مقالات الأهرام اليومى

أوركسترا الغضب‏!‏

لم تكد مصر تجتاز بالاستفتاء علي التعديلات الدستورية مرحلة فاصلة في مسيرة الإصلاح السياسي حتي بدأ أوركسترا الغضب عزف لحنه الجنائزي تشويشا علي إنجاز يحسب في النهاية لهذا الشعب ونوابه وسياسييه جميعا‏.‏ ولم يستطع هؤلاء الوقوف لحظة عند حقيقة أن الديمقراطية أينما وجدت‏,‏ إنما تتيح للجميع حرية التعبير عن الرأي ولكنها لن تحقق لكل الآراء أهدافها‏,‏ ولن ترضي جميع الأطراف‏.‏ وهذا ما تحقق في تجربة التعديلات الدستورية الأخيرة‏.‏ حيث نسي أعضاء فريق أوركسترا الغضب ما توافقوا عليه مع الأغلبية وتوقفوا طويلا عند ما اختلفوا معنا عليه فأرادوا تغييب الإنجاز عن الوعي العام والتشويش علي فرحتنا به‏.‏

وخلال الأيام القليلة الماضية عاد فريق العازفين الغاضبين إلي العزف علي أوتار اعتدنا سماعها ومللنا نغماتها التي تلوثت بها مسامعنا من طول تكرارها ونشازها‏.‏ فالمقطوعات اللحنية الجديدة تطول هذه الأيام ـ علي خلفية التعديلات الدستورية ـ قضيتين‏:‏

الأولي‏:‏ مكانة مصر وريادتها للعالم العربي‏,‏ وتأثيراتها الإقليمية بترديد المقولات المرسلة غير المدققة عن تراجع النفوذ المصري في المنطقة‏.‏

الثانية‏:‏ النيل من النظام السياسي ورموزه والتطاول علي رمز الدولة ورأس نظامها بنكران كل ما تحقق علي هذه الأرض بجهده وعمله الدؤوب‏.‏

واللافت للنظر أن تلك الأصوات تحملها إلينا ـ في وقت واحد ـ صحف من الداخل وأخري من الخارج في تزامن يثير شيئا من الشك والريبة‏.‏ فليس الإعلام المصري بقنواته وصحفه المتنوعة عاجزا عن استيعاب تلك الآراء التي ذهب أصحابها إلي نشرها عبر وسائل الإعلام الأجنبية‏,‏ إلا إذا كان هؤلاء يريدون مخاطبة جمهور من غير المصريين لأهداف يعلمونها هم ونحن أيضا‏.‏ وهم يعلمون أن مصر لن يضيق صدرها برأي نشر في الداخل أو الخارج‏.‏ فما أنجزناه علي كل المستويات حتي الآن مصدر فخر وعزة للمصريين جميعا‏,‏ وزاد في قادم الأيام للمزيد من الإنجازات‏.‏ ولن ينال من عزيمتنا أن تنشر تلك الآراء في الداخل أوالخارج‏.‏ فالافتراءات والأكاذيب والضغائن تظل علي حالها التي عبر عنها أصحابها في الداخل أو الخارج‏.‏ ولنا من الإرادة والهدف ما لن يخضع لضغوط الداخل أو الخارج أيضا‏.‏

لقد سبق أن أشرت الأسبوع الماضي إلي مايثار بشأن الدور المصري في المنطقة وحقيقة ما يردده البعض بشأن فاعلية هذا الدور في سياسات المنطقة‏.‏ أسامة سرايا

وفيما يتعلق بالمقطوعة الأولي فإن هناك حقيقة لابد أن تكون واضحة للجميع وهي أن الريادة المصرية ليست صنيعة زعامة سياسية في فترة ما من تاريخنا وإنما هي نتيجة طبيعية لعوامل كثيرة‏.‏ فمصر رائدة بالتاريخ والجغرافيا ومواردها البشرية وتجربتها الثقافية والسياسية والاجتماعية أيضا‏.‏ وهذه الريادة هي قدر المنطقة وهي حقيقة تؤمن بها كل شعوبها‏,‏ رضي المرجفون أم أبوا‏.‏ كما أن ريادة مصر للمنطقة لم ولن تتغير برغم أنها تعاند حركة التاريخ حيث تداولت علي قيادة العالم قوي كثيرة من اليونان والرومان وحتي الإمبراطورية البريطانية فالولايات المتحدة أخيرا‏.‏ ومع ذلك فإن ريادة مصر تظل حقيقة ماثلة برغم تغير الظروف من عهود التاريخ الوسيط وحتي التاريخ الحديث‏.‏

إن الذين يتحدثون عن ريادة مصر ونفوذها الإقليمي يظلمون تاريخها وجغرافيتها وشعبها حين يختزلون تلك الريادة في عقدين علي الأكثر من عقود القرن الماضي‏.‏ فالريادة المصرية أقدم عهدا من تلك الفترة‏.‏ وما لايدركه هؤلاء في تغير الظروف والأوضاع في المنطقة هو لغة التعبير عن تلك الريادة القائمة في كل الأحوال‏.‏ إذ لم يعد خطاب الريادة القديم نافعا أو صالحا في منطقة تحررت دولها من الاستعمار وقطعت علي طريق التنمية خطوات واسعة وباتت تتوق للتعبير عن نفسها‏.‏ ولم تعد لدينا أدني رغبة في أن نفرض أيديولوجية الحكم لدينا علي الآخرين وأن نجمع الأنصار والدعاة لها في كل أرجاء المنطقة‏,‏ وأن نهدر مواردنا في سبيل ذلك‏.‏

لقد مضي ذلك الزمان كله بحلوه القليل ومره الكثير‏.‏ ومازالت مصر تمارس تأثيراتها في محيطها الإقليمي بفهم أعمق للتغيرات المحيطة وبقوة ناعمة لاتثير أحقادا ولاتبعث كراهية‏.‏ لكن بعضها مازال في عشقه القديم للخطابات النارية والمعارك المفتعلة والحماس المؤدي إلي الفشل‏.‏ وعلي هؤلاء أن يدركوا أن دور مصر لم ولن يتراجع‏,‏ ولكن لغة التعبير عنه وأساليب ممارسته هي التي تتغير‏.‏

ففي قمة الرياض الأخيرة كان واضحا للجميع الحضور المصري القوي في المناقشات والقرارات التي انتهت إليها القمة والتنسيق المحكم مع السعودية حرصا علي مصالح العرب جميعا‏.‏ وتم ذلك دون ضجيج اعتدنا سماعه من قبل في أعمال لاتستحق هذا الضجيج‏.‏ ويحلو للبعض هذه الأيام تصوير العلاقات المصرية ـ السعودية وكأنها تخوض معركة زعامة علي منطقة لم تعد تقبل منطق الزعامة القديم‏.‏ فالمنطق السديد اليوم يعتمد علي التنسيق والتعاون من أجل تحقيق الأهداف‏.‏

والدرس الذي نعيه من ريادة وزعامة منتصف القرن الماضي هو أن ريادة مصر تظل في إدراك مغزي الريادة والقيادة والتأثير في عالم تغير ويتغير كل يوم‏,‏ وتظل أيضا في آليات العمل ولغة الخطاب التي تمكنها من أداء الدور الذي مازال مرهونا بالتاريخ والجغرافيا وإبداع المصريين‏,‏ وهو ما يقوم به ويعبر عنه باقتدار الرئيس حسني مبارك‏.‏ ولو نظر هؤلاء وراءهم قليلا لعرفوا كيف تقدمت مصر أمام الجميع بقيادة حسني مبارك ليقود جهدا عربيا لدرء أخطار كبري نزلت بالمنطقة‏.‏

أما المقطوعة الثانية في اللحن الجنائزي لأوركسترا الغضب فهو محاولة النيل من نظامنا السياسي وتصوير واقع الحال في مصر علي غير صورته وإنكار كل ما تحقق علي هذه الأرض خلال السنوات الماضية‏.‏ فلقد صيغت عبارات الهجوم تارة بلغة تفتقر الحد الأدني من اللياقة المطلوبة في لغة الكتابة فجاءت بصاحبها ليبدو بمظهر فتوات الحارات القديمة‏,‏ يصنع بطولته بالابتزاز وبذاءة اللسان‏,‏ وتارة أخري بلغة منمقة اللفظ فقيرة ومتناقضة المعاني فصبغت هيئة صاحبها بمشايخ الكتاتيب القديمة‏:‏ لغة غنية وفكر فقير لايستقيم مع عقل أو وعي‏.‏

وعلي الرغم من الاختلافات في اللغة بين الجانبين‏,‏ فإن اللغتين تعبران عن حالة من الحنق والغضب غير المبررين‏.‏ والغضب أو الحنق لاينتج معني ولكنه يعبر عن نفسه في لغة تكشف سريعا عن أهداف كاتبها‏.‏ فحينما يسيطر الحنق علي كاتب‏,‏ فإنه يوقف عمل ذاكرته ويوقعه في تناقض مريب فيضطر ـ مثلما يقول الإنجليز ـ إلي اختراع ألف كذبة لتبرير كذبة واحدة كان قد نسي ورواها‏.‏

إننا بحاجة إلي النقد ولن تستقيم حياتنا بدونه في السياسة والفن والثقافة والأدب‏,‏ ولكن النقد الذي نريده هو ما ينطلق من الحرص علي التجويد وتسديد الخطي المقبلة وليس ذلك النقد الذي يبني علي حقد وحنق وغضب‏,‏ ونحن لم ننته بعد من مواجهة مشكلاتنا ولكننا ماضون في سبيل ذلك وقد تحقق الكثير من الإنجازات ولابد أن نعرف حجم ما تحقق ليكون عونا لنا في مسيرة طويلة لن تتوقف‏.‏ أما ما يردده البعض من افتراءات فلن تفيد أحدا منا وسوف ترتد يوما إلي قائلها‏

إذ لم يعد أحد يحتكر الحكمة في هذا الزمن فيعطي نفسه مكانة ليست له ويملي أقوالا لن تسمع ولن تعقل‏.‏ كما أن ظهور تلك الأقوال في وسائل الإعلام لم يعد يمنحها مكانة مثلما كان الحال بالأمس‏.‏ فقد أصبحت وسائل الإعلام متاحة لكل من يريد التعبير عن رأيه كتابة أو قولا‏.‏ وأصبح حديث وسائل الإعلام الآن أشبه بحديث المقاهي ـ بالأمس ـ متاحا للجميع‏.‏ ولم يعد أحد يخشي أن يظهر مثل هذا الكلام في وسائل الإعلام‏,‏ فما أكثرها عددا وأقلها تأثيرا‏.‏

لن تقطعوا الطريق علي الإصلاح
إن هذه الأصوات تبدو كأنها تريد أن تقطع الطريق علي مسيرة الإصلاحين السياسي والاقتصادي في مصر‏.‏ فمازال أصحاب الأقلام والحناجر خاصة في الإعلام الخارجي يتحدثون بغضب عن التعديلات الدستورية التي قال الشعب كلمته بشأنها منذ أكثر من أسبوعين‏.‏ فهم يريدون تشتيت الانتباه والاهتمام عن خطوات أخري نستكمل بها جهود الإصلاح‏.‏

فالدعوة الأخيرة التي وجهها الحزب الوطني للأحزاب حول مستقبل العمل السياسي والحزبي في مصر تأتي في وقت بات ضروريا أن تتكاتف فيه الجهود من أجل إصلاح الحياة الحزبية التي هي شرط جوهري لبناء ديمقراطية صحيحة‏.‏ ومن الطبيعي أن تتربص قوي الغضب بأي محاولة للحوار بين الأحزاب‏,‏ وبأي اتفاق من شأنه التوصل إلي تفعيل الحياة الحزبية علي أسس سليمة‏.‏ حيث اعتادت تلك الأصوات أن تغرد خارج السرب رغبة في التميز والتفرد‏.‏

وتبقي كلمة أخيرة حول هذا التدني في التناول الإعلامي لشئون الوطن والذي ينذر بالخطر‏.‏ فبين ثنايا اللغة السقيمة السائدة حاليا تضيع القضايا وتفتقد الموضوعات وتهدر المصالح ويفقد الحوار معناه‏.‏ ولاشك أن استمرار تلك الحالة يمكن أن يفقد البعض منا ثقته في جدوي الحوار والديمقراطية‏..‏ ومن هنا لابد من وضع حد لتلك الممارسات التي تضر الوطن أكثر مما تفيده‏!.‏

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى