مقالات الأهرام اليومى

من شرم الشيخ إلي باريس سـياسة خـارجية متجـددة تصنع قوة مصر في عـالمها

إذا قلنا إن مكانة مصر في السياسة العالمية والإقليمية تتعزز وتزداد فاعلية فإنه قول حق تثبته الأحداث علي الأرض‏..‏ فعندما تتأزم الأمور الإقليمية في منطقتنا‏,‏ لا يجد المجتمع الدولي بكل قواه العالمية والإقليمية إلا مصر ورئيسها‏,‏ فهما مفتاحا الحل والرؤية‏..‏ ولا شك أن هذه السياسة لم تظهر بين يوم وليلة‏,‏ وإنما تأكدت عبر السنوات التي تكثفت فيها الحكمة وعلا صوت المصداقية‏.‏

وقد شهدنا ما يؤكد هذه الحقيقة في العاصمة الفرنسية أمس الأول عقب لقاء القمة الأول بين الرئيس حسني مبارك والرئيس الفرنسي الجديد نيقولا ساركوزي وجاء هذا اللقاء بعد المؤتمرات المتعاقبة التي شهدتها شرم الشيخ‏,‏ وكانت مادتها الأولي هي إعادة السلام للشرق الأوسط المضطرب بالحروب وعدم الاستقرار‏.‏ والإعداد لمؤتمر جديد من أجل إقامة الدولة الفلسطينية التي هي مفتاح الاستقرار لمنطقتنا وطريق قيام السلام الحقيقي‏.‏

..‏ وأيضا إنقاذ العراق وإعادة الاستقرار إليه بعد أن فجرته الحروب والسياسات الأمريكية الخاطئة‏..‏ ثم باقي الملفات المفتوحة‏.‏ كالملف الإيراني المتفجر‏..‏ وأحداث دارفور بالسودان‏..‏ وأزمة لبنان‏..‏ ومخاوف وتداعيات حروب الإرهاب‏..‏ وقد شهد هذه اللقاءات وزيرا الخارجية والدفاع الأمريكيان‏.‏ ووزراء منطقتنا الفاعلون والمهتمون بتحقيق الاستقرار للمنطقة وللعالم‏.‏

المشهد يعكس دور مصر ومكانتها في عالم اليوم‏..‏ فهي المحور الذي يحكم التاريخ والجغرافيا‏.‏ ويجب ألا ننسي صانعي السياسة الذين يمارسون عملهم بكل كفاءة واقتدار ودأب في هذا العالم‏,‏ الذي تتساقط فيه يوميا أنباء كثيرة‏,‏ ولكن يظل القادرون علي العمل ومتابعة الأحداث هم صانعو الأدوار بل والمكانة‏,‏ وفي مقدمتهم الرئيس حسني مبارك الذي حافظ علي سياسة قوية لمصر مع أوروبا في السنوات الماضية خاصة مع الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك‏.‏

وها هو اليوم يعاود بكل ثقة بناء وتعزيز علاقته مع رئيس فرنسي جديد فلقد جعل العلاقات المصرية ـ الفرنسية نموذجا لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات العربية ـ الأوروبية‏..‏ بل ومع العالم الخارجي بأسره‏.‏ حيث وصلت هذه العلاقات إلي مستوي من التقدم يوفر لها قوة دفع متواصلة ويجعلها مؤهلة تماما للاستجابة الإيجابية لأي تغيرات‏.‏

وبالرغم من ظهور اتجاهات في حملات الانتخابات الفرنسية عن أن فرنسا ستغير دفة السياسات الخارجية‏,‏ فإننا كنا مدركين في مصر أن هناك مستقبلا مزدهرا للعلاقات المصرية ـ الفرنسية‏,‏ فهي علاقات بنيت بطريق مؤسسي وعلي أسس المصالح المشتركة‏..‏ بناها مبارك مع جاك شيراك وقبله مع فرانسوا ميتران‏..‏ وكان واضحا أن القواعد التي تستند إليها تعطيها قوة دفع تعصمها من الاهتزاز إذا حدث تغير في السياسة الخارجية الفرنسية‏.‏

لقد كانت الصورة لدي مصر أكثر وضوحا مما يشاع في كثير من الأوساط عن تغيير كبير في السياسة الفرنسية أو ما سماه البعض قطيعة يحدثها ساركوزي مع سياسة الجمهورية الخامسة والإرث الديجولي الاستقلالي بشكل عام‏.‏

كانت مصر تعرف أن رئيس فرنسا يعبر عن مصالح بلاده وحيويتها ودورها‏,‏ بغض النظر عن تقلباته وميوله‏,‏ وهذا هو ما حدث في عهد كل من ميتران الاشتراكي وشيراك اليميني برغم ما كان بينهما من اختلافات‏.‏ أسامة سرايا

………………………………………………………………..‏
وما كشفته قمة مبارك وساركوزي يمثل استمرارا للسياسة الفرنسية‏,‏ أكثر مما يعبر عن تغيير فيها‏.‏

وظهرت هذه البوادر مبكرا عندما التقي الرئيس مبارك بالرئيس الفرنسي الجديد خلال معركة الانتخابات الفرنسية في أبريل‏2007.‏ وهي تؤكد بعد نظر السياسة المصرية‏,‏ حيث بني مبارك علاقته مع العهد الجديد مبكرا واكتشفت مصر الخطوط الاستراتيجية والملامح الجديدة‏,‏ أو ما يمكن أن نسميه الديناميكية الجديدة في السياسة الفرنسية تجاه الشرق الأوسط‏,‏ سواء علي مستوي التوجهات‏,‏ أو المواقف‏,‏ أو علي صعيد التحرك السياسي والدبلوماسي‏.‏

………………………………………………………………..‏
وعلي مستوي التوجهات والمواقف اتخذ ساركوزي موقفين يزيدان فرنسا قربا من مصر والعالم العربي عموما وهما‏:‏

الأول‏:‏ هو إدانته العلنية للاستعمار خلال زيارته للسنغال قبل أيام بوضوح تام وشجاعة نادرة‏,‏ حيث قال‏:‏ لم آت إلي هنا لكي أنكر الأخطاء أو الجرائم فقد وقعت أخطاء وجرائم في زمن الاستعمار‏..‏ نعم لقد كان الاستعمار خطيئة كبري وجريمة عظمي‏,‏ وكانت المتاجرة بالعبيد أفدح من ذلك‏..‏ كانت جريمة ضد الإنسانية كلها‏.‏

وهذا خطاب غير مسبوق من زعيم غير عربي يستحق الاهتمام‏,‏ حيث لا تقتصر أهمية هذا الموقف علي جانبه المتعلق بالمبادئ‏,‏ وإنما بمغزي عملي بالغ الأهمية‏.‏ فهذا الاعتراف بجريمة الاستعمار يعطي الشعوب التي عانت منه ثقة في مستقبلها‏,‏ فيسهم في تحقيق تنامي متبادل للعلاقات بين الشرق والغرب‏.‏

والثاني‏:‏ عندما أعلن ساركوزي أن للعرب حقا في الحصول علي الطاقة النووية السلمية‏,‏ وأن علي الغرب واجب مساعدتهم علي ذلك‏..‏ وهو بذلك يرد علي بعض الانتقادات التي ظهرت في الأوساط الغربية بين بروتوكول التعاون النووي‏,‏ الذي وقع خلال زيارته إلي ليبيا في‏25‏ يوليو الماضي‏,‏ والتي نجح خلالها في حل مشكلة الممرضات البلغاريات‏,‏ والتي أعادت تأهيل ليبيا مع الاتحاد الأوروبي‏.‏ كما جاء كلامه مبشرا ومثمرا بأفق جديد أكثر رحابة للعلاقات بين العرب المسلمين والغرب‏.‏ ومن بين ما قاله‏:‏ إن علي الغرب أن يثق بالدول العربية لتطوير مثل هذا النوع من التكنولوجيا للأغراض السلمية وإلا خاطر بحرب بين الحضارات‏.‏

وهذا الاهتمام غير المسبوق ـ من حيث المستوي ـ بحوار الحضارات بدلا من حربها يفتح آفاقا جديدة بين مصر وفرنسا‏,‏ لأن فرنسا ساركوزي لن تجد شريكا لها في هذا المجال أفضل من مصر مبارك‏.‏

الاتحاد المتوسطي
ومن هنا تأتي أهمية قضية الاتحاد المتوسطي الذي دعا إليه ساركوزي في محادثاته مع مبارك‏.‏

وقد ركزت مصر علي ضرورة ألا ينتقص الاتحاد الجديد من أطر التعاون الراهنة بين دول المتوسط والاتحاد الأوروبي‏,‏ خاصة صيغة برشلونة التي ظهرت عام‏1995,‏ والتي نجحت إلي حد كبير في الناحية الاقتصادية‏,‏ وإن لم تحقق تقدما من الناحية السياسية‏.‏

ونذكر هنا أن لمصر طموحا كبيرا في العلاقة الوثيقة بين دول البحر المتوسط وهي العلاقة التي سبقت ساركوزي بسنوات طويلة‏.‏ فقد سبق أن قدم الرئيس مبارك مبادرة لإنشاء منتدي البحر المتوسط‏(‏ المنتدي المتوسطي‏)‏ في يونيو عام‏1991,‏ خلال كلمته أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورج‏,‏ وكان تصوره أن يكون مفتوحا ليس علي المستوي الرسمي فقط‏,‏ ولكن أيضا علي مستوي المجتمعات والمثقفين والمهنيين‏,‏ ومختلف القطاعات بين الجانبين الأوروبي والشرق أوسطي‏.‏

وأجرت مصر اتصالات حول هذه المبادرة أسفرت عن تكوين‏(‏ مجموعة الدول النواة للمنتدي‏)‏ ثم استضافت اجتماعا وزاريا لبحث تأسيس المنتدي بالإسكندرية في يوليو عام‏1994,‏ وحضره وزراء خارجية‏10‏ دول هي‏:‏ مصر وتونس والجزائر والمغرب وفرنسا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا واليونان وتركيا‏.‏ إلا أن فكرة المنتدي توارت في ظل التركيز علي مشروع عملية برشلونة‏.‏ ومع ذلك رأت مصر أن الحاجة إلي هذا المنتدي تظل قائمة لتنسيق المواقف وإعداد المبادرات التي تضخ الدم في شرايين التعاون بين دول المتوسط‏.‏

ولكن يجب ألا يكون التصور الجديد الذي طرحه ساركوزي ـ ومازال يحتاج إلي دراسات متأنية كما قال الرئيس مبارك ـ بديلا عن عملية برشلونه التي تجمع الشرق الأوسط مع الاتحاد الاوروبي كله بعد‏17‏ سنة من العمل‏.‏ فهذه العملية لها نتائج اقتصادية إيجابية‏,‏ ولكن تنقصها رؤية سياسية للتعاون الأشمل بين دول المنطقة والاتحاد الاوروبي باعتبارهما منطقة كبري مؤثرة في عالمنا الراهن‏.‏

ونستطيع أن نلمس من المباحثات والتعاون المصري ـ الفرنسي أن البلدين لهما قواسم مشتركة ويطمحان لتعاون كبير علي صعيد المتوسطي والأوروبي‏,‏ ويركزان علي ترجمة التعاون في المجال الاقتصادي إلي عملية سياسية شاملة ترتبط بجهود وحل المشكلات المزمنة‏,‏ خاصة الصراع العربي ـ الإسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية‏.‏

أعرب الرئيس الفرنسي في حديثه ـ الذي اختصني به ونشره الأهرام في صدر صفحاته يوم لقاء مبارك مع ساركوزي ـ عن تطلعه إلي أن تلعب بلاده دورا نشيطا في الشرق الأوسط‏,‏ وإنه لن يكتفي بجهوده لصنع الاستقرار في لبنان‏,‏ وإنما سيسعي أيضا لإعادة الثقة بين الأطراف‏,‏ حتي يمكن إعادة عملية السلام إلي مسارها‏,‏ عن طريق أن تلعب فرنسا دورا محركا من أجل إقناع شركائها الأوروبيين بضرورة إعادة المساعدات المالية المباشرة إلي السلطة الفلسطينية‏,‏ وهو ما تم بالفعل‏..‏ كما ستلعب فرنسا دور الوسيط وتقديم المقترحات‏,‏ من أجل الوصول بسرعة إلي حل للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني‏,‏ وإقامة دولتين تعيشان جنبا إلي جنب في سلام وأمن‏..‏ وقد طالب الإسرائيليين بالتخلي عن الاستيطان في الأراضي الفلسطينية‏..‏

………………………………………………………………‏
لقد وجدت مصر في مباحثاتها مع فرنسا سياسات جديدة تلتقي مع الفكر المصري المتجدد‏,‏ والراغب في تحقيق السلام والتعايش مع الشعوب‏,‏ ولا يكتفي بإلقاء الشعارات الجوفاء‏,‏ فهو يعمل بدأب وباستمرارية‏,‏ ويتحلي بروح العلم‏..‏ المتجدد والمستمر مع عالمه‏..‏

وحول فكرة ساركوزي الجديدة مع المتوسط نقول إن عليه أن يدرك أن المتوسطية كانت ومازالت تيارا مهما في الفكر السياسي والثقافة المصرية منذ سنوات طويلة‏,‏ وقد ترجمتها مصر بقيادة مبارك‏,‏ في إعادة بعث مكتبة الإسكندرية التي تمثل طموح المتوسطية في عالم تسوده علاقات وثيقة بين الشرق والغرب‏,‏ وبذلك تزداد قضايا الربط السياسي بين فرنسا ومصر‏..‏ وهو ما وصفه ساركوزي بأنه ضروري لسياساته وبأنه سعيد بموافقة مصر عليه‏,‏ وأنها يجب أن تلعب فيه دورا حاسما‏..‏

إن القضايا المطروحة علي صعيد العلاقات الدولية تزدحم بأجندة ضخمة فالأزمات الساخنه تتفاقم في الشرق الأوسط‏..‏ من الملف النووي الإيراني المرشح للتصاعد‏..‏ إلي الوضع المتدهور في العراق‏..‏ إلي محاولات إحياء عملية التسوية الفلسطينية ـ الإسرائيلية‏..‏ إلي ظروف أكثر صعوبة وجهود إحياء مبادرة السلام العربية‏..‏ إلي الأزمة اللبنانية التي بدأت في التعقد وتحول فرنسا إلي القيام بتحرك مكثف‏,‏ سعيا إلي نزع فتيلها الذي يهدد بانفجار مروع‏.‏

ومصر دائما في قلب الأحداث محركا ومشاركا بفاعلية‏,‏ وهي تثبت جدارتها السياسية وتكيفها مع عالمها الصعب‏.‏ كما أنها تستطيع في كل الأوقات أن تخلق الحدث وتجمع العالم علي المشاركة‏.‏

ولا تترك الأحداث والتطورات تسبقها‏,‏ أو تبعدها عن لعب الدور المؤثر والقوي لمواجهتها‏,‏ أو للتخفيف من تأثيراتها الضارة‏.‏

إن مصر نقطة التقاء بين الشرق والغرب‏..‏ تحل المشكلات المعقدة‏,‏ وهي جزء رئيسي من أي تحرك عالمي في منطقة الشرق الأوسط‏.‏ فهي اللاعب المؤثر الذي تتجمع حوله كل الخيوط‏..‏ سواء علي الصعيد الثنائي‏,‏ أو الصعيد الاقليمي أو الأمم المتحدة‏,‏ أو الجامعة العربية‏,‏ أو تجمع دول الخليج ودول المغرب العربي‏.‏

وتحل الأزمات وتواجه المشكلات وتخلق ديناميكية جديدة مع السياسة العالمية والإقليمية‏,‏ وتبني فرصا جديدة لمواجهة المخاطر المحدقة بالمنطقة‏.‏ وهي فرص متجددة لتطوير آليات العمل المشترك‏.‏ ومصر بإمكاناتها وقدرتها الداخلية جزء رئيسي من عالمها‏,‏ وهي تبني سياساتها الخارجية بالقدرة علي الفعل والتأثير‏,‏ وليس بموارد مالية أو بترولية ضخمة‏,‏ أو حتي قوة عسكرية إقليمية وعالمية‏..‏ ولكن تتجمع فيها كل هذه القوي وتحركها لصنع السلام لمحيطها وعالمها‏.‏

فلقد تأسست سياسة مصر علي الفعل والقدرة‏,‏ علي الفهم والتحليل السياسي العميق‏,‏ الذي يخلق الدور الحقيقي‏,‏ والمكانة المرتفعة في عالمنا الراهن‏,‏ وهي تمضي إلي الأمام من أجل مستقبل أفضل لنا ولمنطقتنا‏.‏
osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى