مقالات الأهرام اليومى

الإرادة الوطنية والدولية في صراعات الشرق الأوسط

كتبت الاسبوع الماضي محذرا من شبح التقسيم الذي يزحف علي بعض بلاد العرب‏,‏ استنادا إلي مؤشرات جرت بها تداعيات الأحداث‏,‏ وتحليلات دوائر سياسية في كبريات العواصم الغربية‏.‏ وطالبت بتحرك عربي حقيقي لمواجهة تلك المحاولات التي أراها وغيري تنذر بكارثة لاتقل خطورة عن الكوارث الكبري في التاريخ العربي الحديث‏.‏ وحول ما يتعلق بالسودان طالبت بتحرك مصري لاحتواء الأزمة الناشئة في الدولة الشقيقة‏.‏ وإذا كان التحرك المصري فيما يخص الشأن السوداني لم يتوقف‏,‏ فإنه قد نشط بشكل ملحوظ أخيرا‏,‏ مبرهنا علي أننا قادرون علي تجاوز أزمات اللحظة الراهنة وإجهاض مخططات المستقبل التي تحمل كثيرا من الأخطار‏.‏

لقد بادر الرئيس حسني مبارك في مواجهة تداعيات الأزمة في السودان بإيفاد وزير الخارجية أحمد أبو الغيط والوزير عمر سليمان إلي قادة السودان في الشمال والجنوب‏,‏ حاملين رسائل لاحتواء الخلاف بين شريكي الحكم‏,‏ وهما المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان‏.‏ وتشير الأحداث إلي أن هناك رغبة حقيقية في احتواء الأزمة الناشئة‏.‏ وقد عبرت قرارات الرئيس السوداني الأخيرة عن رؤية عميقة لما يراد بالسودان حين استجاب لبعض مطالب الحركة الشعبية‏.‏ غير أن ما حدث يعني بداية الانفراج ولايعني نهاية الأزمة‏,‏ إذ أن أجواء التوتر مازالت سائدة‏,‏ والمشاعر متأججة‏,‏ مما يشير إلي أهمية استمرار جهود المصالحة وتنقية الأجواء ودعم جسور التفاهم بين الأطراف المعنية لمنع انفجار الموقف مرة أخري‏.‏

وتشير بوادر انفراج الأزمة الراهنة في السودان إلي حقيقة أن الإرادة الوطنية والإقليمية يمكنها إحباط الكثير من المخططات الخارجية التي تكتسب قوتها وقدرتها علي التنفيذ عندما تغيب هذه الإرادة‏,‏ أو يصيبها الضعف‏.‏ فقد أثبتت الأحداث كثيرا أن المستقبل الوطني والإقليمي مرهون بالإرادة السائدة محليا وإقليميا‏,‏ إذ ليست خطط الدول الكبري قدرا محتوما يوجب الاستكانة لها والقبول بها‏.‏ فالأخطاء الكبري في السياسة العالمية تأتي من ضعف الإرادة الوطنية والإقليمية‏,‏ و تشتتها أو غيابها‏,‏ ونحن نتحدث كثيرا عن أخطاء السياسة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في العراق وأفغانستان وفلسطين والصومال وغيرها ولكن تأثير هذه الاخطاء علي المنطقة كان مرتبطا دائما بفاعلية الإرادة السياسية المحلية‏,‏ وقدرتها علي التدخل والاختيار بين بدائل متعددة‏.‏

وفي إطار التحرك نفسه لصنع إرادة وطنية وإقليمية صحيحة استمر التحرك المصري الجاد لإنقاذ مؤتمر الخريف من أجل السلام بين العرب والإسرائيليين‏,‏ وتهيئة الموقف الفلسطيني‏,‏ وتوحيد فصائله باستمرار‏,‏ وشرح التطورات وكيفية إنقاذ هذا المؤتمر‏.‏ وكانت وقائع جلسات مباحثات وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في المنطقة أخيرا شاهدا علي قدرة مصر علي التأثير في الموقف الأمريكي والمواجهة الصريحة والحاسمة لإنقاذ المؤتمر بتقديم الاقتراحات الجادة‏,‏ وأنه في حالة عدم الإعداد الجيد له فالأفضل للمنطقة أن يؤجل أو حتي يلغي‏,‏ لأن الفشل سيكون مقدمة لانهيار كامل لعرض السلام وسيكون البديل هو الفوضي والاضطراب‏,‏ وأن مصر رحبت في البداية بالمؤتمر باعتباره نافذة لتحرك مهم يتم من خلاله تتويج الحوارات والجهود الدائرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بوثيقة تحدد المعالم الأساسية لشكل الحل النهائي بين الجانبين في موضوعات الحدود والقدس واللاجئين والترتيبات الأمنية‏.‏  أسامة سرايا

ولاشك أن تأمين المؤتمر يعني إعداد هذه الوثيقة قبل الذهاب إليه‏,‏ وإلا فإن الفشل سوف يعني أن كل الاحتمالات أصبحت مفتوحة‏,‏ خاصة بعد أن هدد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالاستقالة مؤكدا أن تهديده جدي بالفعل‏.‏ وما نعنيه هو أنه في حالة غياب أفق سياسي واقعي ومرئي ممكن لإقامة وتجسيد الدولة الفلسطينية فإن ذلك يعني انهيار كل ما عملنا من أجله منذ أوسلو وحتي الآن‏.‏ ويجب أن نعد لمرحلة جديدة في التاريخ الفلسطيني والعربي في الصراع‏,‏ قد تدفعنا معالمها غير المعروفة إلي الفوضي الكاملة‏,‏ أو نكون أمام تفكير جديد قد يعني التدويل الكامل للمسألة الفلسطينية‏.‏ ودعوة المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلي أن تتحمل مسئولياتها في هذه المنطقة الحساسة من العالم‏,‏ خاصة أن الفشل الأمريكي يتكرر ونحن أمام مرحلة مختلفة في النظام العالمي‏..‏ فقد تعني الهزيمة الأمريكية في العراق بداية انحسار دورها الدولي والإقليمي‏,‏ وتصبح نظرية ملء الفراع ضرورية من النظام الدولي في منطقة مهمة كالشرق الأوسط‏.‏ وهذا ما نبهنا الولايات المتحدة إليه‏,‏ ومازلنا ننبهها لكن يبدو أن الأمريكيين لا يدركون أن الهزيمة وتطورات حرب الإرهاب وأحداث العراق قد أصابتهم بالتبلد و
الضعف‏,‏ وعدم إدراك الحقائق علي الأرض‏.‏

…………………………………………………………..‏
ويجب أن أشير بكثير من التفهم إلي الرؤية المصرية الدقيقة للأخطاء الأمريكية والإشادة بقدرة مصر علي مواجهة هذه الأخطاء بصراحة نادرة داخل غرف المباحثات‏,‏ وحتي علانية أمام الرأي العام‏,‏ وهو ما يجعل للموقف المصري تميزا ومصداقية نادرة‏,‏ حتي عندما تحاول أمريكا أن تستخدم بعض أوراق اللعب السياسي الداخلي التي يخلقها بعض المغامرين السياسيين‏,‏ مستغلين الأوضاع الداخلية والإقليمية والعالمية في غير وجهتها الصحيحة‏.‏ وهذا شأن المغامرين في كل عصر‏,‏ وتواجههم مصر داخليا بسيادة القانون وبنظامها الفعال ورؤيتها الدقيقة للإصلاح السياسي‏

وتمنع خلط الأوراق بمهارة دقيقة‏,‏ وسوف يحسب للقيادة السياسية تاريخيا أنها تحمي مجتمعها من الداخل‏,‏ وتعبر عن إقليمها بوضوح وقوة تحسد عليها‏,‏ لأنه ربما لايوجد نظير للموقف المصري في تعامله مع القوة الكبري في نفس ظروفنا وأوضاعنا‏,‏ في عالمنا الراهن بما جعل مصر تستطيع بكفاءة واقتدار سياستها‏,‏ وضع الآثار السلبية للسياسة الأمريكية بالنسبة لمصر في حدها الطبيعي‏.‏ ونحن نطالب هنا بتعاون عربي دقيق لصناعة إرادة إقليمية تستطيع أن تضع الأخطاء الأمريكية في المنطقة في حجمها الطبيعي خاصة في العراق ولبنان ومنطقة الخليج العربي‏.‏

ويجدر أن أشير إلي الأخطاء الأمريكية اليوم في باكستان حيث تزايدت الضغوط الأمريكية إلي حد تهديد الاستقرار السياسي‏.‏ وفي تركيا عادت الولايات المتحدة للتنقيب في التاريخ الحديث‏,‏ وأدان الكونجرس تركيا بارتكاب مذابح الأرمن في العقد الثاني من القرن الماضي برغم الخدمات الهائلة التي قدمتها تركيا ومازالت تقدمها للمصالح الأمريكية‏,‏ وفي غير تركيا وباكستان أخطاء كثيرة تشير إلي أن جزءا من تلك الأخطاء جاء نتيجة أخطاء أخري ارتكبت محليا في هذه الدول‏.‏

ونحن في مصر كنا الأقل تضررا من أخطاء وخطايا السياسة الأمريكية في المنطقة بسبب السياسة المصرية الواضحة‏,‏ التي ترفض التدخل الأمريكي في الشئون المصرية تحت أي مسمي في ظل خطوط حمراء معلنة للجميع‏.‏ ولاشك أن مصر تعرضت لضغوط كثيرة في ظل شعارات ومسميات متعددة لتقبل بسياسات وتحركات معينة‏,‏ لكنها رفضتها فتجنبت كثيرا من أضرار تلك الأخطاء الأمريكية‏.‏ وهذه السياسة الواضحة هي التي تجعل مصر اليوم واحة آمنة في محيط يعاني درجات متفاوتة من الفوضي المدمرة‏.‏

إن سياسة مصر مع الولايات المتحدة تقوم علي أساس المشاركة الاستراتيجية التي تراعي مصلحة الدولتين دون ترجيح إحداهما علي الأخري‏.‏ ولاشك في أن العلاقات المصرية ـ الأمريكية تمر بالكثير من الأزمات‏,‏ وهي دليل علي تمسك مصر بسياساتها المعلنة في مشاركتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة‏,‏ وعدم الإذعان للضغوط التي تمارس عليها‏,‏ وقد حافظ ذلك علي حيوية تلك العلاقات بين البلدين‏,‏ وكفل لها الاستقرار برغم الأزمات الطارئة‏.‏

وربما تفتقر منطقة الأزمات في الشرق الأوسط لتلك الإرادة الإقليمية القادرة علي التخفيف من آثار السياسات الأمريكية الخاطئة‏,‏ بل إن وجود هذه الإرادة وتفعيلها كفيل بأن يجنب الولايات المتحدة نفسها كثيرا من أخطاء سياساتها‏.‏ وقد آن الأوان لأن تدرك حكومات الشرق الأوسط أهمية بناء إرادة وطنية وإقليمية في ضوء المصالح العليا لشعوبها دون أن تعترض تلك المهمة مصالح قطرية أو فئوية ضيقة‏.‏ فالخطر القادم لن يستثني أحدا‏,‏ ولن تنفع معه تلك المصالح الصغيرة‏,‏ فالولايات المتحدة في عصرها الإمبراطوري تبدي كثيرا من الغطرسة‏,‏ ولاتري فوقها أو دونها قوة أخري‏,‏ ولا تري ما يحول بينها وبين مخططاتها التي خضعت لقوي التطرف اليميني المحافظ‏,‏ وهي مخططات سوف تجني الأجيال القادمة من الأمريكيين نتائجها السلبية‏.‏

ويبدو من شواهد الأحداث أن الولايات المتحدة تواجه الآن تحديات جديدة لسياسات أقل ما توصف به أنها كارثية لشعوب المنطقة وللمصالح الأمريكية‏.‏ ففي الملف الفلسطيني مازال‏,‏ مؤتمر السلام المزمع عقده بدعوة من الرئيس بوش في غضون الشهرين القادمين يواجه مشكلات كثيرة‏,‏ حيث لم تسفر جولة وزيرة الخارجية الأمريكية أخيرا في المنطقة عن تقدم يذكر لدعم فرص نجاح المؤتمر‏,‏ خاصة ما يتعلق بأهمية التوصل إلي وثيقة مشتركة ملزمة للجانبين الإسرائيلي والفلسطيني وهو ما أثار الإحباط الفلسطيني‏.‏

وهذا الفشل ـ الذي يعود إلي عدم استعداد الولايات المتحدة لإلزام إسرائيل بالحد الأدني من ثمن السلام ـ لاينفصل عن فشل آخر منيت به محادثات رايس ووزير الدفاع الأمريكي في موسكو بسبب الإصرار أيضا علي عدم تقديم أي تنازلات أو إبداء أي قدر من المرونة في مسألة الدرع الصاروخية في أوروبا‏.‏ وهذا الرفض الأمريكي للتنازل أو المرونة يعكس غطرسة أمريكية تستند إلي وهم القوة‏,‏ فلقد أصرت واشنطن علي موقفها من الدرع الصاروخية‏,‏ التي تراها موسكو تهديدا مباشرا لأمنها‏,‏ فلقد رفضت واشنطن أي تنازل من أجل الحفاظ علي علاقات جيدة مع موسكو تماما‏,‏ مثلما تفعل إسرائيل حين ترفض أن يصدر عن مؤتمر السلام أي وثيقة ملزمة لها وللفلسطينيين تتضمن جدولا زمنيا للتوصل إلي اتفاقية نهائية بين إسرائيل ودولة فلسطينية‏.‏ ولاتري واشنطن في الموقف الإسرائيلي المتشدد ضررا برغم ما يمثله هذا الموقف من تهديد وإفشال للمؤتمر الذي دعا إليه الرئيس جورج بوش ويحتاجه الآن أكثر من أي وقت مضي‏.‏

وإذا استمر الموقف الإسرائيلي ـ الأمريكي من مؤتمر السلام علي حاله‏,‏ فإن فرص الفشل المتوقعة سوف تزيد من التوتر في المنطقة‏,‏ مثلما يزيد الرفض الأمريكي لمقترحات موسكو حول مشروع الدرع الصاروخية فرص التوتر غير المسبوق مع روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي قبل ستة عشر عاما‏.‏

…………………………………………………………..‏
وهكذا تتوالي أخطاء السياسة الأمريكية في العالم الذي ظنت أنها قد انفردت به إلي حد التفكير في تحقيق تغيير جذري في سبع من دول الشرق الأوسط في مقدمتها العراق‏.‏ فقد تضمنت مذكرات ويسلي كلارك‏,‏ القائد السابق لحلف شمال الأطلنطي‏,‏ أن إدارة الرئيس بوش وضعت استراتيجية عسكرية تتضمن شن حروب ضد سبع دول في الشرق الأوسط تبدأ بالعراق وسوريا وتنتهي بإيران‏,‏ ومهما تكن درجة صحة تلك المعلومات‏,‏ فإن الورطة الكبري للأمريكيين في العراق يبدو وكأنها أجبرت الإدارة الأمريكية علي التراجع عن خطط تغيير الشرق الأوسط‏,‏ حيث أضرت سياساتها في العراق بمصالحها الحيوية‏,‏ وهذا التراجع جاء نتيجة مقاومة محلية لخطط الإمبراطورية الكبري وليس نتيجة مراجعة هذه السياسات من جانب واضعيها والمخططين لها‏.‏ فمازالت الأخطاء الناجمة عن التعالي والرغبة في الهيمنة مستمرة في كثير من الملفات الدولية والإقليمية‏.‏

فالتعنت الأمريكي مع روسيا بشأن مشروع الدرع الصاروخية دفع روسيا نحو المزيد من التعاطف مع إيران‏,‏ بل مشاركة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة بحر قزوين‏.‏ وهذا الموقف الروسي يزيد الملف النووي الإيراني تعقيدا‏,‏ ويزيد من احتمالات التوتر في الشرق الأوسط بأكمله‏,‏ حيث تدفع شعوبه الثمن الفادح لسياسات الرئيس بوش التي أفادت إيران من حيث لا تحتسب بموقفها المتعنت من روسيا‏,‏ وموقفها غير المبرر من تركيا بإدانة الأتراك في مذابح الأرمن والأزمة الكردية‏.‏

إن السياسة الأمريكية الراهنة مسئولة عن الخلل المتزايد في النظام العالمي والتحول بالعالم نحو الفوضي‏.‏ ولعل أكثر ما توحي به السياسات الأمريكية الخاطئة من دروس هو ما يتعلق بجدوي الديمقراطية وصلاحيتها لإحلال السلام والأمن مادامت كل تلك الأخطاء ناتجة عن نظام ديمقراطي ينكر علي الإرادة الوطنية والإقليمية أن تقول كلمتها‏,‏ ويعلن عن نفسه دائما بأنه حصن الديمقراطية في العالم الحديث‏!.‏
osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى