مقالات الأهرام اليومى

الحزب الوطني‏..‏ والتحديات

انتخابات الغد في صفوف الحزب الوطني تجربة غير مسبوقة سوف يظهر الكثير من نتائجها في بنية الحزب خلال السنوات المقبلة‏,‏ فهي ترسم في خطوط عريضة مستقبل القوة السياسية الأكثر تأثيرا في حياتنا‏.‏ وهي تجربة لابد أن تحظي باهتمام الجميع‏,‏ خاصة الأحزاب السياسية التي رضيت لنفسها من حياتنا السياسية بصحف لاتحمل سوي اتهامات أعجزتها عن العمل ومكنتها من الكلام‏..‏ إنه تطور جديد في حزب الأغلبية يعكس فكرا جديدا استجاب للواقع السياسي المتغير‏,‏ ليظل معبرا عن الأغلبية التي تنحاز للوطن وحده‏.‏

إن حصاد الحزب الوطني الديمقراطي من الحراك السياسي النشط الذي ميز حياتنا السياسية أخيرا هو الأوفر كما ونوعا بين الأحزاب والقوي السياسية المصرية‏.‏ ولم يقف عند حدود عدد المقاعد التي فاز بها الحزب في انتخابات مجلسي الشعب والشوري‏,‏ ولكنه تجاوز ذلك إلي نقطة محورية بالغة الأهمية‏.‏ فقد كشفت تلك الفترة من الحراك السياسي غير المسبوق عن أهمية متنامية للرأي العام‏,‏ ولأصوات الناخبين‏,‏ وبالتالي عن أهمية العمل لكسب الصوت الانتخابي الفردي‏.‏ حيث تغير كل شيء من حولنا وتعددت وتنوعت مصادر المعرفة‏,‏ وتغيرت خريطة القوي المؤثرة في الرأي العام‏,‏ ولم تعد خاضعة لقوة وحيدة اعتادت في أزمان سابقة توجيه العقول كيفما تريد وحيث تشاء‏.‏ وسوف يظل ذلك لسنوات طويلة مقبلة هو التحدي الحقيقي لكل حزب أو قوة سياسية تريد العمل من أجل الصالح العام‏.‏

ولعل حصاد السنوات الثلاث الماضية يدفع بالقوي السياسية نحو مواجهة هذا التحدي الجديد بكل ما يتطلبه ذلك من تغييرات هيكلية في بنياتها ولغة خطابها الجماهيري‏,‏ ووجودها الحقيقي في الشارع السياسي‏.‏ فما كشفت عنه التجربة كان مخيبا للآمال في معظم الأحزاب السياسية التي سيطرت عليها المصالح والأهواء والخلافات والصراعات التي أدت في النهاية إلي إضعاف قوتها وتأثيراتها‏,‏ والوقوف بها عند حد الصراخ ونشر اليأس والإحباط لتبرير الفشل الذي تعانيه‏.‏

والحزب الوطني الديمقراطي هو الحزب الوحيد الذي استجاب بجدية ملحوظة لما طرأ علي الواقع السياسي من تغييرات‏,‏ وما يحتمل أن يحدث في المستقبل من تغييرات أكبر‏.‏ وعلي الرغم من المكاسب التي حققها في الانتخابات الماضية ـ وهي مكاسب كان يمكن أن تذهب بالحزب نحو الرضا بما تحقق ـ فإنه أصبح أكثر نشاطا واستعدادا للمزيد من التطور والقدرة علي التأثير‏,‏ إذ لم تتوقف حركته علي جميع المستويات لتأكيد قوته وجماهيريته‏,‏ وتجديد الدماء بين كوادره لمواكبة تغيرات ربما لم ينتبه إليها الآخرون في الأحزاب السياسية التي رضيت بضياع الممكن في طلب مالا تستطيعه‏,‏ وما لن يتحقق لها وهي علي حالتها الراهنة من الضعف‏.‏

ومن الطبيعي أن تحظي تحركاته باهتمام الجميع ليس فقط باعتباره الحزب الحاكم‏,‏ وإنما أيضا باعتبار المستقبل الذي سوف تأتي به جهود الحزب المستمرة نحو التطوير والتحديث‏,‏ فالسنوات القليلة الماضية شهدت من التطوير داخله أضعاف ما تحقق له منذ نشأته قبل مايزيد علي ثلاثة عقود بينما كانت أحزاب أخري قد نشأت واعدة وبقوة دفع كان يمكن أن تمضي بها إلي سطح الحياة السياسية لكنها تبدو اليوم وكأنها فقدت كل الآمال التي انعقدت عليها والقوة التي صاحبت ظهورها‏.‏

…………………………………………………………….‏
أسامة سرايا
والانتخابات التي تبدأ غدا السبت بين صفوف الحزب الوطني تسعي إلي اختيار شامل للقادة علي مستويات الحزب الثلاثة‏,‏ وسوف تستغرق شهرا كاملا في مناخ يتسم بالحيدة والنزاهة‏,‏ وهي تمثل خطة علي طريق طويل من التطوير والتحديث‏,‏ لها أهميتها البالغة في تطوير آلية صحيحة لفرز الكوادر والكفاءات من بين أعضاء الحزب‏.‏ كما أنها تعكس تغيرا ملحوظا في أساليب العمل الحزبي في مصر‏,‏ فالاختيار الحر لكوادر الحزب من مستوياته القاعدية وحتي قياداته العليا يعني أن جيلا جديدا من السياسيين سوف يولد في هذه الانتخابات ولادة طبيعية عبر انتخابات حرة ونزيهة‏,‏ مما يوفر لها فرصا أكبر في الانتخابات العامة فيما بعد‏.‏

ومن هنا لابد أن تؤخذ تلك الانتخابات مأخذ الجد‏,‏ وأن ندرك تأثيراتها المستقبلية ليس علي مستوي الحزب الوطني بأعضائه فقط‏,‏ وإنما أيضا علي مستوي الحياة السياسية المصرية بأسرها‏,‏ فهي انتخابات لاتقع فجأة ولا هي مقطوعة الصلة بما قبلها‏,‏ ولكنها حلقة من سلسلة حلقات التطوير والتحديث التي تسارعت في الحزب الوطني خلال السنوات الثلاث الأخيرة‏.‏ وهي تعبر عن استجابة حقيقية للواقع السياسي بهدف تغييره نحو مزيد من المنافسة السياسية المشروعة‏.‏

…………………………………………………………….‏

ولو أن الأحزاب السياسية الأخري استجابت لتجربة الحزب الوطني في إعادة بناء هياكلها لأمكننا في النهاية أن نواجه معا مشكلة السلبية والعزوف عن المشاركة السياسية التي تهدد الجميع‏,‏ وتفرض حالة من الركود علي نشاطنا السياسي برمته‏.‏ وإذا كان الحزب الوطني اليوم يقود مبادرة جدية نحو إعادة بناء كوادره وتفعيل مشاركة أعضائه في استكمال تلك الهياكل‏,‏ فإن الأحزاب السياسية الأخري مطالبة بأن تتخلص من حالة الشك الدائمة والمستعصية‏,‏ وأن توحد صفوفها وتتخلي عن انقساماتها عبر اختيار حر تكون الكلمة فيه للأعضاء‏,‏ في إطار فلسفة عمل واضحة تبرر وجود تلك الأحزاب علي الساحة السياسية‏,‏ وأن تحتفظ بقدرتها علي البناء بقدر ما لديها من قدرة علي نقد الحزب الوطني وتحميله مسئولية عجزها عن الوجود في الشارع والحياة السياسية علي السواء‏.‏

وربما تخطئ الأحزاب السياسية القائمة الآن في خطابها السياسي حين يدور ذلك الخطاب حول محور واحد هو تسفيه كل إنجاز‏,‏ والنيل من كل مجتهد في الخطأ والصواب معا‏.‏ فاستمرار هذه النبرة في خطاب الأحزاب يفقد الجميع الثقة في كل شيء بما فيها تلك الأحزاب وقياداتها‏,‏ ويصبح من العسير إيجاد مناخ للتعددية والمنافسة السياسية‏,‏ ومن ثم تفقد تلك الأحزاب الهدف من وجودها‏.‏ فالعمل علي فقدان الثقة لن ينال حزبا بعينه ولكنه في النهاية سوف تنعكس آثاره علي الجميع‏,‏ وسيتيح الفرصة لمستثمري السخط العاملين علي تزييف الوعي العام تحقيقا لأهداف أبعد ما تكون عن مصلحة الوطن والمواطن‏.‏

ولعل أكبر الضمانات لاستمرار تطورنا الديمقراطي تكمن في تفعيل الحياة الحزبية في الشارع السياسي لتأكيد قيم الحرية والتعددية والحوار والمنافسة حتي لا تنتكس يوما مسيرة الديمقراطية‏,‏ ونخسر ما حققناه علي نحو ماحدث في سبتمبر عام‏1981‏ لولا حكمة الرئيس حسني مبارك الذي سارع إلي تأكيد احترام الحرية والتعددية واختلاف الرأي‏,‏ وعمل منذ ذلك الحين علي تطويرها‏.‏

إن انتخابات الغد في الحزب الوطني تجري للمرة الأولي وفق النظام الأساسي الذي أقره المؤتمر العام الثامن قبل خمس سنوات‏,‏ بما يعكس رؤية حقيقية لدي الحزب وإصرارا علي مواصلة خطة طويلة الأجل لبناء حزب قادر علي قيادة الحياة السياسية في المستقبل‏.‏

وفي الوقت الذي يبذل فيه الحزب جهودا لتجديد بنائه وهياكله فإنه وضع علي أجندة مؤتمره المقبل عددا من القضايا الكبري التي تختص بالتنمية في مصر في السنوات المقبلة استنادا إلي استطلاع رأي أجري للتعرف علي اهتمامات المواطن المصري فيما يتعلق بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وهو أسلوب له تأثيره‏,‏ في ربط أجندة الحزب بالأجندة العامة للمجتمع من حيث إنه تعبير عن واقعية سياسية بالغة الأهمية‏.‏

ثم جاءت توجيهات الرئيس مبارك لقيادات الحزب بالاهتمام بعدد من القضايا وطرح الحلول لها ومنها الاهتمام بالصعيد وتوفير الاستثمارات بتلك المناطق التي عانت إهمالا كثيرا‏.‏ كما أكد الرئيس ضرورة الاهتمام بقضايا المرأة والشباب وتفعيل وجودهما بين قيادات الحزب علي المستويات المختلفة إلي جانب قائمة أخري من القضايا التي تعكس الهموم اليومية للمواطن وهي جميعا قضايا تشغل فكره‏,‏ ومايتطلع إليه من أن يعبر المؤتمر العام للحزب عن رؤية واقعية وحلول ممكنة لمشكلات تمس الحياة اليومية لقطاعات واسعة من المصريين‏.‏ فالمواطن الذي يتابع اليوم الانتخابات الشاملة في الحزب يتابعها من باب الاهتمام بما سوف تسفر عنه هذه الجهود من حلول لمشكلاته اليومية وتبث الثقة في مستقبل أبنائه‏.‏

…………………………………………………………….‏

لقد تابعنا جميعا المرحلة الأخيرة من تطور الحزب الوطني وما ظهر فيها من اتجاهات وتفكير جديد يستجيب لواقع سياسي أصبح أكثر تعقيدا‏.‏ ونستطيع القول إن ما حدث في الحزب خلال السنوات الخمس الماضية يمثل أسلوب عمل متماسك استطاع أن يحدث تغييرا ملموسا في دور الحزب في الحياة السياسية ومسئولياته التضامنية مع حكومته في المضي قدما نحو آفاق أرحب من التنمية الاقتصادية والاجتماعية‏,‏ حيث تقلصت كثيرا الفجوة القائمة بين توجهات الحزب وسياسات الحكومة فأصبح شريكا حقيقيا في إنجازاتها علي جميع المستويات‏.‏

ويدخل الحزب الوطني اليوم مرحلة التطلع إلي بناء تنظيم سياسي أكثر قدرة علي ترجمة الفكر الجديد إلي واقع معيش في حياة المصريين وتمثل الانتخابات من القاعدة إلي القمة أهم ملامح المرحلة الراهنة من تطوره‏,‏ فهي ـ كما قلت ـ تمثل أيضا مرحلة جديدة في فرز قيادات مستقبل العمل السياسي‏.‏

وما يجري الآن من تطوير وتحديث في صفوف الحزب الوطني ليس كافيا لإثراء الحياة السياسية في بلادنا‏,‏ فالأمر يتطلب تطورا مماثلا في صفوف الأحزاب الأخري‏,‏ فالمنافسة الحقيقية هي القادرة علي تعبئة الطاقات وحشد الجهود وتحقيق تعددية حقيقية في المجتمع‏.‏ أما الاكتفاء بالنقد وكيل الاتهامات فلن يتقدم بنا خطوة واحدة إلي الأمام إذا كانت هذه الاتهامات بديلا عن وجود حقيقي ومؤثر للأحزاب في الحياة السياسية‏.‏ وأخيرا أقول إن للحزب الوطني اليوم عينا علي الواقع تواجه مشكلاته‏..‏ وأخري علي المستقبل ترسم ملامح التحرك‏,‏ وهو ما نرجو الأحزاب الأخري أن تحذو حذوه‏.‏

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى