مقالات الأهرام اليومى

صـوت الحــكمة في منطقة الأزمات

تؤكد القراءة المتأنية للأوضاع في الشرق الأوسط أن الرئيس حسني مبارك يحتل بمفرده فصلا كاملا من فصول التاريخ الحديث للمنطقة‏.‏ وسواء اتسمت تلك القراءة بالموضوعية وسبر أغوار الأحداث أو سيطرت عليها اعتبارات أخري‏,‏ فإن الواقع المعيش إقليميا‏,‏ والمستقبل المنظور للمنطقة سوف يكشفان عن تلك الحقيقة بجلاء يصعب معه إنكارها‏.‏ فقد لايكون الشرق الأوسط الآن في أفضل أوضاعه التاريخية‏,‏ وقد لايكون قد اقترب من نهاية مشكلاته المتلاحقة‏,‏ ولكنه بالتأكيد كان يمكن أن يعايش واقعا أسوأ لو أن حركة التاريخ قد اتجهت به وجهة أخري‏.‏

لقد عرفت منطقة الشرق الأوسط منذ منتصف القرن الماضي أنماطا متباينة من الزعامات والقيادات السياسية‏,‏ كانت رؤاها وبرامجها تتقلب بين ثورية راديكالية‏,‏ دفعت قطاعات من سكان المنطقة صوب أحلام اليقظة بفعل خطاب سياسي مفعم بالمشاعر‏,‏ وحافز لثورة من التوقعات‏,‏ وبين واقعية حذرة لم تلق الكثير من القبول في الشارع السياسي المشتعل بشعارات ما بعد جلاء القوي الاستعمارية عن معظم بلدان المنطقة‏,‏ وميول محافظة تسلطية بلغت حد الجمود والركود‏,‏ فغيبت عن الواقع المتغير قطاعات من شعوب المنطقة‏,‏ ولم تحقق تلك الرؤي والبرامج سوي القليل من النجاح في مواجهة أزمات المنطقة برغم ما قد يكون قد تحقق لبعضها من نجاح أكبر علي مستوي بلدانها‏.‏

وكان الناتج النهائي لأنماط القيادات السياسية التي تعاقبت علي المنطقة هو استمرار المشكلات القائمة‏,‏ وازدياد حدتها‏,‏ واستحداث مشكلات أخري جديدة‏,‏ تضاف إلي مسلسل الأزمات في بلاد تسكنها أعراق ومذاهب وديانات وايديولوجيات متباينة بل ومتناقضة أحيانا‏,‏ وخلفت تلك الأنماط من القيادات وراءها واقعا يعاني الكثير من الارتباك والتعقيد‏,‏ وظهرت علي أنقاض حكم الشاه في إيران دولة من طراز لم تعهده المنطقة في تاريخها الحديث‏.‏ وقد تزامن ظهور الحكم الإيراني الجديد مع فراغ سياسي‏,‏ جاء به فشل الكثير من الأنظمة الثورية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا‏,‏

حيث اعتمدت تلك الأنظمة كثيرا علي الدفع بأحلام الجماهير إلي حدود الهوس ونكران الواقع‏.‏ وكان هذا الفراغ فرصة لقوي كامنة تستتر بالدين وتتربص بالواقع السياسي فبادرت إلي محاولة اقتناصها بالوعظ الديني الموجه والمستتر حينا والعنف الصريح أحيانا أخري‏.‏ وعلي الرغم من الاختلاف بين النظام الجديد في إيران تلك التيارات السياسية المتسترة بالدين في كثير من دول المنطقة‏,‏ فإن أحلام اليقظة ربطت بين الجانبين عاطفيا‏,‏ حيث وجد كل منهما في الآخر دعما مؤقتا علي الأقل‏.‏

وقد دعت تداعيات نصف القرن الماضي بشدة إلي نمط جديد من القيادة السياسية للتعامل مع أزمات طال زمانها وتزايدت تعقيداتها‏,‏ قيادة لديها رؤية جديدة وصبر طويل علي شارع سياسي سريع الاشتعال‏,‏ ومازال يشده الحنين إلي عصور الخطاب الثوري الحماسي الذي يعوض به نقص الإنجاز علي أرض الواقع‏.‏ وقد تولي الرئيس مبارك الأمر في مصر وهي قوة لها تأثيراتها الملموسة في تتابع الأحداث بالمنطقة‏,‏ وقد واجه عشية ممارسته سلطاته عقبة العلاقات المقطوعة بين مصر ودول المنطقة بأسرها‏,‏ بينما كانت قوي أخري عربية وغير عربية تحاول استثمار غياب مصر ـ في زمن القطيعة ـ لفرض نفوذها واحتلال موقع الصدارة في المنطقة‏.‏

واستعاد الرئيس مبارك لمصر علاقاتها بمحيطها الإقليمي‏,‏ واستعاد لها أيضا مكانتها ودورها الريادي الفعال‏,‏ وأعادت مصر مع الرئيس مبارك قراءة خريطة المنطقة والتغيرات التي طرأت عليها بحثا عن آليات جديدة وخطاب من لون جديد‏.‏ وهكذا وعبر دبلوماسية هادئة وصبورة استعادت مصر تأثيراتها دون ضجيج‏,‏ ودون ذلك الخطاب التعبوي القديم الذي رأي البعض في غيابه تحجيما للدور المصري‏.‏ أسامة سرايا

……………………………………………………………..‏
وخلال العقدين الماضيين عرف العالم مبارك سياسيا حكيما وقائدا واعيا بحركة الأحداث في المنطقة‏,‏ وقادرا علي ربط أحداث الماضي بتفاعلات الحاضر وصولا لرؤية ثاقبة بشأن المستقبل القريب‏.‏ فخلال السنوات القليلة الماضية أطلق ثلاثة تحذيرات للمجتمع الدولي‏,‏ وأكدت جميع الأحداث فيما بعد خطورة ما حذر منه‏.‏

فقد كانت مبادرة الرئيس لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل كفيلة بتجنيب المنطقة ويلات التسابق نحو السلاح النووي الذي يهددها الآن بالكثير من الأخطار‏.‏ ولكن كثيرين لم يقرأوا تحذيراته القراءة الصحيحة‏.‏

ولقد حذر في منتصف التسعينيات المجتمع الدولي من خطورة الإرهاب‏,‏ ودعا إلي تضافر الجهود لوأد الخطر الأسود قبل أن يستفحل‏.‏ ومرة أخري لم يستطع كثيرون قراءة تحذيره القراءة الصحيحة‏,‏ حتي أصبح الإرهاب مصدر الخطر الأكبر الذي يهدد الأمن والسلام الدوليين‏,‏ ليس بسبب ما يقوم به من أعمال غدر وعدوان‏,‏ وإنما أيضا للأخطاء التي ارتكبت في مواجهته‏.‏

وفي الملف العراقي تسارعت تحذيرات مبارك للجميع‏,‏ بما في ذلك الولايات المتحدة التي اعترف بعض ساستها وخبرائها بأنهم دفعوا ثمنا باهظا لعجزهم عن قراءة تحليل مبارك للموقف التحليل الصحيح‏.‏

إن هذه الخبرات التي تراكمت بشأن رؤية مبارك لما يحدث في المنطقة تفرض اليوم علي المنصفين والعقلاء ألا يقعوا فيما وقع فيه غيرهم من أخطاء حين غابت عنهم رؤية رجل عرك المنطقة وأحداثها زمنا‏.‏ وبالأمس القريب حذر مبارك في خطابه في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من فتنة جديدة تنذر المنطقة بالكثير من الأخطار‏,‏ خاصة أن مستويات الوعي بمظاهر الفتنة تقل عن مستويات الوعي بأخطارها المحتملة‏.‏ حيث تضمن الخطاب تحذيرا من‏:‏

ـ الخلافات المذهبية وتحولها إلي خلافات سياسية تعصف بوحدة وأمن واستقرار البلاد الإسلامية‏.‏

ـ خلط الدين بالسياسة علي أرضنا وفي منطقتنا وعلي اتساع العالم الإسلامي‏,‏ وخطر وجود فتنة طائفية تلوح في الأفق‏.‏

ـ التضارب والتناقض بين الأصوات الصادرة عن بلدان العالم الإسلامي بما لايسمح بالتعبير عن الوجه الحقيقي للإسلام وجوهر تعاليمه وسماحته وصحيح عقائده‏,‏ وبما لايمكن التضامن الإسلامي من أن يصبح حقيقة واقعة في العلاقات بين الشعوب الإسلامية‏.‏

وتأتي هذه التحذيرات الثلاثة في وقت تتجه فيه العلاقة بين الإسلام والواقع السياسي نحو التأزم بسبب التأويلات الخاطئة‏,‏ والأغراض المستترة والأهواء والمصالح وتحقيق مكتسبات فئوية علي حساب الإسلام والمسلمين‏.‏ وإذا لم يصل المسلمون إلي توافق سريع حول تلك القضايا التي حذر منها خطاب الرئيس‏,‏ فإن تراكمات سياسية ومذهبية سوف تجعل محاولات الحل في المستقبل أصعب كثيرا في المنطقة المحيطة بنا‏,‏ وسوف ينالنا منها كثير من الأخطار‏.‏ فالخلافات بين السنة والشيعة في العراق ولبنان وغيرهما تتجاوز اليوم بأهدافها السياسية حقيقة الاختلافات القائمة تاريخيا‏.‏ وهي بتلك الأهداف تنذر المسلمين بمشهد تنتهك فيه علي نطاق غير مسبوق حرمة النفس البشرية التي حفظها الإسلام عقيدة وعبادة ومعاملات‏.‏

ولم يكن اختلاف المذاهب في مصر سببا للخلاف وإعلان العداء‏.‏ فلقد عرفت مصر التشيع مع الفاطميين في نهاية القرن العاشر الميلادي‏,‏ وقبل أن تعتنق إيران المذهب الشيعي في مطلع القرن السادس عشر مع الصفويين بنحو خمسة قرون‏.‏ وعادت مصر مع الأيوبيين إلي المذهب السني‏,‏ ومازال المصريون يحملون لآل البيت حبا وتقديرا لم يتغير سواء مع التشيع أو مع العودة إلي المذهب السني‏.‏ بل إن القاهرة في منتصف القرن الماضي كانت أكثر العواصم الإسلامية حماسا للتقريب بين المذاهب الإسلامية برعاية كبار علمائها من أمثال الشيخ عبد المجيد سليم والشيخ محمود شلتوت الذي اعترف بالمذهب الإثني عشري مذهبا خامسا بجوار المذاهب الأربعة‏.‏

……………………………………………………………..‏
ولم تعرف القاهرة تلاعبا بالدين من أجل تحقيق أهداف سياسية علي المستوي الإقليمي علي النحو الذي نجده اليوم علي الجانب الإيراني إلي حد تعطيل الحلول للصراعات القائمة في المنطقة وإذكاء الفتنة بين الشيعة والسنة تحت غلالة رقيقة من الدين تخفي شيئا كثيرا من الغطرسة الفارسية‏.‏

ويأتي تحذير مبارك من الفتنة ودعوته للحوار إيمانا منه بأهمية دور مصر في تلك المرحلة التي تتجمع فيها سحب الفتنة لتغطي سماء المنطقة وتجرها إلي زمن الفتن الدينية التي أهلكت ـ دون سند صحيح من الدين الإسلامي الذي تسترت وراءه ـ أرواح وممتلكات الملايين من المسلمين في تلك العصور‏,‏ وهي بحكم أدوات العصر‏,‏ قادرة علي حصد أرواح المزيد من المسلمين‏.‏

لقد شهدت علاقات مصر بإيران تحسنا ملحوظا في عهد الرئيس مبارك حتي إن مصر أيدت انضمام إيران إلي عضوية مجموعة الـ‏15‏ عام‏1999,‏ وسعت إلي إقناع بعض دول أمريكا اللاتينية التي رفضت انضمام إيران وتبادل الرئيس مبارك والرئيس خاتمي التهنئة عام‏2000‏ حين انعقد مؤتمر المجموعة في القاهرة‏.‏ لكن الأطماع الإيرانية في توسيع رقعة نفوذها تصادمت مع ثوابت السياسة المصرية التي تتعلق بأمن المنطقة واستقرارها‏,‏ خاصة في الخليج والعراق‏,‏ وكذلك محاولات الحكومة الإيرانية إثارة الخلافات المذهبية بكل ما تحتويه من أخطار سوف ينال إيران منها الكثير‏.‏ كما أن إيران تقدم دعما كبيرا لقوي التسييس الديني غير عابئة بخطورة هذه القوي علي أمن واستقرار الدول المجاورة‏.‏

إن التاريخ السياسي للرئيس مبارك يشهد بحرصه البالغ علي استقرار المنطقة وتأمينها ضد المغامرات السياسية غير المحسوبة‏,‏ ويشهد بعمله الدءوب من أجل أن يصبح التضامن مصدر قوة للإسلام والمسلمين علي السواء‏,‏ في مواجهة المغالطات والتطاول والتجاوزات والافتراءات‏.‏ ولو أن صوت العقل والرشاد في المنطقة وخارجها كان قد استجاب لدعوات مبارك المتكررة لكان الوضع اليوم في المنطقة أفضل كثيرا مما هو عليه الآن‏.‏
osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى