مقالات الأهرام اليومى

قبل اغتيال الحلم الفلسطيني

في هذه اللحظة الدقيقة فلسطينيا وعربيا‏,‏ لم يعد هناك وقت للبكاء علي الحلم الفلسطيني الضائع‏,‏ أو وقت للغضب والخوف والتشاؤم‏.‏ فالواقع أن مايعيشه الفلسطينيون‏,‏ ومايجري بينهم الآن يفرض عملا جديدا‏.‏ فمن رحم المعاناة يبدأ تصحيح الأوضاع‏.‏

ولكي يكون عملنا مؤثرا وقادرا علي تصحيح أوضاع قضية كبري بحجم قضيتنا الفلسطينية فيجب أن نعرف ما حدث بالضبط‏,‏ وأن يجري تحقيق شامل لكشف مرتكبي هذه الجريمة‏,‏ وتقديمهم للمحاكمة‏,‏ حتي تبرأ الساحة الفلسطينية من التهمة التي سوف تكبر مع الأيام لأن وجع الانشقاق الداخلي أكبر وأكثر تأثيرا وعمقا في جسد الوطن وأهله من آثار النكبة وغبار النكسة‏.‏

واقعة غزة
وعندما نعود إلي تسلسل الأحداث نجد أنه كان واضحا‏,‏ في يوم الجمعة‏8‏ يونيو‏,‏ أن الفصيلين الرئيسيين المشتركين في الحكومة‏(‏ فتح وحماس‏)‏ يتجهان إلي الحسم العسكري‏,‏ فالمتحدثون باسم حماس احتشدوا خلال خطب الجمعة وخاضوا الجولة العسكرية السابعة بين الحركتين علي امتداد عام‏.‏

وفي محاولة لتدارك الموقف استدعت مصر جميع الفصائل‏,‏ لوضع حد لانهيار الاتفاقات بينهما‏,‏ بعد ان سقط‏82‏ قتيلا في شهر مايو الماضي وحده‏.‏ وكما تشير المعلومات الدقيقة فإن تيارا تكفيريا داخل حماس قرر اختطاف الحركة بالكامل قبل هذه الجولة‏,‏ وسوف تكشف التحقيقات عن أن هذا التيار لا يؤمن بالديمقراطية‏,‏ وأنه مرتبط ماليا وتسليحيا بأجندة إقليمية ومخترق فكريا بالقاعدة‏.‏ وقد بدأ ظهوره داخل حماس منذ أن اغتالت إسرائيل الشيخ أحمد ياسين قائد هذه الحركة‏,‏ والذي كان يتميز بحسه الوطني العالي‏.‏ ففي كل المرات‏,‏ التي شهدت صداما بين الفصيلين‏,‏ كان الشيخ الشهيد يشكل صماما للأمان ومرجعية تمنع الاقتتال‏,‏ والأهم من ذلك أنه كان يشكل هو وفريقه السياسي القدرة علي الرقابة والسيطرة علي الجهاز العسكري لحماس‏,‏ ولكن بغيابه توحش هذا الجهاز‏,‏ وتراجعت القيادة السياسية إلي الخلف‏,‏ وفقدت تدريجيا قدرتها علي التأثير‏,‏ وزاد الأمر تعقيدا بعد اتفاق مكة في فبراير‏2007,‏ حيث استثمرت بعض قيادات حماس‏,‏ التي أضيرت من الاتفاق وتم عزلها‏,‏ هذه الحالة لقيادة انقلاب عسكري داخل الحركة‏.‏ ولم تدرك نظرا لضيق أفقها أنها وضعت حركتها بل والقضية الفلسطينية ك
لها في مأزق كبير‏.‏ كما أنها كشفت الغطاء عن المستور من الحركات المسماة الإسلامية والتي تعمل في المجال السياسي ضمن حركات المقاومة‏.‏ وأكدت بدون وعي كل المخاطر والمخاوف التي كانت تكتنف كل المراقبين من هذه الحركات‏.‏

ولاشك أن الصدام العسكري قد كشف هذه الحركة علي حقيقتها‏.‏ فهي تستخدم أسلوب الإرهاب في القتل والترويع‏,‏ وهو أسلوب تنظيم القاعدة‏.‏ حيث نشروا ـ علي سبيل المثال ـ أحد مشاهد التنكيل بقائد من حركة فتح‏,‏ جروه جريحا‏,‏ وأطلقوا النار عليه‏,‏ وركلوا الجثة بالأقدام‏,‏ والغريب أنهم كانوا يرقصون حول الجثث ويهتفون لحماس ـ وقد اعتمدوا علي قوة عسكرية خارجة عن نطاق السيطرة الفلسطينية الكاملة‏,‏ وهي ميليشيات مسلحة‏(‏ مثل القسام والقوة التنفيذيه لحماس‏)‏ والتي حصلت علي دعم خارجي وتسليحي‏.‏

وتشير الأرقام إلي وجود‏(5‏ ألوية كل لواء‏3‏ كتائب ووصل عددها إلي‏30‏ ألف مسلح‏),‏ وكل ذلك من الممكن قبوله وتصوره في ظل احتلال إسرائيلي‏,‏ وكان السلاح محكوما بمرجعية سياسية عاقلة‏,‏ ووطنية رشيدة‏.‏ ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في أنه في الوقت الذي التزمت فيه حماس منذ مارس‏2005‏ بالتهدئة مع الإسرائيليين‏,‏ فإن هذه القوة المتضخمة والمتوحشة وجهت سلاحها للداخل الفلسطيني‏.‏ وبدعوي الاستعداد لمواجهة الغزو أو الاقتحام الإسرائيلي حفرت هذه القوات العديد من الأنفاق‏,‏ التي خزنت فيها المواد المتفجرة التي تبين في الأسبوع الماضي‏(10‏ إلي‏14‏ يونيو الحالي‏)‏ أنها استخدمت لتفجير مقار الأمن الوطني والسلطة الفلسطينية‏.‏ أسامة سرايا

عزلوا هنية وتياره السياسي قبل الانقلاب

وكان من الواضح أن التيار الانقلابي والدموي الذي اختطف حماس قام بعزل وتهميش رئيس الوزراء السابق إسماعيل هنية والمجموعة المرتبطة به‏,‏ ثم استدعته هذه الجماعات علي عجل ليذيع بيانه‏.‏

ويجب أن نستفيض في شرح ما حدث في غزة خلال الأيام الماضية لأن هذه الجريمة يجب ألا تضيع معالمها بدون محاكمة مرتكبيها‏,‏ لأن الوحشية التي نفذت بها عملية الانقلاب غريبة علي الشعب الفلسطيني‏,‏ وليس من المتصور ان يصل الفلسطينيون إلي هذا المستوي الأخلاقي المتدني‏.‏

إننا نعلم أنه في الحروب والاضطرابات يفقد الناس السيطرة علي مشاعرهم وتصرفاتهم‏,‏ لكن ان يصلوا إلي هذا المستوي‏,‏ وهم شعب واحد فيقتلون الجرحي‏,‏ بينما النساء تزغرد‏,‏ فهذا أمر وحشي كله نذالة ودونية‏.‏ ولقد تمادي المنتمون إلي حماس في أساليبهم الإجرامية فأخذوا يقذفون منازل الفلسطينيين بصواريخ الـ‏(‏ ياسين‏),‏ والقذائف المضادة للدروع‏,‏ ويقتلون الأفراد أمام أسرهم‏..‏ والأبناء أمام أمهاتهم‏,‏ ويقتحمون المستشفيات‏,‏ ويقتلون الجرحي‏,‏ ويقومون بالتمثيل بالجثث في الشوارع‏,‏ بل ويلقون الجنود من سفوح الابراج المرتفعة‏,‏ وتعد واقعة الجندي البسيط محمد السواركي نموذجا صارخا لهذا الإجرام‏.‏

والأدهي والأكثر مرارة والذي يجب أن يوضع تحت رقابة لجان التحقيق هو أن الانقلابيين أوميليشيات القسام والجماعات العسكرية المرتبطة بها‏,‏ قد استخدمت أو أعادت استخدام الأساليب نفسها التي استخدمتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في مشهد مروع سوف يظل يستصرخ كل الضمائر الحية‏,‏ ويناديها لمحاكمة القتله والمجرمين بعد ثلاثة أيام من محاصرة وقصف أحد المقار الأمنية أجبرت خلالها الميليشيات المسلحة لحماس أعضاء الجهاز الأمني الذي استسلم لها علي خلع ملابسهم كاملة‏,‏ والركوع امامهم وكأنهم جيش احتلال بغيض‏,‏ في مشهد يعيد للأذهان بربرية جنود إسرائيل في سجن أريحا‏,‏ عندما اختطفوا السجناء‏,‏ ومنهم امين الجبهة الشعبية سعدات‏.‏

إن المسجونين والصور والمشاهد والجرائم كثيرة ويجب رصدها بدقة‏,‏ ونحن هنا في مصر لا ننسي انهم دمروا تمثال الجندي المجهول رمز الشهداء المصريين‏,‏ الذين سقطوا دفاعا عن شرف العروبة وحق الفلسطينيين في الحياة والدولة‏.‏ والفلسطينيون بالقطع لن ينسوا لهم إنزال الأعلام الفلسطينية‏,‏ واقتحام بيوت رموز النضال الفلسطيني عرفات أو أبو جهاد‏,‏ والهجوم علي دير الوردية‏,‏ ومدرسة اللاتين‏,‏ وهما من أقدم الأديرة في الشرق الأوسط‏.‏

وإذا كان العبء الأكبر للجريمة سيقع علي فصيل حماس الذي سمح للتكفيريين والمتطرفين بتغييب الحقيقة ووقع أسيرا للتطرف والأجندات الخارجية‏,‏ فإن هذا لا يعني إعفاء باقي الأطراف الفلسطينية من مسئوليتها عما حدث‏.‏ فالجميع مسئولون أمام محكمة التاريخ في تلك القضية الحساسة‏,‏ التي ستكون امتحانا حقيقيا للشعب الفلسطيني‏,‏ لكي يصحح مساره‏,‏ إذا أراد الحفاظ علي أعدل قضية في التاريخ والدفاع عنها‏.‏ ونحن هنا نساعده لكي يصحح نفسه بكل أمانة‏.‏ لأننا نريد له الانتصار علي عدوه وعدونا الذي احتل أرضه‏,‏ ويرفض أن يسلم له بحقوقه‏,‏ والبعض منا يساعده‏,‏ أو يهزمنا داخليا‏.‏

أخطاء الرئيس أبومازن
أما عن الأطراف التي تتحمل المسئولية عما حدث‏,‏ ففي مقدمتهم الرئيس محمود عباس أبومازن من خلال استخدام صلاحياته واتخاذ القرارات في الوقت المناسب‏..‏ فلقد كان عليه أن يستجيب لنبض الشارع الفلسطيني بإجراء انتخابات مبكرة‏,‏ وبإصلاح وضع السلطة الفلسطينية‏,‏ ومقاومة الفساد ورموزه‏,‏ وأن يرغم حركة حماس‏,‏ شريكه في السلطة‏,‏ علي لجم التيارات المتطرفة داخلها قبل أن تستفحل وتلتهم الحركة كلها‏,‏ ويحد من ظاهرة التدخل الخارجي في الشأن الفلسطيني‏,‏ وأن يأمر حماس بتفكيك التنظيمات التي جهرت علنا بانتمائها للقاعدة مثل جيش الإسلام الذي اختطف الصحفي البريطاني‏(‏ آلان جونستون‏),‏ وشارك في أسر الجندي الإسرائيلي‏(‏ جلعاد شليط‏).‏

وفي الوقت الذي كان فيه الشارع الفلسطيني يقف خلف الرئيس محمود عباس ويمنحه التفويض الذي انتخب علي أساسه‏,‏ كانت حسابات التوازن الداخلي والخارجي تشل قدراته علي الفعل حتي وقعت الكارثة الفلسطينية التي لن يسلم منها أحد‏,‏ وسيدفع الجميع ثمنها غاليا‏.‏

دور إسرائيل في الكارثة‏!‏
وتتحمل إسرائيل مسئولية كبري في تلك الكارثة التي سوف تؤثر عليها وعلي المنطقة كلها‏..‏ كما أنها مسئولة عن وصول الأمور إلي حافة الهاوية‏,‏ وتفاقم الصراعات وذلك باستمرار احتلالها أراضي فلسطين بل أنها لعبت دورا مباشرا في الفترة الأخيرة للوصول إلي هذه النقطة الحرجة‏,‏ باستمرارها ببثها دعايات غير حقيقية عن دعمها للسلطة الفلسطينية‏,‏ بينما هي في حقيقة الأمر تعمل علي إضعافها أمام الفرقاء في الساحة الداخلية‏,‏ كما بثت أخبارا كاذبة عن دعم مصري عربي وتسليحي للسلطة الفلسطينية‏.‏ وقد استخدم التيار الانقلابي هذه الدعايات المغرضة والمسمومة كذريعة لتنفيذ انقلابه‏,‏ بدعوي القيام بحرب استباقية في مواجهة هذا المشروع المزعوم‏.‏

كيف تري مصر الأزمة؟‏..‏ وما هو دورها المستقبلي ؟
ومن المفارقات أنه في مواجهة هذه الاتهامات الباطلة‏,‏ تحملت مصر بكبرياء وشمم‏,‏ كل الدعاوي المغرضة‏,‏ التي كان منها قيام لجنة في الكونجرس الأمريكي بحملة صهيونية محمومة للمطالبة بمعاقبة مصر‏,‏ بدعوي مسئوليتها عما يسمي غض الطرف عن التسليح الواسع النطاق الذي حصلت عليه حماس بكميات هائلة من المتفجرات والذخائر‏,‏ والتي أخلت بميزان القوة الداخلي‏.‏

والمؤسف أن هذا الادعاء يأتي في الوقت الذي تحرص فيه مصر علي منع اندلاع أي محاولة للاقتتال الداخلي‏,‏ كما أنها عرضت سمعتها ومكانتها لمخاطر جمة عندما بادرت بتكليف فريق أمني لمدة أكثر من عام ونصف العام علي أعلي مستوي‏,‏ بالإقامة الكاملة في غزة‏,‏ والتفرغ التام لنزع فتيل كل أزمة يمكن أن تحدث بين الفرقاء في غزة‏.‏

وتحملت مصر بكبرياء التجاوزات التي حدثت‏,‏ ومست مكان الوفد الأمني في الوقت الذي حرض فيه هذا التيار الانقلابي في حماس بعض التنظيمات المرتبطة به من الباطن‏(‏ اللجان الشعبية وكتائب صلاح الدين وغيرها‏)‏ بافتعال مشكلات مع السفارة المصرية‏.‏

وتكررت محاولات اختراق الحدود‏,‏ ووصل الأمر لقتل جنود مصريين علي الحدود في رفح ولم تقبل القيادة المصرية القيام بأي إجراءات رادعة لإدراكها أن الفلسطينيين هم المتضررون وليس أفراد الميليشيات‏.‏

والحقيقة أن الدور المصري تجاه الأوضاع الحالية ينحصر في النقاط التالية‏:‏
{‏ العمل علي استعادة ورد الاعتبار للقضية الفلسطينية نفسها‏,‏ إذ لا يمكن السماح لأي فصيل مهما كان وزنه أن يكون أكبر من قضية شعبه‏,‏ أو أن يسيء إليها‏..‏ فالمعيار للوطن وللقضية‏,‏ وليس الفصيل وميليشياته‏.‏

{‏ من واقع التزام مصر الثابت تجاه الشعب الفلسطيني أيا كان من يحكمه‏,‏ فهي لن تتواني عن دعمه ومساعدته حتي يتخلص من الاحتلال الإسرائيلي‏,‏ مثلما سارعت بمساعدة الفلسطينيين في لبنان في مخيم نهر البارد‏.‏ وسيبقي هذا الموقف ثابتا تجاه الشعب الفلسطيني في غزة حتي يتخلص من محنة الحصار الاقتصادي الذي تفرضه إسرائيل‏,‏ وسوف تزداد رغبته في مساعدة غزة بعد الغزوة الأخيرة ومغامرة الانقلاب العسكري‏,‏ وسوف تعمل علي استعادة شرعية السلطة‏.‏

{‏ إن مصر ما زالت تعتبر حركة حماس في مجموعها جزءا مهما يعبر عن شرائح كبيرة من المجتمع الفلسطيني‏,‏ ولكن يجب عليها ألا تسمح للتيار الدموي الانقلابي والتكفيري أن يختطف هذه الحركة الكبيرة ليقودها إلي صدام مع شعبها الفلسطيني أو محيطها العربي‏,‏ أو استغلالها للإساءة إلي الإسلام بالتمييز بين الانقلابيين والميلشيات السياسية‏.‏

{‏ إن مصر تدرك أبعاد مؤامرة فصل غزة عن الضفه‏,‏ وهو مشروع إسرائيلي نفذته أطراف فلسطينية‏,‏ وسوف تبقي مصر مدافعة عن وحدة الشعب والأرض والقضية الفلسطينية‏.‏

{‏ كما أن مصر رفضت ولن تقبل فرض التدويل الذي تحاول إسرائيل تمريره‏,‏ ولن تقبل وجود عسكري أجنبي واحد‏,‏ وهي تعارض إرسال قوات دولية إلي غزة قبل أن يكون ذلك مرتبطا بمشروع سياسي تشرف فيه القوات الدولية علي انسحاب إسرائيل من كل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام‏,1967‏ وينتهي بإعلان قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف‏.‏

ماذا بعد كشف التيارات الدينية المتطرفة؟
وإذا كانت التيارات الدينية المتطرفة‏,‏ التي حاولت السطو علي قضية الشعب الفلسطيني‏..‏ قد كشفت عن وجهها القبيح‏(‏ بحادثة غزة يونيو‏2007),‏ ووضعت المستقبل والحلم الفلسطيني في مأزق‏,‏ أو كارثة مفزعة حقيقية‏,‏ فإننا نؤكد أنه من الممكن اجتيازها‏,‏ ولكن الدرس هذه المرة يجب أن يكون حاسما للجميع‏,‏ ولا يتكرر مرة أخري في المستقبل‏,‏ وأن نعمل معا حتي لا يستمر خلط الأوراق بين ما هو سياسي وديني‏..‏ وبين المقاومة الحقيقية والقوي التي تعمل للردة والعودة بنا إلي عصور قديمة كاستعادة الخلافة وغيرها‏.‏ فالمشروع الذي يقدمه الانقلابيون في غزة هو إمارة للإخوان المسلمين‏,‏ وتنظيمهم العالمي‏,‏ ولقد كشفت هذه القضية كل هذه الجماعات المأخوذة عن حركة الإخوان بكل أشكالها‏,‏ كما كشفت التيارات السياسية التي تأخذ الدين كماركة سياسية وأظهرت أنها ضد الديمقراطية‏,‏ وأنها تستخدمها للوصول إلي السلطة‏,‏ ثم الانقلاب علي الشارع‏,‏ الذي أوصلها إلي سدة الحكم‏..‏ فالديمقراطية لا يمكن اختزالها بالحصول علي أصوات الناخبين‏,‏ وإنما تتمثل في احترام الحريات السياسية والتعددية وحماية المواطنة بلا تمييز‏,‏ بل نبذ كل أشكال العنف‏,‏ خاصة إذا كان دمويا وإرهابيا كالذي شهدناه في غزة علي أيدي مسلحي حماس وميليشياتها‏.‏

وإذا لم تبرأ كل التنظيمات الإسلامية في منطقتنا من جريمة حماس في غزة ومن الدم المسفوك فإنها تعتبر شريكا بالتضامن مع هذه الجريمة البشعة‏,‏ وعلينا ان نحاكم الجميع وحتي المتواطئين معهم في كل بلادنا لأن السكوت عن هذه الجريمة بكل بشاعتها يعني تأييدا لها أو حضا علي مرتكبها في بلادنا‏.‏

ومن حق مجتمعاتنا العربية جميعا أن تلجم هذه التيارات السياسية التي تلعب بالدين وتجعله شعارا لها وهي تستعد لكي تنقض علي المجتمع المدني وتقوم بعسكرته وتدميره‏.‏

ومن حق مجتمعاتنا أن تمنع هذه التيارات من استغلال الديمقراطية لكي تتغلب عليها مستقبلا‏.‏

مستقبل قضية فلسطين
وما حدث رغم فظاعته يعد أداة يقظة‏,‏ وتصحيحا علي مستوي الشعوب العربية ودولها لمواجهة التطرف والإرهاب الديني‏,‏ والصحوة في المواجهة والفرز والمحاكمة‏,‏ ولكن يجب ألا ينسينا ذلك قضيتنا الكبري فنسارع بدعمها‏,‏ وتكريس طاقتنا لشرح خطورة استمرار اضطهاد الشعب الفلسطيني‏,‏ وعدم تقرير مصيره‏,‏ وتأثير ذلك علي الاستقرار الإقليمي والعالمي في ضوء اتساع رقعة الإرهاب والتطرف‏.‏

وعلينا أن نحذر العالم كله من غياب الأفق السياسي أمام الفلسطينيين‏,‏ وأن نحذر الإسرائيليين‏,‏ وأي أطراف إقليمية أخري من استغلال هذا الموقف الدقيق والعصيب باستغلال الانقلاب العسكري في غزة لتمرير أي مشروعات تنتقص من حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة‏,‏ أو تربطه بمشاريع إقليمية لا تستهدف علي الإطلاق مصلحته وقضيته‏.‏

ولأن كل محاولة لإعادة إحياء عملية السلام يجب أن تبدأ بالاعتراف بوحدة الولاية السياسية الجغرافية لكل الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام‏1967,‏ في قطاع غزة والضفة الغربية وصولا للقدس‏,‏ فيجب أن يكون حدث غزة برغم خطورته وتداعياته حافزا للجميع للعودة إلي هذه النقطة فورا‏,‏ وليس سبيلا للانهيار والصراعات التي يتضرر منها الجميع‏.‏

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى