مقالات الأهرام اليومى

وثيقتان جديدتان لمصر

يشهد من يتابعون العمل السياسي المصري‏,‏ داخليا وخارجيا‏,‏ قدرة مصر الفائقة علي التجدد ومتابعة الأحداث‏,‏ بل والتحرك قبل وقوعها‏.‏ فهذا العمل تقوده الرؤية والبصيرة التي يتمتع بها الرئيس حسني مبارك الذي أضاف خلال اليومين الماضيين وثيقتين جديدتين بالغتي الأهمية لعملنا الوطني في التاريخ الحديث‏.‏

الأولي‏:‏ ما ذكره الرئيس في الاحتفال بمرور‏25‏ عاما علي تحرير أرض سيناء كلها من الاحتلال وتجاوزنا هزيمة‏1967‏ معنويا وفعليا علي أرض الواقع‏.‏

والثانية‏:‏ ما أكده الرئيس في الاحتفال السنوي بعيد العمال‏,‏ إذ قدم لهم وللشعب من خلالهم حصاد عمل الأمة ونتائجها الراهنة والمستقبلية بوضوح ودقة‏.‏ وأجاب عن السؤال الذي يشغل بال الجميع‏:‏ ماذا نفعل الآن؟ وما هي خططنا المستقبلية؟‏.‏ وقد أرسي بذلك مبدأ السياسة بالمشاركة‏,‏ فالرئيس يضع شعبه ومواطنيه والرأي العام أولا بأول أمام الحقائق‏,‏ عبر خطاباته المباشرة وأحاديثه الإعلامية ولقاءاته مع المواطنين في مختلف مواقع العمل والإنتاج‏,‏ ويخبرهم بكل الأخبار ودقائق وتفصيلات العمل الوطني ويشرح لهم سياساته بالأرقام وبالحقائق وهو مايترجم الشفافية الكاملة وحق الشعب أن يعرف وأن يتابع ليشارك وهي الوسيلة التي تدفعه للفاعلية ولعب الدور المؤثر بعيدا عن التهميش‏,‏ وتلك من صميم الديمقراطية الحقيقية التي نسعي إليها‏.‏

وحتي يتحقق الهدف كاملا ينبغي علينا أن نناقش كل مايطرحه من معلومات وأفكار لكي ندفع عملنا الوطني إلي الأمام ونخلصه من كل المعوقات ونضعه دوما في المكانة التي يستحقها‏,‏ ولأن هذا يساعدنا في سرعة إرساء النظام الديمقراطي الذي يضطلع الرئيس مبارك بالدور الأكبر في بنائه‏,‏ وهو ما نطلق عليه البنية الأساسية‏,‏ وهي ضرورة حتي يستقر النظام الديمقراطي في تربته‏,‏ وأيضا لكيلا نتعرض للفوضي أو الردة خلال عملية التحول والإصلاح السياسي أو في أي مرحلة مقبلة‏.‏

لقد استهل الرئيس مبارك وثيقته الأولي بتذكيرنا بحقائق الوضع الذي عاشته مصر عقب احتلال جزء من ترابها الغالي‏,‏ وهو مالا يمكن أن ينساه الشعب المصري الذي يرفض احتلال أرضه‏,‏ وقد ظل يقاتل في حرب استنزاف طويلة ضد الاحتلال‏,‏ ثم في حرب تحرير بطولية خاضها جيشنا بقرار شجاع وضع حدا لكل حملات التشكيك في شجاعة وقدرة قواتنا المسلحة وعزيمتها علي استرداد الأرض وإنهاء الاحتلال واستعادة شرف الوطن وكرامته‏,‏ وقد كشفت هذه المرحلة عن المعدن الأصيل لهذا الشعب‏,‏ فلقد عبر جيشنا في تلك الحرب الأسطورية قناة السويس وحطم خط بارليف‏,‏ وكانت معركة غير مسبوقة لكنها لم تحصل علي حقها بالكامل وما قدمته مصر فيها‏,‏ وسوف يكشف التاريخ فيما بعد عظمتها العسكرية وكيف أن مصر وقفت ضد أطماع المحتلين‏,‏ وتصدت للقوة الكبري ـ بكل غطرستها وعدوانيتها وعدائها اللا محدود ـ في مساعدة العدو‏,‏ ولكننا بالرغم من ذلك حررنا أرضنا وثأرنا لشهدائنا في حرب‏1967.‏

السياسة بالمشاركة مبدأ أرساه الرئيس مبارك واضعا كل الحقائق أمام الشعب

قرار السلام الذي اتخذته مصر هو المبادرة العربية التي أدركوا مضمونها بعد ربع قرن

تحرير سيناء فتح الطريق أمام تحرير مماثل لحياتنا السياسية والاقتصادية

الدولة أكدت التزامها بحماية محدودي الدخل ولن يتأثر أي مواطن بالمضي قدما في تحرير الاقتصاد

ولقد كان الرئيس مبارك أحد أبطال تلك المرحلة التاريخية حيث بني سلاح الطيران في المعركة التي قدرها كل العسكريين المنصفين بأنها كانت مفتاح النصر للجيش الذي تفوق علي سلاح العدو بكفاءة وقدرة طيارينا فهزموا التفوق التكنولوجي والطائرات الحديثة‏,‏ مع أن ما كان تحت أيدينا أقل بكثير من الترسانة العسكرية الإسرائيلية التي فتحت أمامها الولايات المتحدة والغرب كل ما تملكان من طائرات وتكنولوجيا حديثة‏,‏ في وقت كانت مصر تعاني فيه قلة التسليح وعدم مواكبته التطور والأحداث‏.‏ أسامة سرايا

إن النصر العسكري المصري في حرب‏73‏ لم ينل حقه لأننا لم نكن قادرين علي مكاشفة الرأي العام بمواقف التسليح وظروفنا في فترة الحرب ولأن الأعداء تكاثروا علينا كما أن التحولات في عالمنا المعاصر كانت في بدايتها‏.‏ ولأننا نملك عقلية المنتصرين فلم نكتف بالنصر ثم نصبر علي ما تبقي محتلا من أرضنا‏,‏ أو أن نتباكي علي اختلالات القوة في عالمنا المعاصر ونحمل الظروف والتغييرات العالمية أسباب الاحتلال‏,‏ فالمصري يرفض أن تستمر أرضه في قبضة الغير وهذا هو سر عظمته التاريخية‏,‏ بل وريادته المنطقة التي يعيش فيها‏,‏ ومن هنا تم اتخاذ القرار السياسي الحكيم‏.‏ وجاءت مبادرة السلام التي فتحت الطريق أمام صفحة جديدة في التعامل مع النزاع العربي ـ الإسرائيلي‏.‏ دون التنازل ـ كما شخص الرئيس مبارك في وثيقته التاريخية ـ عن أي شبر واحد من أرض مصر‏,‏ أو التفريط في ثوابت مواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية أو الحقوق العربية المشروعة‏.‏

وهكذا كان هذا القرار هو المبادرة العربية التي أدرك العرب مضمونها بعد ربع قرن‏.‏ واعترفوا بها في قمة بيروت عام‏2002,‏ ثم قمة الرياض عام‏2007.‏ والتي يجري عليها التفاوض الآن علي كل المسارات‏,‏ بل هي المفتاح الذي يجب أن تعتمد عليه سياستنا في الوصول إلي الحق العربي والدولة الفلسطينية التي حصلت علي اعتراف عالمي‏,‏ وبقي أن نترجمه علي أرض الواقع‏.‏

طريق الإصلاح
إن تحقيق هذا الهدف يحتاج إلي مجهود وعمل منظم طويل من العرب في كل المجالات‏,‏ وقد استحق صاحب القرار الرئيس الراحل أنور السادات وقواتنا المسلحة أن تتذكرهم مصر في احتفالها‏,‏ رمزا لوفائها لأبطالها وأبنائها المخلصين‏.‏ وأن يوجه لهم الرئيس حسني مبارك في ذكري هذا اليوم الخالد في تاريخنا كلمة أمام شعبه تستعيد بالتقدير والوفاء ذكري الرئيس السادات بطل الحرب والسلام وشهدائنا البررة‏.‏

ولقد فتح تحرير سيناء الطريق لتحرير مماثل لحياتنا السياسة والاقتصادية‏,‏ فتخلصنا من التطرف والإرهاب‏,‏ ومضينا في انطلاقة غير مسبوقة ومتواصلة للإصلاح الاقتصادي والسياسي‏.‏

مبارك والعمال
وهذا يقودنا إلي الوثيقة الثانية‏,‏ وهي خطاب الرئيس مبارك في عيد العمال يوم‏26‏ أبريل الحالي أمام حشد من عمال مصر الذين اجتمعوا حوله وهو يحتفل بهم في عيدهم‏,‏ الذي تحول إلي مناسبة ليس للاستماع إليه فحسب‏,‏ ولكن أيضا ليشحذوا هممهم وقدرتهم علي العمل والاستمرار في مسيرة عظيمة لأبناء مصر الحديثة خلف قائدهم الذي منحوه ثقتهم وحبهم وأدركوا أن مسيرة الإصلاح والتنمية والتطور تخصهم وأنهم شركاء رئيسيون‏,‏ بل إنهم الشريك الأول في هذه المسيرة‏,‏ وأدركوا أيضا أن السماح للشركات العالمية والاستثمار العربي والأجنبي بالعمل في مصر هدفه توفير فرص العمل للمصريين ومواجهة النمو السكاني الكبير ورفع مستوي معيشة الشعب‏,‏ وأنه بالرغم من ذلك لن يمس أحد حقوقهم‏,‏ فهم أصحاب المصلحة ولايمكن تجاوزهم لأنهم خط أحمر لن يتم الاقتراب منه‏,‏ وهكذا ساد الشعور بالأمان بين العمال وهم مع الرئيس في يوم عيدهم‏.‏

إننا الآن في مرحلة‏,‏ أو علي سبيل الدقة علي أعتاب مرحلة جديدة تجني فيها مصر ثمار الإصلاح‏,‏ وفي هذا الصدد فإن الأرقام تغني عن التشخيص‏,‏ وهذه بعضها‏:‏

*‏ زاد الاستثمار المحلي بنسبة‏30%,‏ وتجاوزت الاستثمارات الخارجية‏8‏ مليارات دولار في العام الحالي‏.‏

*‏ وصل معدل النمو إلي‏7%‏ في كل المجالات‏,‏ ونبني‏63‏ منطقة صناعية‏,‏ وتطورنا في قطاع الصناعة‏,‏ وتصب علاقاتنا مع العالم شرقه وغربه في هذا القطاع‏.‏

البعد الاجتماعي جزء من المسيرة
وعندما طالب أحد العمال بزيادة منحة عيد العمال خرج الرئيس مبارك عن نص خطابه وقال يجب أن تزيد الإمكانات‏,‏ وعندما تزيد سوف تنعكس هذه الزيادة فورا علي العمال‏.‏

إن الرئيس يقول وينبه ويعمل في كل المجالات ويحافظ علي أمن الوطن ولقمة عيش المواطن‏,‏ ويتيح له حرية كاملة‏,‏ ويفتح أمامه آفاقا واسعة‏,‏ ومجالات خصبة وحيوية للتطوير والإبداع الخلاق‏.‏ ولم يكن التركيز علي النمو الاقتصادي الذي تحقق أو إدارة أصول المال العام في أي يوم من الأيام‏,‏ علي حساب الأولوية التي وضعها الرئيس مبارك أمام حكومته وهي البعد الاجتماعي للإصلاح والتنمية‏,‏ وقد حدد في وثيقته أمام العمال أن البعد الاجتماعي جزء لا يتجزأ من مسيرتنا في مراحلها المتعاقبة‏,‏ فالدولة‏,‏ وهي تمضي في تحرير الاقتصاد‏,‏ ملتزمة كل الالتزام بحماية محدودي الدخل‏,‏ وسوف تستخدم في المرحلة المقبلة نتائج التعداد الأخير للسكان في الوصول بالخدمات إلي المواطن الأكثر فقرا واحتياجا‏.‏

التفاوض الجماعي
ولعلنا نتوقف عند الصورة التي تجمع بين السياسة والاقتصاد في آن واحد وتكشف طريقة التطور والنمو في مصر‏,‏ وتشير إلي الحراك السياسي الذي فتح الرئيس طريقه خلال العامين الماضيين‏,‏ وتكرس دستوريا بعد التعديلات الأخيرة وعقب نقل السلطة للشعب من خلال الأحزاب السياسية والانتخاب الحر المباشر للرئيس‏.‏

وهذه الصورة تظهر بوضوح في الحوارات التي تحدث يوميا بين العمال وأصحاب الأعمال في القطاعين العام والخاص‏,‏ حيث يجري الاستماع إلي شكاوي العاملين ويتم إعطاؤهم حقوقهم المشروعة‏,‏ وهما سمتان من أبرز سمات الحراك المجتمعي والمكاسب الأخيرة التي حققها العمال‏,‏ والتي انعكست في وضع الكثير من الحلول لمعاناة العاملين‏,‏ وكان من نتائجها تلك الصورة الديمقراطية عبر التفاوض الجماعي بين الطرفين وبمشاركة الحكومة وممثلي نقابات العمال والنتيجة ليست الوصول إلي حلول فقط‏,‏ ولكن أيضا العمل علي تقنين الأوضاع ووضع القواعد التي تكفل حقوق العاملين وطريقة حصولهم عليها‏.‏

إنها ثمار العمل السياسي والاقتصادي الجاد الذي تسير فيه مصر الآن‏,‏ والذي تعكسه علاقاتها السياسية والاقتصادية العميقة والقوية مع معظم دول العالم‏,‏ انطلاقا إلي المستقبل‏.‏
osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى