعبة واستطاع أن يجتاز بها أزمات عاصفة‏.‏ ومازالت إنجازاته تتوالي‏,‏ ومازالت رؤاه تحمل الحلول لكثير من المشكلات المعقدة علي الصعيدين المحلي والإقليمي‏.‏

وينعقد المؤتمر التاسع للحزب بعد خمس سنوات من وجود أمانة السياسات التي كلفت بمهام دراسة وإعداد مشروعات ووثائق السياسات العامة له‏.‏ وخلال تلك السنوات الخمس تطورت منهجيته في صياغة سياساته التي انعكست في برامج حكومية أكثر فاعلية في التعامل مع القضايا المختلفة‏.‏ واعتمدت آليته الجديدة علي توسيع المشاركة بالمناقشة والرأي في كل المراحل ودعيت إلي منتدياتها ونقاشاتها منظمات المجتمع المدني‏.‏ ووفق هذه الآلية يناقش المؤتمر التاسع للحزب العديد من السياسات العامة الجديدة الخاصة بالقضايا التي يري الحزب أهميتها في الوقت الراهن‏.‏ وهي أربع قضايا تشمل‏:‏ التشغيل والاستثمار‏,‏ والخدمات والعدالة الاجتماعية‏,‏ والأمن القومي‏,‏ وأخيرا المواطنة والديمقراطية‏.‏ وتحت مسميات هذه القضايا الكبري تندرج عشرات من القضايا الفرعية التي تمس اهتمامات كل القطاعات والفئات في المجتمع‏.‏

وتتصدر قضايا التشغيل والاستثمار قائمة اهتمامات المؤتمر‏.‏ ويؤكد الربط بين التشغيل والاستثمار في منظومة واحدة حقيقة الرؤية الجديدة التي تبناها الحزب‏,‏ فليس هناك تشغيل بدون استثمار‏,‏ ولايمكن أن تنمو الاستثمارات دون كوادر بشرية مؤهلة للعمل بمواصفات ومقاييس الإنتاج في سوق شديدة التنافسية‏.‏ ولم يعد مفهوم التشغيل يعني إتاحة فرصة عمل يحصل منها صاحبها علي راتب شهري‏,‏ فالرؤية المطروحة الآن هي أن تكون فرصة العمل المتاحة فرصة إنتاجية حقيقية توفر ربحية للأموال المستثمرة‏,‏ وتوفر الدخل المناسب للقوي العاملة‏..‏ وهذه الرؤية الجديدة تحتاج إلي وعي عام يدفع الشباب نحو تطوير مهاراتهم والتخلي عن الأفكار القديمة وتحتاج أيضا إلي بنية مؤسسية تساعد علي تنمية المهارات اللازمة للمشروعات الاستثمارية الجديدة‏.‏ ولم يعد غائبا عنا ما نعانيه في قضية البطالة‏,‏ فهناك فائض هائل من الخريجين وندرة هائلة أيضا في الكوادر المؤهلة القادرة علي العمل بمعايير السوق الراهنة حتي إن بعض أصحاب المشروعات الصناعية يشكون الآن من نقص كبير في العمالة المدربة اللازمة‏.‏ أسامة سرايا

كما تتضمن قضية الاستثمار المطروحة مجموعة من السياسات التي تتعلق بتطوير البنية الأساسية والصناعية لصعيد مصر‏,‏ وتشجيع الاستثمارات في هذه المنطقة التي عانت الإهمال طويلا‏.‏ ولعل المؤتمر ينتهي إلي سياسات واضحة وفعالة بشأن تنمية الصعيد‏,‏ خاصة أن الرئيس مبارك قد أشار إلي ذلك مرات عديدة‏.‏ وهناك بدايات فعلية لعدد من المشروعات الاستثمارية في بعض مناطق الصعيد‏,‏ ولكن الأمر يحتاج إلي حزمة متكاملة من السياسات يمكن أن تغير وجه الحياة هناك‏.‏ وربما كان وضع تلك القضية علي قائمة أولويات قضايا المؤتمر يفتح باب الأمل أمام تنمية حقيقية في جنوب الوادي‏.‏

ويضيف المؤتمر إلي قائمة اهتماماته بصعيد مصر فئة أخري ومجالا آخر يجب الاهتمام به‏,‏ حيث يناقش أوضاع الفلاح والتنمية الزراعية‏.‏ إذ إن الفلاح المصري بحاجة إلي تحسين مستوياته المعيشية ومازال قطاع الزراعة بحاجة إلي الاهتمام وقد أثبتت الأيام أن الزراعة ليست كما رددنا طويلا رمزا لعصور التخلف‏,‏ فلقد أصبحت اليوم محورا استراتيجيا في حياة الشعوب‏,‏ وعلي الرغم مما حققناه من إنجازات في هذا القطاع خلال العقدين الماضيين‏,‏ فإنه مازال يختزن قدرات هائلة علي تنمية قدراتنا الاقتصادية‏,‏ غير أن تطوير هذا القطاع مرهون بالاهتمام بالفلاح المصري‏,‏ وتغيير نمط حياته وتحديث وسائل زراعته وأساليب التعامل معه وتطوير أنظمة الري والتوسع في برامج الإصلاح والاستزراع‏.‏ وإذا كان الفلاح يسعده اليوم أن يري قضاياه مطروحة علي المؤتمر التاسع للحزب بما يعكس الاهتمام به وبتحسين أوضاعه‏,‏ فإن سعادته سوف تزداد أكثر حين ينتهي الحزب إلي سياسات وبرامج تحقق نقلة نوعية في حياته مهنيا واجتماعيا‏,‏ خاصة أن كثيرين ممن يشاركون في هذا المؤتمر قد دفع بهم الفلاحون إلي أن يصبحوا من ذوي الياقات البيضاء‏.‏

وتمثل قضية الخدمات والعدالة الاجتماعية أكثر القضايا أهمية علي مستوي الرأي العام‏.‏ فتحسين مستوي المعيشة والارتقاء بمستوي الخدمات يظل المطلب الأول لجموع المصريين ويمثل التحدي الأكبر للحزب وحكومته‏.‏ والحقيقة أن تجربة التحول الاقتصادي في مصر حتي الآن هي الأكثر اهتماما بالأبعاد الاجتماعية لهذا التحول‏,‏ وهو ما تعبر عنه الزيادات الكبيرة في الاستثمارات الموجهة لتخفيف الأعباء الاجتماعية في مجال التعليم والصحة ومياه الشرب والصرف الصحي ودعم الغذاء والإسكان الاقتصادي وتطوير العشوائيات وتوسيع مظلة التأمينات الاجتماعية وزيادة رواتب العاملين في الدولة‏.‏ غير أن المشكلة لم تنته بعد وهي بحاجة إلي حلول واقعية‏,‏ جريئة وطموح‏.‏ فالزيادة السكانية المستمرة تلتهم كل إنجاز في هذا المجال‏,‏ كما أننا مازلنا غير قادرين علي الوصول بالدعم والخدمات إلي مستحقيها الحقيقيين وهو ما يزيد الأعباء علي الاقتصاد ويضاعف من معاناة غير القادرين‏.‏

إننا نحتاج إلي وقفة حقيقية وواقعية مع التعليم والصحة وغيرها من الخدمات يتحمل فيها القادرون مسئولية ما يقدم لهم من خدمات‏,‏ حتي يتمكن غير القادرين من الحصول علي نصيبهم العادل من الخدمات‏.‏ وفي هذا المجال لاسبيل أمامنا سوي الاهتمام باللامركزية في الخدمات العامة وتحديد خصائص الفقراء الذين يستحقون الدعم والخدمات من الدولة‏.‏ ولعل الحزب فيما يناقشه من أبعاد المشكلة السكانية يتعرض لعودة معدلات الزيادة السكانية للارتفاع بعد أن كانت قد حققت تراجعا نسبيا‏.‏ فالمشكلة السكانية واحدة من مشكلاتنا الكبري التي تهدد كل إنجاز نحققه وسوف تترك آثارها علي كل جوانب حياتنا في المستقبل‏.‏

وفي هذا الإطار علينا أن ندرك أن العنوان الرئيسي لمؤتمر الحزب التاسع سيكون كيفية تحقيق العدالة الاجتماعية‏..‏ إدراكا لأهمية أن يستفيد كل مواطن مصري بما يحدث في بلاده من تطور ونمو‏.‏

وبالرغم من أن الإصلاح الاقتصادي الذي تحقق حتي الآن يشكل علامة بارزة فإنه ليس كافيا‏,‏ ولابد من أن يتناسب هذا الاصلاح فيما يتعلق بمستوي المعيشة مع العصر الذي نعيشه‏,‏ وهناك رؤية جديدة وفلسفة محددة سيطرحها المؤتمر للدعم الذي يجب أن يقتصر علي الفئات التي تحتاجه سواء في التعليم الذي سوف تستمر نظرية إتاحته للجميع مع التفكير في سياسات جديدة لتمويله‏,‏ أو في الصحة عن طريق تطبيق سياسة التأمين الصحي الشامل للمصريين‏,‏ وستركز سياسة الحزب علي تأهيل المواطنين غير القادرين علي العمل‏,‏ في المناطق المهمشة أو ما يطلق عليه الاستهداف الجغرافي كما يحدث حاليا في متابعة مايجري في الصعيد والقري الفقيرة‏.‏

أما البعد السياسي‏,‏ فلا يغيب عن المؤتمر التاسع التركيز علي المواطنة والديمقراطية في جانب جديد يغير فلسفة الحكم في مصر‏,‏ بالبدء في صياغة تطوير المحليات وزيادة قدرتها علي المشاركة السياسية في حل مشكلات المواطنين ليس عبر الآليات التنفيذية فقط أو تطوير قانون الإدارة المحلية‏,‏ ولكن بالاهتمام بالمجالس الشعبية المحلية وتفعيل دورها كبرلمان للمحافظات والأقاليم المختلفة‏..‏ روح جديدة للمحليات‏..‏ تزيد رقعة المشاركة السياسية‏,‏ بحيث يتفرغ مجلس الشعب لدوره السياسي للوطن كله‏.‏ وليس لمتابعة إنشاء طريق أو مدرسة في محافظة ما‏.‏

أما فيما يتعلق بالنقطة الأخيرة الخاصة بالأمن القومي فنجد أنه في المنطقة المحيطة بنا تظهر أخطار كثيرة تهدد أمننا واستقرارنا‏,‏ فالقضية الفلسطينية مازالت تعاني تراجعا من بعض أبنائها ومن غيرهم‏,‏ وتفرض الأزمة المزدوجة في السودان من دارفور إلي مشكلات الجنوب اهتماما خاصا بالشأن السوداني‏

‏ كما أن التفكك في العراق والملف النووي الإيراني يهددان أمن المنطقة‏..‏ وكل هذه المشكلات تنطوي علي تهديد للأمن القومي المصري بما يفرض اليقظة والاهتمام فلسنا بعيدين عن مرمي نيران تلك الأزمات‏.‏ ولذلك فإن من بين ما يناقشه المؤتمر موضوع الأمن القومي‏..‏ مسألة المصالح المصرية في منطقة حوض النيل وهو اتجاه إيجابي حيث يبحث الحزب صيانة هذه المصالح في ظل تطورات تشير إلي مخاوف تعرض مصالحنا للخطر في هذه المنطقة الحيوية‏,‏ وكذلك سوف يناقش المؤتمر قضية أراها بالغة الأهمية‏,‏ وهي دعم دور مصر الثقافي باعتباره أحد عناصر قوتها الشاملة‏.‏ فقد غابت تلك القضية طويلا برغم أهميتها‏,‏ وآمل أن ينتهي المؤتمر إلي سياسات فعالة تعيد وجه مصر الثقافي في المنطقة‏,‏ فالحقيقة أن غيابه مهد التربة كثيرا أمام أفكار التطرف والإرهاب وأضر بمصر كما اضر بمحيطها الإقليمي‏,‏ فالثقافة المصرية قادرة علي مواجهة التشدد والتطرف المؤدي إلي الإرهاب والتعبير عن مزاج وسطي معتدل يجمع بين هوية متجذرة وقدرة علي مواكبة التطورات المعاصرة‏.‏

وعلي صعيد تطوير آليات الحزب الداخلية فإن أمامه فرصة لتقييم تجربة السنوات الخمس الماضية‏,‏ والتي كانت بلا شك فرصة لبناء مؤسسي صحي بغض النظر عن الأشخاص‏.‏ فلكل فرد دور واضح داخل المؤسسة التي تضع كل الاعتبارات للانتماء اليها وليس للمصلحة الشخصية أو للمكاسب الضيقة‏.‏ وبغض النظر عن الخلافات أو صناعة التوترات الداخلية‏,‏ فإن التجربة نجحت‏,‏ وعلينا أن ندرك أننا في حاجة الي حزب قوي للوطن تكون ذخيرته في العملية السياسية‏,‏ كما يكون نموذجا في أدائه للاحزاب الأخري التي مازالت تتخبط في إدارتها وعملها وتغلب عليها الخلافات الشخصية والانقسامات الحادة‏.‏

كما أن الحزب يحتاج إلي أن يبعث برسالة لمجتمعه تؤكد قدرته علي محاسبة حكومته ومراجعتها‏,‏ وذلك بتقديم كشف حساب بما تم إنجازه خلال عامين ونصف عام من برنامج الرئيس الانتخابي‏,‏ وأن تقدم الحكومة دليل قدرتها علي العمل في ظروف صعبة وشاقة لتنفيذ البرنامج الانتخابي‏,‏ حتي يكون واضحا أنه لاتسامح مع الحكومة أو غيرها في تنفيذ متطلبات وخطط التغيير والإصلاح في مصر‏.‏

إن كثيرا من الآمال تنعقد علي ماسوف ينتهي اليه المؤتمر التاسع للحزب الوطني بشأن تلك القضايا الحيوية التي تحدد الخطوط العريضة لمستقبل الحياة السياسية في مصر‏.‏ وأحسب أن الحزب‏,‏ بكوادره وبنائه الجديد‏,‏ قادر علي أن يفي بالكثير من هذه الآمال‏.‏

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى