مقالات الأهرام اليومى

أعيــاد الخريجــين قيـــم ودلالات

تعيش مصر‏,‏ في مثل هذه الأيام من كل عام‏,‏ لحظات‏,‏ تتجسد فيها كل معاني الفرحة والعطاء‏,‏ الفرحة بجيل جديد من خريجي الكليات العسكرية والشرطة ومختلف الكليات والجامعات المصرية‏,‏ يتسلح بالعلم وحب الوطن والعطاء الذي يتمثل في روح المثابرة والتخطيط للمستقبل‏.‏

ويحرص الرئيس حسني مبارك علي مشاركة أبنائه هذه اللحظات الفريدة‏,‏ وتكريمهم وتحفيزهم علي المضي قدما إلي الأمام لكي تظل مصرنا العزيزة دائما في مكانتها اللائقة بين الأمم‏.‏

الرئيس مبارك يحرص على تكريم أبنائه المتفوقين من جامعات مصر وتحفيزهم على المضى قدما إلى الأمام لكى تظل مصرنا العزيزة دائما فى مكانتها اللائقة بين الأمم أسامة سرايا
الرئيس مبارك يحرص على تكريم أبنائه المتفوقين من جامعات مصر وتحفيزهم على المضى قدما إلى الأمام لكى تظل مصرنا العزيزة دائما فى مكانتها اللائقة بين الأمم
لقد عشنا مع الرئيس لحظات لا تنسي‏,‏ ولمسنا حبه الشديد لأبنائه‏,‏ وحرصه علي الوجود بينهم‏,‏ وتنقلنا معه داخل المؤسسات صانعة الرجال‏,‏ وشاهدنا عروض الخريجين البارعة التي تعكس قدرة كلياتنا العسكرية ومكانتها وكفاءة خريجيها في كل النواحي العملية والفنية‏,‏ وأيضا روح العمل الفردي المتميز والجماعي المنظم‏.‏

وفي كل كلية وجدنا صورة جديدة مبدعة‏,‏ تكشف عن معدن المصري عندما يتسلح بالعلم وحب الوطن‏,‏ وتعبرعن طبيعة المؤسسة التي درسوا بها وتخرجوا فيها‏,‏ وشاهدنا الطيارين الذين خطفوا بعروضهم المبهرة العقول والقلوب‏,‏ وقد عبرنا عن هذه الصورة في عناوين الأهرام‏.‏

ولمسنا أيضا في الكلية الفنية العسكرية والمعهد الفني والبحرية روح العلم والابتكار‏.‏ وعكست عروض كلية الشرطة التاريخ وأصالته‏,‏ وأعطت الثقة والأمان لكل مواطن‏,‏ واحتضنت الكلية الحربية الأم أوائل كليات الجامعات المصرية‏,‏ وهي التي تقدم خدماتها للمجتمع في كل مكان‏.‏ وتشارك في التنمية والمشروعات المتعددة‏,‏ وتقيم الأندية‏,‏ وتربي الأبطال‏,‏ وتقدم القوة البشرية المتميزة‏,‏ واتسم عرضها بالقوة والروعة التي عكست مقدرة ضابط وجندي المستقبل في مصر‏.‏

وهكذا عندما يجتمع شباب الوطن مع قائدهم تكتمل الصورة التي تكشف مستوي الخريجين‏.‏

وبقدر ما كانت العروض‏,‏ التي قدمها الخريجون من كل الدفعات‏,‏ موحية بمستواهم المتميز‏,‏ فقد بدت امامنا دروس تتعلق بقيم العمل الجاد والالتزام والمتابعة المستمرة واليقظة الدائبة والإنجاز المتواصل والتدريب علي أسس علمية‏.‏ وهذه القيم متأصلة في مدرستنا العسكرية الوطنية العريقة التي تقول لكل من يشاهدها‏,‏ إن هذا هو الدرس الأول الذي ينبغي أن ندركه وأن نعمل بمقتضاه‏,‏ فلا يكفي العلم والنظام والكفاءة لبناء المستقبل‏,‏ فلابد معها لكي تكتمل الملحمة ان يحيطها حب الوطن‏,‏ وتلك هي القيم التي بنت الدول الكبري نفسها عليها فوصلت إلي ما وصلت إليه من تقدم‏.‏

وما أشد حاجتنا اليوم في كل نواحي حياتنا إلي أن ننقل إليها قيم العمل الجاد الذي نراه في الدوائر العسكرية‏,‏ وأن يدرك كل مواطن أن إتقان العمل والمثابرة هما السبيل إلي حل مشكلاته ومعالجة قضايا المجتمع‏.‏

ولعلنا نتذكر في هذه الأيام ذكري ثورة‏23‏ يوليو‏1952‏ يوم مصر الوطني‏,‏ حيث يمر الإثنين المقبل‏55‏ عاما علي ثورة يوليو‏,‏ تلك الثورة المشرقة التي غيرت وجه الحياة في مصر والمنطقة العربية‏,‏ والتي قادها الجيش ملتحما بالشعب‏,‏ فظلت رمزا لقدرة المصريين علي التغيير الصحيح‏,‏ وتحولت الي مصدر إلهام لكل حركات التحرر في عالمنا‏.‏ ومن خلالها تحرر المصريون وحققوا الاستقلال بل ملكوا قرارهم وسيادتهم‏.‏ واستطاعت تلك الثورة المجيدة عبر مراحل تاريخها ان تستمر وأن تصحح أخطاءها بل وأن تتكيف مع عالمها‏.‏

……………………………………………………………..‏

ونتذكر هنا أن الجيش هو صانع نصر أكتوبر‏73,‏ ذلك النصر الذي غير شكل الحياة في مصر والمنطقة العربية وكان له دوي هائل في عالم العسكرية والاستراتيجية‏,‏ ولاشك أن الالهام الذي تعكسه مؤسساتنا العسكرية تزداد حاجتنا اليه الآن فمجتمعنا في حاجة إلي التشبع بالقيم المتأصلة في التقاليد العسكرية‏,‏ ولقد مررنا بتحولات عميقة وشديدة السرعة ومتناقضة أيضا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي‏.‏ كما مرت المنطقة بتحولات عميقة ادت إلي إنهاك المجتمع واختلال نظامه القيمي‏,‏ وتسببت في إرباك كثير من المؤسسات التي يقع علي عاتقها تنظيم حياة المجتمع في مختلف المجالات‏,‏ من التعليم‏,‏ إلي الشارع والمرور‏..‏ ومن الإدارة المحلية إلي نمط التنظيم الإداري والحكومة ومؤسساتها المدنية في كل مكان‏.‏

وقد أسهم في عملية إنهاكه ذلك التوسع الشديد في حجم المجتمع ومعدلات النمو السكاني المرتفعة وعدم تكيف نمو الاقتصاد مع مواردنا المحدودة فمجتمعنا الذي وصل عدده إلي نحو‏75‏ مليونا مازال يعيش علي‏5%‏ من مساحة مصر‏..‏ والأخطر هو أنه مازال يحكمه نظام إداري وحكم محلي مركزي يسيطر علي مقاليده ويقيده بتكدس في القلب‏..‏ وشلل في الأطراف‏.‏

ومع الاستقرار الذي شهدته مصر طوال الأعوام الثلاثين الماضية فإنها تبنت برنامجا طموحا لإعادة بناء البنية الأساسية في الاقتصاد من شبكات الكهرباء والمياه والطرق والصرف الصحي‏.‏ وبالرغم من التطور المذهل في هذا المجال‏..‏ فإن هناك الكثير من جوانب القصور ويحتاج إصلاحها إلي تكاتف المجتمع وانتهاج برنامج متكامل للإصلاح الاقتصادي ينقل انتاج السلع والخدمات للقطاع الخاص وينتهج إسلوب الاقتصاد الحر ويركز علي مفهوم التوسع في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية وسيكون له تأثير كبير علي معدلات النمو بما ينعكس في النهاية علي مستوي معيشتنا‏.‏ ولا شك أن العنصر الحاسم لانجاح هذه التجربة هو إعادة التركيز علي التنمية البشرية التي هي أساس التقدم‏.‏

وإذا كانت لكل نهضة قاعدة فإن القاعدة التي يجب أن ننطلق منها هي اعادة بناء مؤسساتنا علي أسس جديدة وقيم حديثة‏,‏ وأتصور أن إصلاح النظام التعليمي وتطويره هو الخطوة الأكثر تأثيرا في هذا المجال‏,‏ ومن الممكن أن تنتقل الروح التي عكستها أمامنا كلياتنا العسكرية إلي مدارسنا وجامعاتنا فتسود فيها روح العمل الجاد والانضباط والوطنية‏.‏

ولعل إقرار الدولة كادر المعلمين الخاص‏,‏ وتحسين أحوالهم وإعادة تأهيلهم بالتدريب الكافي يكون البداية الصحيحة للوصول إلي منهج سليم لإدارة المؤسسات التعليمية في مصر‏,‏ والتركيز في هذه المؤسسات علي الكيف وليس الكم الذي يسبب أضرارا بالغة عند تأهيل هذه القوي البشرية اللازمة لدفع عجلة الانتاج والنهوض بالاقتصاد‏.‏ فكل السياسات الاقتصادية معرضة للانتكاسة وعدم الاستمرار إذا لم يواكبها تطوير المؤسسات التعليمية والتنمية البشرية بجميع مشتملاتها‏.‏

وهنا نتساءل‏:‏ هل من الممكن ان تشهد السنوات المقبلة اعادة القيم والانضباط والقدرة والكفاءة التي تراجعت في مدارسنا وجامعاتنا‏,‏ والتي مازالت موجودة في كلياتنا العسكرية؟ فعندما تستعيد جامعاتنا البحث العلمي والإبداع والعمل الخلاق والانضباط ويحدث فيها الإصلاح سيكون ذلك هو القاعدة الصلبة للتنمية البشرية عصب التحديث في أي مجتمع‏.‏ وسيعود لكل جامعة مصرية طابعها وشخصيتها المميزة‏,‏ كما هو الحال في الكليات العسكرية‏.‏

……………………………………………………………..‏

إن نظرة بسيطة إلي مستوي الخريجين في الماضي والخريجين الجدد توضح الفرق الشاسع بين صورتي الجامعة قديما وحديثا فمقارنة صورة الجامعه القديمة مثل‏(‏ القاهرة ـ عين شمس ـ الإسكندرية‏)‏ بالجامعة القائمة الآن تكشف عن كثير من التدهور الذي أصاب المؤسسات التعليمية وحان أوان مواجهته بقرارات قوية وإصلاح حقيقي يغير الصورة ويعطينا الثقة في قدرتنا علي أن نواكب عمليات الإصلاح في كل أشكالها‏.‏

لقد تجمعت أمامي مشاهد كثيرة تشير جميعها إلي ضرورة التكامل بين المؤسسات المختلفة وإلي أن التطور الاقتصادي يجب أن يتلازم مع عملية التنمية البشرية‏,‏ وينبغي أن تحكم ذلك عملية الإصلاح الإداري مع ضرورة وجود مؤسسات حكومية قادرة علي إدارة كل عمليات الإصلاح بقيم جديدة وتحديث مستمر‏.‏

ولعل الإصلاحات التي شملت كثيرا من المؤسسات الاقتصادية كالمصارف والضرائب وغيرها‏,‏ تعكس هذه الصورة بكل ملامحها ودقتها‏,‏ وتسارع لتدعيم التطور والنمو ومواجهة المشكلات الحادة وتطوير المحليات‏,‏ فالمجتمع الذي يكبر حجمه تزداد مطالبه وتتسع تطلعاته‏,‏ في مناخ من الحرية‏,‏ التي يتسع نطاقها أيضا في مجتمعنا‏,‏ تفتح مناخا للتعبير عن المطالب والمشكلات التي تدفعنا إلي المطالبة بتبني فكر جديد للإدارة في مصر عبر ظهور مدرسة مصرية للإدارة المحلية‏,‏ مدرسة ترسخ أسس العمل المحلي وفقا لأحدث أساليب الإدارة ويجب أن يمزج هذا العمل بين البعد الوطني والخبرة الدولية ويستلهم الشخصية المصرية بحيث يجذب الناس إلي المشاركة في إدارة شئونهم في هذا العصرالذي لا يمكن أن تنفرد فيه الحكومات بهذه المهمة بل ولا تقدر عليها‏.‏

إن امامنا الكثيرين من الخريجين من مدارس القوات المسلحة والشرطة والمؤسسات الكبري الذين يجب تجميعهم في برنامج تعليمي وتدريبي‏,‏ ودفعهم إلي المشاركة في إدارة بلادهم‏..‏ وتطوير نظم الحكم في محلياتنا سواء في القري أو الأحياء والمدن المصرية‏.‏ فهؤلاء هم القادرون علي تنفيذ النظام الجديد المقترح للإدارة المحلية بعد تغيير القانون الحالي‏.‏

ولا شك ان الثقة التي حصلنا عليها من الأجيال الجديدة و الشباب الذين تخرجوا في الكليات العسكرية وأدائهم المبهر في بداية عملهم الجديد تدفعنا إلي أن نستلهم افكارا جديدة للمستقبل ونضع أجندة وافية لإعادة بناء مؤسسسات التنمية البشرية‏,‏ خاصة في مجال التعليم والتغيير في الحكم المحلي لارتباطه بالتطورات الاقتصادية‏,‏ لأن التكامل بينهما هو الذي يضمن استمرار التطور والنمو ويعمل علي تنمية المناطق المحرومة في مصر‏.‏

……………………………………………………………..‏

لقد كشفت أمامنا التطورات الاقتصادية الأخيرة في مصر عبر الشركات الجديدة والمتطورة والحديثة المحلية والأجنبية الحاجة إلي طاقة بشرية مميزة تتمتع بكفاءات العصر والقدرة علي العمل المستمر‏.‏ وإلي نوعية مختلفة تتسم بالجلد وتتحلي بقيم عمل مختلفة تتسم بالدقة والإتقان والنظام الصارم والمثابرة البالغة‏.‏ وقد ظهر عجز السوق المصرية عن تلبية هذه الاحتياجات بما يستلزم أن تسارع الهيئات والمؤسسات الحكومية إلي سد الفجوة عبر التدريب المكثف الذي يحتاج إلي مؤسسات تدريبية ذات كفاءة عالية لتلبية هذه الاحتياجات الجديدة والمتجددة في سوق العمل‏.‏ ولكي نحافظ علي معدلات كبيرة في النمو تتواكب مع التطور الاقتصادي فإن التركيز علي المؤسسة التعليمية والتدريبية في تأهيل القوي العاملة والتنمية البشرية سوف يزداد في المرحلة المقبلة‏.‏

ويجب أن تسارع الجامعات والمؤسسات التعليمية للتكيف مع تلك التطورات وأن يكون تركيزها علي إعادة بناء الإنسان المصري علي أسس ومعايير عالمية‏.‏ ولن يتحقق ذلك إلا من خلال مؤسسات تعليمية متميزة‏.‏ وعلينا أن نصحح أوضاع جامعاتنا الحالية حتي تكون قادرة علي مسايرة طموحاتنا الاقتصادية الجديدة‏,‏ وأن تشارك المؤسسات الاقتصادية الكبري في النهوض بالجامعات المصرية لكي تصبح قادرة علي تقديم الخريج المتميز القوي الذي يساعد علي بناء مسيرتنا نحو المستقبل‏.‏

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى