مقالات الأهرام اليومى

حديث القمة

نستطيع أن نؤكد بكل حياد وموضوعية أن القمة العربية التي عقدت بالرياض يومي‏28‏ و‏29‏ مارس‏2007,‏ قد حققت نجاحات ملحوظة‏,‏ وخلت من الخطابات السياسية‏,‏ التي تلقي عادة للظهور الإعلامي‏,‏ فلقد كانت ورشة عمل حقيقية وضعت قضايانا المزمنة علي بساط البحث‏,‏ في محاولة لاستخلاص رؤية متغيرة للحركة إلي الأمام‏,‏ ولم تنس أو تتجاهل الأوضاع المتجددة للاقتصاد والاجتماع بل وللثقافة وللهوية‏,‏ وفي الوقت نفسه دعت إلي الاستمرار في بناء مؤسسات جديدة للعمل العربي المشترك‏,‏ فالأجيال تتوالد ولا تري حلولا للمشكلات القديمة التي بدأنا في علاجها منذ أكثر من قرن فهذه الحلول لم تظهر علي أرض الواقع بعد‏,‏ ونلاحظ أن قضيتنا الأولي التي حافظت علي مكانتها بقوة عبر السنين‏,‏ هي قضية فلسطين ثم أضيفت إليها قضية شعب العراق الذي يموت تحت الاحتلال‏,‏ ونيران الحرب الأهلية والفتن الطائفية ولا ينطبق ذلك علي العراق وحده‏,‏ ولكن أيضا علي الأزمات التي قد تتوالي علينا‏,‏ إذا لم تستيقظ الشعوب وتتحلي بحكمة الأيام وشجاعة الزمن‏,‏ في مواجهة أزماتها وظروفها الصعبة بكل أمانة‏.‏

ونعود إلي قمة الرياض فنجد أن هناك خطابين يجب أن نقف أمامهما بكل دقة‏,‏ ونسبر أغوارهما لأنهما شخصا الماضي‏,‏ وحددا مخاطر الحاضر‏,‏ وتطلعا للمستقبل‏..‏ الأول كلمة الرئيس حسني مبارك التي كانت صريحة للغاية وعملية في الوقت نفسه‏,‏ حيث ركزت علي الأمن القومي العربي شاغلنا الشاغل‏,‏ وهو كل لا يتجزأ‏,‏ مترابط الأبعاد والحلقات بين الخليج والبحرين الأحمر والمتوسط‏,‏ وتصل دوائره بين المشرق والمغرب‏,‏ وتتجاوز انعكاساته الشرق الأوسط إلي أوروبا والعالم‏.‏ وقد حدد الرئيس بؤر التوتر من فلسطين إلي العراق‏,‏ ثم أشار إلي الخطر القادم عبر صراع إيراني ـ غربي

‏ يستهدف الوقيعة بين المسلمين شيعة وسنة وهو ما نسميه‏(‏الفتنة الكبري‏).‏

والخطاب الثاني‏,‏ كان في كلمة الملك عبدالله بن عبدالعزيز‏,‏ خادم الحرمين الشريفين‏,‏ في افتتاح القمة العربية‏,‏ وهي كلمة صريحة خاطبت الرأي العام العربي بصدق فلقد شخص فيها أزمة العرب‏,‏ قائلا‏:‏ إنها ليست في الجامعة العربية أو في الشعوب ولكنها في القادة والزعماء وفي أخطائهم القاسية‏,‏ وإذا كان هناك ما لم يقله خادم الحرمين الشريفين وهو يذكر العرب بأخطاء الحكام‏,‏ فيجب أن نقوله نحن لكي نذكر الشعوب بأصحاب الأخطاء القاتلة التي جرفت المنطقة العربية إلي حافة الانهيار وإلي المآسي التي نعيشها حتي الآن وأشير منها إلي الصورة التي شهدناها لإعدام صدام حسين بوحشية غادرة تحت ظلال الاحتلال الأمريكي لأغني بلد عربي‏,‏ والذي وصل شعبه الآن إلي حافة الفقر‏,‏ بل إنه يهجر ويموت في ظل أوضاع متردية وحرب أهلية قاسية‏,‏ وأيضا مأساة شعب فلسطين الذي يراوح مكانه وتكاد تدمره خلافاته الداخلية وانقسامات حكامه وفصائله والتدخل الخارجي في شئونه‏,‏ كما تملأ قصصه المجلدات علي حساب قضية هي الأعدل في كل عالمنا‏,‏ ويجب أن تنتصر‏..‏ وسوف تنتصر‏.!‏

ولكل ذلك فإننا نثمن غاليا ما توصلت إليه قمة الرياض من إعادة بعث المبادرة العربية كرسالة سلام لإسرائيل وشعبها‏,‏ وهي رسالة صادقة يجب أن يسمعها الشعب الإسرائيلي قبل حكامه‏,‏ فالحكام ولطبيعة الدولة الإسرائيلية منذ نشأتها كدولة مهاجرين غير متجانسين قد تكون لعبتهم هي إيجاد الصراعات وتهيئة المناخ للحروب‏.‏

4‏ حروب أهلية وأزمات مستحكمة في فلسطين والعراق والسودان والصومال عملت القمة علي إيجاد حلول لها أسامة سرايا
القضية الفلسطينية احتلت المكانة التي تستحقها باعتبارها قضية العرب الأولي القمة العربية أظهرت وعيا بكارثة العراق بكل تداعياتها القمم التشاورية والقمة الاقتصادية والتعاون في الطاقة النووية‏..‏ آفاق عمل جديدة لمؤسسة القمة التعاون المصري ــــ السعودي كان وراء نجاحات قمة الرياض وهنا أقول إن المبادرة العربية ليست قابلة للتعديل أو التجزئة‏,‏ فهي رسالة الأمة العربية لجيراننا الإسرائيليين الذين قبلنا بوجودهم معنا في المنطقة‏,‏ ولكنهم مازالوا عاجزين عن تجاوز مخاوفهم القديمة‏,‏ والنظر بعمق إلي الأخطاء التي يرتكبونها يوميا في حق الشعب الفلسطيني‏,‏ والتي سيكونون هم أول ضحاياها في المستقبل القريب إذا لم يستجيبوا لنداء السلام الذي ظهر في منطقتنا منذ السبعينيات‏,‏ والذي أطلقته مصر عاليا‏,‏ وحافظت علي الاستمرار في مساره بلا خوف أو تردد برغم أصوات المرجفين والضعفاء الذين يطلق عليهم الآن تعبير المتشددين خطأ‏..‏ فمن يقدر علي السلام ويسير فيه ليس المعتدل فقط ولكن يقدر عليه أيضا القوي الأمين الذي يقرأ الحاضر ويستشرف المستقبل‏..‏

وهذا هو نداء السلام الذي لا نمل من تكراره‏,‏ والذي سار فيه العرب وراء مصر عندما أطلقوا مبادرتهم في بيروت عام‏2002,‏ ثم أعادوا بعثه بروح جديدة لإسرائيل والمجتمع الدولي في قمة الرياض بالأمس القريب‏.‏

والحقيقة أن قوة عرض مبادرة السلام العربية في قمة الرياض بواسطة كل العرب تعكس قدرة جديدة يجب الإشادة بها‏,‏ ونحن نتطلع الآن إلي الأسلوب الذي سوف تتم به إدارة هذه المبادرة التي يجب أن تصل إلي أصحابها‏,‏ ولا شك أن الشعب الإسرائيلي قادر علي الضغط علي حكامه الذين لا يعرفون معني السلام ويلهون شعبهم من أجل مكاسب سياسية ضيقة‏,‏ مستغلين ضعفهم ومخاوفهم القديمة في إدارة عملية السلام‏.‏

إن دفع المبادرة العربية للأمام ليس عملية سهلة بل ربما تكون أقسي من الحرب نفسها‏.‏ وتفعيل هذه المبادرة يحتاج إلي تقسيم الأدوار‏,‏ وإلي الفاعلية في الحركة والتعامل مع السياسيين والمؤسسات والشعوب سواء داخل الولايات المتحدة وإسرائيل معا‏,‏ أو داخل الاتحاد الأوروبي بل والمجتمع العالمي‏.‏

إننا نتطلع في هذا الصدد إلي برنامج للعمل والقدرة علي التعامل مع المستقبل‏,‏ كما نتطلع إلي قدرة الشعب الفلسطيني داخليا علي بناء دولته ومؤسساته‏,‏ وحرمان المتطرفين والقوي الخارجية المتربصة بالقضية الفلسطينية من سرقة قراره ودفعه إلي حافة الفقر والفوضي‏,‏ ثم الاقتتال الداخلي‏.!!‏

لقد أخذت القضية الفلسطينية حقها من النقاش والعمل ووضع الخطط المناسبة للحركة المستقبلية ويبقي الأهم‏,‏ وهو المتابعة والدقة علي مسرح الأحداث نفسه‏..‏ وأقولها بكل أمانة ومسئولية‏:‏ إن العرب حتي لو اجتمعوا كلهم علي قلب رجل واحد‏,‏ ووضعوا خبراتهم وأموالهم لحل المشكلة الفلسطينية فلن ينجحوا بدون اتفاق الفلسطينيين أنفسهم وتعاونهم مع المجتمع الدولي لمحاصرة المتطرفين في إسرائيل‏,‏ كما أنهم يحتاجون أيضا إلي بناء جسور مع المجتمع الإسرائيلي قبل حكامه في الداخل‏,‏ وتلك هي مهمتهم بمختلف فصائلهم واتجاهاتهم‏,‏ حتي يحموا شعبهم وقضيتهم من الاندثار والضياع‏.‏

لم تغب قضية العراق وشعبها
وقد كان واضحا شعور القادة العرب بتأثيرات أزمة العراق وتداعياتها المخيفة‏,‏ سواء علي الشعب العراقي نفسه أو علي المنطقة بأسرها‏,‏ وكذلك المخاوف من اندلاع أزمة جديدة في إيران ثم الاندفاع إلي حرب شاملة بين السنة والشيعة في المنطقة‏.‏ فلقد عالجت القمة تلك الأزمة الحساسة‏.‏ واعترفت بأن الوجود الأمريكي في العراق هو احتلال برغم رفض الإدارة الأمريكية لهذا التوصيف‏,‏ وطلبها الإيضاحات‏,‏ وهذا يعكس أن القمة العربية والقادة العرب يعملون لمصلحة الشعوب‏,‏ ويؤكد أنه لم تقع إملاءات أو ضغوط كما يدعي المشككون الذين استبقوا الخطاب العاقل‏,‏ وهذا ما يدعونا إلي أن نطلب من الرأي العام العربي أن يرتفع بمستواه ولا يقع فريسة لمن يحاولون أن يدفعوه بعيدا عن مصالحه وحقوقه الأساسية‏,‏ بحجج كثيرة وخطابات إعلامية تسودها نبرة الحدة ومعاداة الغرب وإسرائيل‏,‏ حتي يتلذذوا بفشله ويجب أن نمضي جميعا في مسارات التصحيح والتغيير والتطور إلي الأمام بثقة ويقين بأننا قادرون علي التصحيح والتغبير‏.‏

إن القمم العربية عبر التاريخ المعاصر كانت تنتقل من الأزمة إلي التأزم‏,‏ ومن هنا تولد شعور عربي بأن هذه القمم لاتقدم حلولا للمشكلات القائمة ولا للأخري الجديدة‏.‏ ومع ذلك ظلت الشعوب العربية تعلق الكثير من الآمال علي كل قمة بحثا عن مخرج من معاناة مسلسل الأزمات العربية‏.‏ ولكن خلال السنوات الأخيرة ـ وتحديدا منذ قمة القاهرة قبل سبع سنوات ـ اتخذت القمم العربية اتجاها جديدا اتسم ـ إلي حد بعيد ـ بالواقعية السياسية فضلا عن تغيير آلية انعقاد القمة ذاتها‏.‏ فلم يعد نداء الأزمات الطارئة هو السبيل لتجمع الزعماء الذين يذهب معظمهم في غيبة من الإرادة الكافية والقدرة اللازمة لإيجاد مخرج من تلك الأزمات‏.‏ وأصبحت القمم العربية أكثر اهتماما بطرح مبادرات وحلول في مواجهة تعقيدات واقع العرب والمنطقة من حولهم‏.‏ ثم كان الاتفاق في قمة القاهرة عام‏2000‏ علي دورية الانعقاد السنوية التي وفرت للدبلوماسية العربية فرصة الإعداد الكافي والدراسة المتأنية للمشكلات المطروحة والبحث الدءوب عن حلول ومبادرات‏.‏

وجاءت قمة الرياض لتكرس هذه السمات الجديدة للقمم العربية حيث انعقدت تحت شعار قمة التضامن‏,‏ وهو ما يعني أننا أدركنا ـ بعد سنوات طويلة ـ أنه
لابديل عن ذلك التضامن الذي تحدثنا عنه طويلا‏,‏ وعملنا من اجله قليلا‏.‏ والتضامن الذي تحدثت عنه قمة الرياض ليس تضامنا سياسيا فحسب‏,‏ ولكنه تضامن اتسع ليشمل مجالات أخري كثيرة‏.‏ حيث عقدت قمة الرياض وسط ظروف مواتية لتحقيق تقارب عربي حقيقي‏,‏ يمهد الطريق لمناقشات أكثر واقعية‏.‏ فالانقسامات العربية الآن في مستويات أقل مما كانت عليه من قبل‏,‏ كما أن فرص تجاوز القائم منها سانحة‏.‏ فالزعامات العربية في دول الخلاف أكثر استعدادا لتجاوز أسباب الخلاف والاقتراب من الحلول‏.‏ وكذلك فإن اللاعب الرئيسي في الساحة الدولية الآن يعاني نتائج سياساته الهوجاء في العراق وهو بحاجة ماسة إلي مساعدات عربية تخفف وضعه المأساوي في بلاد الرافدين‏.‏ أيضا فإن العرب يعيشون وضعا اقتصاديا أفضل كثيرا بفعل ارتفاع أسعار النفط‏,‏ ونجاح البعض في تجاوز سنوات الركود وجني ثمار سنوات الإصلاح الاقتصادي‏..‏

وهذه الأوضاع العربية الإيجابية مكنت القمة العربية من معالجة المشكلات السياسية الكبري معالجة أكثر واقعية وعملية‏,‏ سواء فيما يتعلق بالفلسطينيين أو بالأوضاع في العراق‏,‏ أو الخلاف السوري ـ اللبناني‏,‏ وأخيرا الملف النووي الإيراني‏.‏

وقد دفعت هذه الظروف المواتية إلي حد ما قمة الرياض نحو ارتياد مجالات أخري جديدة لدعم العمل العربي المشترك‏,‏ وفي مقدمتها الاقتراحات التي طرحتها مصر علي اجتماع الزعماء العرب‏.‏ ومنها أهمية دعم اللقاءات الثنائية بين القادة العرب بهدف تنقية الأجواء العربية مما يثير الخلاف‏.‏ كما أصبح الاقتراح المصري بعقد قمم تشاورية قرارا نافذا ليوجد آلية جديدة لها أهميتها في العمل العربي المشترك‏.‏ أيضا تقدمت مصر بمقترحين سوف تكون لهما أهمية بالغة في حفز قدرات الاقتصادات العربية‏.‏ بالاشتراك مع الكويت‏,‏ حيث طلبت عقد قمم اقتصادية عربية تناقش أحلام العرب القديمة والمتجددة في تحقيق تضامن اقتصادي يوفر الأطر اللازمة لتكامل القدرات الاقتصادية العربية التي يمكنها التخفيف كثيرا من مشكلات العرب الاقتصادية‏.‏ فالقضايا الاقتصادية كانت دوما قضايا غائبة أو غريبة علي اجتماعات القمة العربية لحساب القضايا السياسية التي ذهبت بجهد الزعماء العرب طوال نصف القرن الماضي‏.‏ وعلي مقربة من الأبواب العربية تتعملق تجربة الاتحاد الأوروبي التي بدأت مشروعا ثنائيا بين ألمانيا وفرنسا‏,‏ باسم مجموعة الفحم والصلب‏,‏ بهدف تنسيق السياسات وتنظيم وحماية الإنتاج بين الدولتين وتطورت المجموعة إلي سوق أوروبية مشتركة

‏ ثم إلي اتحاد أوروبي يمثل تجربة فريدة في التعاون الواقعي بين دول وشعوب استمر العداء بينها زمنا طويلا‏.‏ ولن يجدي كثيرا الحديث عن الاختلافات بين المشروعين العربي والأوروبي‏.‏ فالفرصة متاحة لتحقيق المصالح الاقتصادية العربية بآلية تقترب أو تبتعد عن آلية الوحدة الأوروبية‏.‏ والمؤكد أن الموافقة علي بدء انعقاد قمم اقتصادية عربية يمثل بداية لطريق نحتاج فيه إلي إرادة قوية وثقة لا تهتز بإمكان تحقيق ذلك‏.‏ خاصة أن التعاون الاقتصادي العربي الفعال يمكن أن يمثل قوة دفع جديدة للعمل السياسي العربي المشترك‏.‏ فحين تقرر قمة الرياض التوجه الجاد والفعال نحو التعاون الاقتصادي فإن ذلك يعني أن مؤسسة القمة العربية قد بدأت تطرق أبوابا جديدة لها تأثيرها المباشر في حياة الشعوب العربية جميعا‏,‏ وهو توجه لابد أن يحظي بالتأييد والإجماع من جميع شعوب العرب‏.‏

وفي قمة الرياض أيضا طرحت مصر مشروعا رائدا جديدا لتفعيل استخدام القدرات العربية‏,‏ وتحقيق التكامل فيما بينها‏.‏ فلقد رأت مصر ألا تكون استخدامات الطاقة النووية مشروعا قطريا تقوم به كل دولة عربية بمفردها‏,‏ وإنما أرادت أن يتحول ليصبح مشروعا قوميا عربيا تتضافر من أجله القدرات المادية والبشرية والسياسية في كل أنحاء العالم العربي‏.‏ وإذا كانت الطاقة النووية ضرورة لازمة وتمثل أهمية استراتيجية للمستقبل العربي بفعل النمو المتزايد في استهلاك الطاقة في مختلف المجالات‏,‏ فإن الحقيقة الماثلة أمام الجميع هي أن توفير مستلزمات مشروع عربي فائق القدرة‏,‏ من أجل الاستخدام السلمي للطاقة النووية‏,‏ لا تتوافر جميعها بالدرجة الكافية في أي من الأقطار العربية منفردا‏.‏ حيث إن توزيع القدرات العربية في هذا المجال ليس متكافئا‏,‏ فحيثما توجد الخبرات البشرية قد تعجز القدرات المالية‏,‏ والعكس صحيح‏..‏ ومن هنا فليس أمام العرب في مواجهة تحديات الطاقة إلا التكامل بما هو متوافر لدي كل قطر عربي من أجل مشروع عملاق يأخذ بكل أسباب التكنولوجيا الحديثة‏,‏ ويوطن البحث العلمي في هذا المجال بالأرض العربية‏.‏

قرارات نوعية‏..‏ ومرحلة جديدة
إن قمة الرياض بهذه القرارات النوعية الجديدة تضع مؤسسة القمة ذاتها علي أبواب مرحلة جديدة‏,‏ كان يجب أن تبدأ منذ وقت طويل حين تقترب بقراراتها من دائرة أقرب إلي اهتمامات المواطن العربي وآماله حيث يعيش‏.‏ كما أنها تنتقل إلي دائرة ربما كان التعاون فيها أكثر يسرا وأقل عرضة للخلافات والمشاحنات الأيديولوجية التي سيطرت علي العمل السياسي العربي فترة طويلة من الزمن‏,‏ فأقعدت القمم العربية عن أن تقدم حلولا واقعية لمشكلات قائمة‏.‏ فالتعاون من أجل دعم التجارة البينية وإقامة سوق عربية مشتركة‏,‏ وغيرها من المشروعات الاقتصادية لا يقبل التصنيف بين الاعتدال والتشدد‏,‏ ولا يقبل التقسيم بين القوميين والأمميين والناصريين والشيوعيين والمحافظين في زمن أصبح فيه تحرير الاقتصاد سمة غالبة في العالم‏,‏ ومنه الدول العربية بلا استثناء‏.‏

ومع كل تلك النتائج المهمة التي انتهت إليها القمة العربية في مجالات الطاقة النووية‏,‏ وآليات التشاور السياسي والاقتصادي‏,‏ فإن الملفات السياسية الساخنة فرضت نفسها علي أولويات قمة الرياض‏,‏ غير أن تلك الملفات ـ رغم التعقيد الذي يتسم به بعضها ـ خضعت لإرادة عربية راغبة في إيجاد مخرج والتوصل إلي حل‏.‏ وقد كانت بعض الملفات أكثر تعقيدا من أن تصل القمة إلي حلول منظورة لها‏,‏ ومع ذلك فإنها خضعت لنقاش يقترب من طرح أفضل الحلول لها خاصة الملفين اللبناني والعراقي‏.‏

فلقد اقتربت من حل المشكلة اللبنانية‏,‏ وتركت للبنانيين فرصة التفاعل مع قضاياهم‏,‏ وتنقية الأجواء العربية عبر عودة العلاقات اللبنانية القوية مع سوريا‏,‏ والتمهيد الجدي للمباحثات مع إيران‏.‏ واقتربت القمة من أزمة دارفور السودانية بجدية شديدة‏,‏ وعقدت لجنة حوار حولها‏,‏ وبحثت الوضع في الصومال‏,‏ وهكذا ناقشت القمة أربع حروب أهلية وأزمات مستحكمة في فلسطين والعراق والسودان والصومال‏,‏ ووصل حديث القمة العربية مباشرة إلي العالم عبر الحضور المكثف لزعماء العالم الأوروبيين وشركائنا في منطقة الشرق الأوسط‏:‏ تركيا وماليزيا والأفارقة والاتحاد الأوروبي‏,‏ وكشف الحضور العالمي المكثف عن الرغبة العالمية في الاستماع للعرب عبر كلمتهم عن قضايا المنطقة التي أصبحت تشغل بال العالم‏.‏

الدور المصري‏..‏ ومكانة الرئيس مبارك
ولعلنا نتوقف في النهاية للإشادة بالدور المصري الفاعل الذي يقوده الرئيس حسني مبارك بكل قوة وفاعلية علي مختلف المسارح والاتجاهات وللذين يبحثون عن الدور أو المكانة‏,‏ نقول لهم إنه ملء السمع والبصر ومحل الاهتمام‏,‏ فمثلما يتحرك الرئيس محليا لبناء مصر الحديثة سياسيا واقتصاديا‏,‏ فإن عينيه علي القضايا العربية‏,‏ وعلي المنطقة كلها لوضع حلول عملية ناجحة لمشاكلها‏,‏ وبناء محيطها‏,‏ وتقويته بما يكتسبه من مكانة وقدرة في المسرح السياسي العالمي‏.‏

وهو يقوم بتوظيف علاقات مصر العربية والعالمية وراء هذا الهدف‏,‏ وكانت علاقاته الوثيقة مع السعودية‏,‏ وتنسيقه المستمر مع خادم الحرمين الشريفين وراء التطور الملحوظ في النظام العربي الذي عكسته قمة الرياض‏,‏ وستكون له تأثيراته علي مستقبل منطقتنا ومشاكلنا الصعبة التي تحتاج إلي حلول عملية وإلي تكاتف الجميع ليس بحثا عن دور ولكن سعيا نحو تحقيق مصالح الشعوب والمنطقة‏..‏ نعم هذا هو هدف مصر ورئيسها الذي يحظي باحترام ومكانة عالمية وإقليمية اكتسبها من تجرده وحكمته‏,‏ وعمله المستمر والمتواصل‏,‏ بلا غرض سوي رخاء الشعوب واستقرار المنطقة‏.‏
osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى