مقالات الأهرام اليومى

حـتي لاننسـي عطـــــاء هذا الجيل من المصريين

القائد الذي تولي حكم مصر‏,‏ وهي تترنح تحت ضربات شرذمة من الإرهابيين‏,‏ اغتالوا رئيسها ونشروا الرعب في أرجائها‏,‏ فأصبحت تحت رئاسته دولة قوية قادرة بالإرادة والقانون‏,‏ أن تستأصل هذا الوباء الأسود‏..‏ هذا القائد ليس بحاجة إلي من يدافع عن قيادته‏.‏ والرئيس الذي تولي حكم مصر ورءوس تياراتها السياسية والفكرية في أغلال الحبس والاعتقال فأطلق سراحهم وأقلامهم وأنشطتهم‏,‏ وأبدي معهم من الصبر والتسامح ما لم تشهده مصر من أي قيادة في تاريخها القديم والحديث‏..‏ هذا القائد ليس بحاجة إلي من يدافع عن وطنيته وحكمته‏.‏

والرجل الذي تولي حكم مصر‏,‏ وهي شبه عاجزة عن تدبير فاتورة الغذاء لشعبها‏(7‏ مليارات جنيه‏)‏ وإنتاجه المحلي الإجمالي لم يتجاوز‏35‏ مليار جنيه‏,‏ فوصل به إلي ما يزيد علي‏900‏ مليار جنيه‏,‏ وقد بلغت فاتورة الغذاء‏175‏ مليار جنيه‏..‏ هذا القائد ليس بحاجة إلي من يتحدث عن إنجازاته‏.‏

إنها قائمة طويلة من التناقضات بين ما كنا فيه عام‏1981,‏ وما أصبحنا عليه الآن‏,‏ تشهد بأن مسيرة إنجاز الرئيس حسني مبارك لم تتوقف برغم الزيادة السكانية المتتابعة التي قفزت بعدد السكان من‏42‏ مليون نسمة إلي‏75‏ مليونا‏.‏ ومع ذلك فإن بيننا من أغرتهم حكمة مبارك وصبره وتسامحه وحرية الرأي التي أطلقها دون قيود‏,‏ فأنكروا علي هذا البلد قيادته وشعبه‏,‏ برغم ما تنطق به وما تشهد عليه كل ملامح الحياة علي أرض مصر‏.‏ وهو إنكار لجزء من التاريخ وجهد السنين‏,‏ ومحاولة لتثبيط الهمة التي نحتاج إليها اليوم وغدا في معارك التنمية التي نخوضها‏,‏ فمصر تبدو في كتاباتهم وأحاديثهم كما لو كانت أمة تلهو وشعبا يلعب‏.‏ والأمر يحتاج إلي جهد كبير لمواجهة تلك المحاولات دفاعا عن جزء من تاريخ مصر وعن عطاء هذا الجيل من المصريين‏.‏

فحينما تولي مبارك حكم مصر‏,‏ في لحظة من لحظات الدراما القومية المصرية‏,‏ كان عليه أن يواجه لفيفا معقدا من الأزمات في الأمن والسياسة والاقتصاد‏,‏ يذكرها الكثيرون جيدا ويعرفون تداعياتها الخطيرة‏.‏ ففي ذلك الوقت تقاطعت قيادة مبارك مع الثقافة السياسية المصرية السائدة آنذاك في شيئين‏:‏ الواقعية والصراحة‏,‏ وهما من الفرائض التي غابت عن الخطاب السياسي المصري طويلا‏,‏ ويبدو أن الحنين إلي الرومانسية السياسية‏,‏ وخطابها المفعم بالآمال والأحلام قد أقعد الكثيرين عن الاستجابة زمنا لتلك اللغة الجديدة التي جاء بها مبارك فغير وجه الحياة السياسية المصرية‏,‏ وكانت صراحته كفيلة بأن نستفيق علي حجم المشكلات التي كانت تواجهنا‏,‏ وكانت واقعيته صمام أمان لوضع حلول ناجعة لتلك الأزمات الخانقة‏,‏ ولكنها بدت للبعض بطيئة في زمن كنا نريد فيه أن نمشي ونجري ونطير في آن واحد دون أولويات واضحة‏.‏

وبعد تلك السنوات لاينكر منصف أننا تجاوزنا الكثير من مشكلات الأمس ـ إذا كنا نذكرها جيدا كما ونوعا ـ وهي التي كانت متراكمة ومعقدة‏,‏ ولايعني ذلك أننا أصبحنا مجتمعا بلا مشكلات‏..‏ ولكن الحقيقة أننا نواجه جيلا جديدا منها‏,‏ فلدينا اليوم مشكلات في التعليم والصحة ولكنها تتعلق بمستوي التعليم‏,‏ وكفاءة الرعاية الصحية‏,‏ بعد أن كانت تتعلق بوجود المدرسة وظهور المستشفيات في كل مكان يعيش فيه المصريون‏,‏ والشيء نفسه في الطرق والغذاء‏,‏ ومياه الشرب ومستويات المعيشة بوجه عام‏..‏

لقد كان ضروريا أن ننشئ المدرسة قبل أن نتحدث عن مستوي التعليم‏,‏ ونقيم المستشفي قبل أن نتكلم عن مستوي الرعاية الصحية‏,‏ وكذلك استصلاح الأرض قبل أن نناقش جودة المحاصيل‏,‏ ففي عام‏1981‏ لم يكن عدد المستشفيات القروية يزيد علي‏39‏ مستشفي‏,‏ أما الآن فقد أصبح لدينا‏800‏ مستشفي‏.‏

وتشير الإحصاءات الدولية إلي ارتفاع متوسط عمر الذكور في مصر من‏58‏ سنة عام‏1981‏ إلي‏69‏ سنة الآن وعمر الإناث من‏60.6‏ إلي‏72.8‏ سنة خلال الفترة نفسها‏,‏ وهذا دليل علي أن تطورا كبيرا قد تحقق في التعليم والرعاية الصحية والوعي ومستوي المعيشة وأن العقدين الماضيين شهدا إنجازا غير مسبوق‏..‏ وربما لم يكن ما تحقق هو غاية الجهد منا لكنه كان أكثر ما سمحت به ظروفنا الداخلية والظروف المحيطة بنا إقليميا وعالميا‏.‏

…………………………………………………………….‏
وأود هنا أن أتوقف عند جهد هائل بدأ دورانه في الجامعات المصرية الحكومية والخاصة وهو وضع وتنفيذ معايير الجودة والاعتماد العالمية في التعليم الجامعي المصري‏,‏ وهي روح جديدة من النظام والانضباط العلمي‏,‏ تبعث الآن في تلك الجامعات‏,‏ وسوف يتحقق لنا بعد سنوات قليلة نظام من التعليم الجامعي‏,‏ لن يقل جودة وكفاءة عن نظيره في دول أخري سبقتنا في هذا الطريق‏.‏ أسامة سرايا

و لم يكن لهذا العمل أن يبدأ قبل أن نستكمل نشر مؤسسات التعليم الجامعي في مناطق ظلت محرومة منه طويلا‏,‏ وتحمل أبناؤها مشقة الترحال وتكلفة الاغتراب لاستكمال تعليمهم الجامعي‏,‏ ولم نعد نتحدث كما كنا بالأمس‏,‏ عن ندرة تلك المؤسسات التعليمية في الصعيد والدلتا ومنطقة القناة بل نتحدث اليوم عن جودة التعليم حيث إن لدينا الآن جيلا آخر من مشكلات التعليم في مصر يتطلب حلولا أخري وجهدا آخر ولكنه لاينفي حقيقة أن التعليم الجامعي في مصر أصبح اليوم قادرا علي استيعاب نصف مليون طالب سنويا مقابل‏140.000‏ طالب عام‏1981.‏

ومع ذلك مازال الماضي بكل مشكلاته يشد الكثيرين منا إليه‏,‏ تشويها لواقع أفضل نعايشه‏.‏ ويبدو أن هذا الماضي أصبح إحدي السمات الشخصية في مصر والمنطقة من حولنا‏.‏ فما أكثر الذين كتبوا عن مصر‏,‏ وما أكثر محاولات فهم الشخصية المصرية‏.‏ وربما انتهي هؤلاء جميعا إلي صعوبة فهم شخصية تراكمت خبراتها وقيمها وتصوراتها عبر تاريخ طويل تواصل في بعض عناصره وانقطع في بعضه الآخر‏.‏ فشخصية مصر لاتدين بوجودها لعصر واحد من عصورها التاريخية الطويلة‏,‏ ولاتدين بملامحها لجنس أو عرق واحد من أجناس وأعراق كثيرة عبرت أرضها واستوطنت فيها‏,‏ وإنما مصر بوتقة صهرت في ربوعها تاريخ الإنسان ومعظم أقاليم الأرض‏,‏ وعرفت عبر التاريخ مرات ومرات زهوة الانتصار وحسرة الانكسار‏,‏ وعايشت عصور القوة وأزمنة الضعف وخبرت رغد الوفرة وشظف الفقر‏.‏ وفي كل الأحوال استطاعت أن توجد لنفسها في مسيرة الحضارة البشرية مكانة خاصة ربما لاتشبهها دولة أو قومية أخري‏.‏

لقد أورثنا ذلك التاريخ الضارب في أعماق الزمن‏,‏ قيما مكنتنا من البقاء والاستمرار ولكنه غرس فينا ـ أيضا ـ تصورات أبطأت خطانا‏,‏ وأثقلت مسيرتنا‏.‏ فمجد الماضي قليلا ما أصبح قوة دافعة لجهد الحاضر في اتجاه المستقبل‏,‏ بل أصبح الحنين إلي الماضي سمة غالبة في ثقافتنا الاجتماعية‏,‏ وقليلا ما تجد من يعترف بأن اليوم أفضل من الأمس‏,‏ حتي وإن أقر في مواجهة الأدلة الدامغة بأن اليوم أفضل كثيرا مما كان عليه الحال من قبل‏.‏ وهذه السمة القائمة في ثقافتنا كفيلة بتعطيل مساعينا نحو غد أفضل‏,‏ وهي تغري المغامرين السياسيين بإهالة التراب علي كل شيء‏,‏ ونكران كل تطور في واقعنا المعيش‏.‏

فالذين جاءت بهم ثورة يوليو من أعماق الريف المعزول‏,‏ تاريخيا وجغرافيا‏,‏ إلي حياة عصرية يمارسون فيها حق الحياة والمشاركة‏,‏ يتحدثون بحنين ـ يبلغ الوجد ـ عما قبل ثورة يوليو‏.‏ والذين خرجوا من غيابات الاعتقال والسجن إلي عالم الحرية‏,‏ كتابة وتعبيرا وانتقادا‏,‏ يتحدثون عن سلطوية من أطلقوا حريتهم من محبسها‏,‏ والذين يعودون اليوم إلي الريف الذي جاءوا منه وقد تغير فيه كل شيء نحو حياة عصرية وإنسانية‏,‏ يتحدثون بإعجاب شديد عن ماضي الريف الأليم الذي ولي‏,‏ والذين عايشوا أزماتنا الطاحنة في المرافق الأساسية ووقفوا زمنا في طوابير طويلة من أجل كل شئ يشدهم الحنين إلي ذلك الزمان الذي لايستطيعون تحمل معاناته يوما واحدا‏.‏

…………………………………………………………….‏
إن بيننا اليوم من يستثمر‏,‏ سياسيا‏,‏ مزايا الحنين إلي الماضي في الشخصية المصرية لنشر الإحباط وزرع اليأس‏,‏ والتنكر لما تحقق في مسيرة عامرة بالإنجاز في حاضرنا الذي نعيشه‏.‏ صحيح أن هذه الإنجازات لم تضع بعد نهاية لكل مشكلاتنا‏,‏ ولكنها دليل علي عمل وجهد وتخطيط ورؤية‏,‏ وبدونها كانت الحياة اليوم أسوأ كثيرا كثيرا‏,‏ والاعتراف بإنجازات الحاضر يعظم الثقة في قدراتنا علي الاستمرار في مواجهة مشكلاتنا‏,‏ وبذل المزيد من الجهد وتخطي الكثير من العقبات‏.‏ والحقيقة التي تكشف عنها التجارب التنموية في كل بلاد الدنيا هي أن التنمية الفعلية لن تتحقق في مناخ يعمل البعض فيه علي نشر الإحباط واليأس‏.‏ وفي مصر اليوم أصوات كثيرة أصبحت ـ باليأس الذي تريد نشره ـ تمثل عقبة أمام كل جهد تنموي حقيقي‏.‏

أوقفوا حملة صناعة المزاج الساخط
ويحلو للبعض كثيرا أن يردد مسألة إيجاد مشروع قومي لتعبئة الجهد العام وراء هدف واحد‏,‏ وهو تفكير نابع من الحنين إلي الماضي أيضا‏,‏ فما أكثر المشروعات التي تمت في واقعنا الراهن بأحجام تفوق مرات ومرات حجم السد العالي‏,‏ وليست قضيتنا الآن وجود مشروع قومي علي غرار ما كان بالأمس‏.‏ فقضيتنا اليوم هي ترسيخ شعور قومي بحقيقة أن مصر اليوم أفضل مما كانت‏,‏ وأنها راغبة وقادرة علي تحقيق المزيد من الإنجازات وأنها وطن به من الجمال أضعاف أضعاف ما فيه من القبح‏..‏ ونحن بحاجة إلي استعادة الثقة في قدراتنا‏,‏ والاعتراف بما تحقق من أجل بث الثقة في نفوس أجيال سوف تتولي المسئولية‏.‏ وبحاجة أيضا إلي حماية أنفسنا من المزاج الساخط الذي يحاول البعض‏,‏ لأهداف خاصة‏,‏ أن ينشره في الصحف والفضائيات والأحاديث الشخصية اليومية‏.‏

إنني أدعو مثقفينا وأساتذة الجامعات والمدرسين وغيرهم إلي مبادرة تحمي هذا الجيل من مزاج اليأس الذي تعمل من أجله فئات منا‏..‏ مبادرة الثقة فيما تحقق والأمل فيما هو قادم بالخير لمصر والمصريين‏.‏
osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى