مقالات الأهرام اليومى

مبارك وأحداث سبتمبر توقعات تحققت‏..‏ وعقول لا تستوعب

ست سنوات مرت علي أحداث‏11‏ سبتمبر عام‏2001..‏ أو العمليات الإرهابية التي شهدتها مدينتا نيويورك وواشنطن‏.‏ والتي أصبحت علامة فارقة في عالمنا المعاصر‏.‏

ست سنوات من الرعب والعنف دفعها العالم بأسره حتي اليوم ثمنا لقراءة تشخيص غير رشيد لواقع الأحداث ومجريات الأمور طوال العقدين الماضيين‏..‏

كانت أحداث‏11‏ سبتمبر مفاجأة في مكانها لأن الإمبراطورية العظمي في التاريخ المعاصر كانت مسرحا لها‏.‏

وكانت مفاجأة أيضا في الطريقة التي تمت بها‏,‏ حيث خططت لها ونفذتها قوي تسكن بلادا فقيرة لم تدخل عصر الصناعة‏,‏ وهي بكل المعايير أقل بلاد العالم معرفة بالتكنولوجيا وتطورات عالمنا المعاصر‏.‏ وقد توالت المفاجآت في عدد الضحايا وحجم الخسائر البشرية والمادية‏,‏ بل وفي سقوط رموز القوة والتحدي‏!.‏

وبالرغم من ذلك لم تكن هذه الأحداث الدامية والمروعة مفاجأة في مغزاها والدوافع الكامنة وراءها‏..‏وإنما كانت تعبيرا عن أزمة كامنة تنمو وتتمدد تحت سطح العلاقات الدولية المعاصرة‏..‏ نتيجة أخطاء سياسات الحروب وتداعيات الحرب الباردة‏.‏

وبرغم قناعتنا برفض تبرير الإرهاب وإيجاد الأعذار له فإن الأحداث وما تلاها من حروب كشفت عمق الهوة في الرؤية بين قوة عظمي ـ انفردت بالعالم‏,‏ تحدد وجهة مسيرته‏,‏ وترسم بغير اكتراث شكل العلاقة بين أطرافه ـ وبين معظم الدول‏.‏

وكان صوت الرئيس حسني مبارك قبل عقدين من الزمان نذيرا للعالم من خطر كان يراه يتزايد يوما بعد آخر‏,‏ ولا يقتصر تهديده علي دولة بعينها‏,‏ وإنما يتسع ليهدد أمن العالم واستقراره‏.‏ ففي شهر يناير عام‏1986‏ وقبل أن تهز العالم أحدات سبتمبر بنحو خمسة عشر عاما‏,‏ وقف الرئيس مبارك في الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا بمدينة ستراسبورج يحدد للقوي الكبري الخطوط العامة التي يتعين الالتزام بها في مواجهة الإرهاب‏.‏ وطالب بعقد مؤتمر دولي تحت رعاية الأمم المتحدة‏,‏ والسعي نحو اتفاقية شاملة لمكافحة الإرهاب وردعه‏,‏ مؤكدا أهمية تبادل المعلومات بين الدول عن الإرهاب وخططه‏,‏ وضرورة تدريب وحدات خاصة علي مواجهته والتعاون الدولي للقبض علي الإرهابيين ومحاكمتهم‏,‏ واتخاذ موقف من الدول التي تساعد الإرهابيين وتقوم بتحريضهم‏.‏

غير أن الرئيس مبارك بدا لتلك القوي الكبري كمن يغرد خارج السرب‏.‏ فقد اعتادت أسراب القوي الكبري في ذلك الوقت أن تتغني باستقرارها وأمنها وحريتها التي وفرت للإرهابيين لزمن طويل ملاذا آمنا للعمل والتخطيط والتحريض‏,‏ وتجنيد المزيد من الإرهابيين‏.‏ وكان الكثيرون آنذاك يرون في دعوة مبارك أزمة دولة تعرضت لهجمات الإرهاب‏.‏ ولكن حين تهاوت المباني العملاقة علي أرض الإمبراطورية العظمي تحت ضربة واحدة من ضربات الإرهاب استفاق الجميع‏,‏ وتذكروا كلام الرئيس مبارك قبل خمسة عشر عاما‏,‏ واسترجعوا الخطوط العامة لمواجهة الخطر الأسود‏,‏ والتي أودعها وثيقة في اجتماع ستراسبورج‏.‏

إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر وضعت علامة فارقة في العلاقات الدولية‏,‏ وأصبحنا في عصرنا الراهن نري في المجتمع الدولي مجتمعين‏,‏ أحدهما قبل تلك الأحداث والآخر نعيشه اليوم ومنذ ست سنوات كاملة‏.‏

ويبدو أن مجتمع ما قبل أحداث سبتمبر قد أصبح في ذمة التاريخ‏,‏ ولم يعد أمامنا سوي النظر إلي المجتمع الدولي الذي ولد لحظة انهيار برجي التجارة العالمية في نيويورك‏.‏

وربما كان أهم ما يميز ذلك المجتمع الدولي الجديد تلك السلسلة من الأخطاء التي مازالت تجعل من الإرهاب الخطر الأكبر في عالم اليوم برغم الجهود الهائلة التي بذلت في مواجهته‏.‏ فبعد ست سنوات كاملة من المواجهة مازال العالم أقل أمنا مما كان عليه صبيحة الحادي عشر من سبتمبر‏,‏ ومازال الإرهاب يتمدد وينمو‏,‏ ويتجدد علي سطح الحياة المعاصرة حينا ومن تحتها أحيانا كثيرة‏.‏ ولم تفلح الجهود العالمية حتي الآن في أن تضع حدا لتلك الظاهرة العالمية المخيفة وغير المسبوقة في التاريخ‏.‏ فلقد تحسس الغرب تحت القيادة الأمريكية منذ أحداث سبتمبر أسلحته‏,‏ واستخدم في الحرب علي الإرهاب أحدث ما في ترسانته من وسائل التدمير والقتل‏.‏ لكنها لم تستأصل الداء وإنما أثارت المزيد من الخلايا السرطانية لتنمو وتتجدد وتهدد الجميع‏.‏

ومرة أخري لم تنتبه تلك القوي لأسباب الإرهاب ومعامل تفريخ الإرهابيين التي نشطت كثيرا بفعل استمرار السياسات الأمريكية في المنطقة‏,‏ والتي مازالت تشيع موجة عارمة من السخط في البلاد الإسلامية‏,‏ واهتمت الولايات المتحدة بالمواجهة العسكرية والأمنية وأغفلت تماما الكثير من الجوانب الأكثر فاعلية في المواجهة‏.‏ وهكذا فشلت في بناء رأي عام بين المسلمين يؤازر حربها ويدعم مساعيها في الحرب علي الإرهاب في الوقت الذي نجحت فيه دول أخري وفي مقدمتها مصر في دمج مجتمعاتها في قوة واحدة متماسكة قادرة علي المواجهة‏,‏ وقد اعتقد بعض الساسة في واشنطن أن استقطاب عقول المسلمين للوقوف إلي جانب الولايات المتحدة في حربها يمكن أن يتحقق بحملة من حملات العلاقات العامة لتجميل الصورة الأمريكية لدي المسلمين بينما تستمر السياسة الأمريكية في المنطقة كما هي دون تغيير‏.‏ ومازال ذلك وهما شائعا لدي هؤلاء‏.‏

جذور الإرهاب
لم يتوقف الرئيس مبارك منذ سنوات عن تأكيد حقيقة لانعرف متي يعيها الأمريكيون‏,‏ وهي أن اجتثاث جذور الإرهاب علي نحو حاسم يتطلب أولا إزالة بؤر التوتر في العالم‏,‏ والذي تعانيه في المقام الأول شعوب العالم الثالث التي تحتاج إلي تعبئة وتعظيم مواردها لمواجهة المشكلات القديمة والتحديات الجديدة وبصفة خاصة الصراع العربي ـ الإسرائيلي لأن كثيرا من أسباب الإرهاب تشتبك مع هذا الصراع بصورة أو بأخري‏.‏ وهو الصراع الذي ينتظر حلا عادلا وشاملا يضمن التعايش الآمن بين شعوب الشرق الأوسط‏.‏

من فلسطين إلي العراق
وهذه الحقيقة التي أكدها الرئيس مبارك كثيرا بدأت تتردد في الكثير من كتابات المحللين الأمريكيين‏,‏ ولكنها مازالت بحاجة إلي وعي السياسيين في البيت الأبيض‏.‏ فليس هناك ما يثير غضب وكراهية الشعوب أكثر من سياسات واشنطن تجاه النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي‏.‏ ولايمكن أن تجد الولايات المتحدة لها نصيرا حقيقيا من شعوب المنطقة في حربها علي الإرهاب إلا إذا عملت بجد وإخلاص علي إزالة ما لحق بالفلسطينيين من ظلم وغبن في مساعيهم العادلة من أجل استعادة حقوقهم السليبة‏.‏

وفي العراق أوجدت أمريكا لنفسها ولسياساتها بؤرة أخري من بؤر الكراهية ليس بين العراقيين وحدهم وإنما أيضا بين قطاعات واسعة من العرب والمسلمين وغيرهم‏,‏ فبعد سنوات من الحرب مازال العراق أبعد من أن يكون بلدا آمنا لأهله يمارسون فيه الديمقراطية التي جاءت بها القوات الأمريكية‏.‏ فالحقيقة هي أن الحرب في العراق والتي استنزفت الكثير من الموارد‏,‏ أصبحت موردا لاستقطاب المتطرفين وتجنيدهم لنشر الرعب بين العراقيين والأمريكيين علي السواء‏,‏ بل أصبح العراق اليوم بؤرة نشيطة للإرهاب الذي يهدد المناطق المحيطة بأرض الرافدين‏.‏

ولقد سبق للرئيس مبارك أن حذر مرارا من الوضع الراهن في العراق‏.‏ ففي أول مايو عام‏2003‏ قال‏’‏ إن هذه الحرب سوف تؤدي إلي نتائج فظيعة وضخمة وسيزداد الإرهاب‏.‏ وبدلا من أن يكون هناك بن لادن واحد سيكون هناك‏100‏ بن لادن‏’.‏

وقد تلاحقت الأحداث لنجد الزرقاوي في العراق والعبسي في نهر البارد‏,‏ وغيرهم كثيرون‏.‏ وكان مبارك كمن يقرأ في كتاب مفتوح‏.‏ فاليوم وبعد أن تحققت توقعاته كاملة لم يعد بمقدور الإدارة الأمريكية أن تستدرك الأمر فلقد تعقدت قضية هذا البلد العربي إلي حدود يصعب إيجاد مخرج لها مع تدني قوة الرئيس بوش إلي أدني مستوياتها‏.‏

لقد مضت ست سنوات منذ أحداث سبتمبر‏,‏ وبعد أن جيشت أمريكا جيوشها وخاضت حربين في منطقتين تقعان في العالم الإسلامي‏,‏ ومارست كل ضغط ممكن لمواجهة الإرهاب كما تراه‏,‏ فإنها مع ذلك ليست اليوم في مأمن من شروره‏,‏ كما أنها لم تحقق الأمن لغيرها‏.‏ ولم تترك العالم علي ماكان عليه‏,‏ ولم تسع إلي إزالة أسباب الإرهاب بتقديم العون الحقيقي للشعوب الفقيرة لإنقاذ أبنائها من براثن العوز والحاجة‏,‏ أو دفع التنمية فيها خطوات جادة إلي الأمام‏.‏ ولم تحقق العدل والإنصاف بين المتصارعين في العالم ففجرت كراهية هائلة لتوجد في النهاية مناخا مواتيا للمزيد من أفكار التطرف والإرهاب‏.‏

أمريكا والمراجعة الشاملة
إن أمريكا قبل غيرها مطالبة اليوم بمراجعة شاملة لما وقع منها خلال السنوات الست الماضية‏,‏ مراجعة تستفيد فيها من الأخطاء التي تلاحقت والأزمات والآلام التي سببتها‏.‏ مراجعة يبرز فيها الإنصاف والعدل وحل المشكلات العالقة في العالم بسبب التحيز المفرط‏,‏ وتقديم عون حقيقي للشعوب التي تكافح وتصارع الفقر والتخلف‏,‏ وألا تترك الشعوب الفقيرة فريسة سهلة للإرهابيين يجندون أبناءهم ويدفعونهم لحرب يدفع الأبرياء فيها التكلفة المادية والبشرية‏.‏

وفي منطقة الشرق الأوسط حيث تتشابك الكثير من الخيوط وتتعقد الأحداث لابد أن تنصت الإدارة الأمريكية لحكماء المنطقة بعد أن بات مؤكدا أن الكثيرين من السياسيين في الدول الكبري لايعرفون إلا القليل عن المنطقة‏.‏
osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق