مقالات الأهرام اليومى

مصر حاضرة حول الدستور

تعيش مصر الآن مرحلة فارقة في تاريخها السياسي‏,‏ إذ تتاح الفرصة لأول مرة ـ منذ نصف قرن تقريبا ـ للقيام بأكبر تعديل دستوري‏,‏ يمثل بحق نقلة نوعية في النظام السياسي المصري وصياغته وفق قواعد جديدة‏,‏ وقد بدأت هذه المرحلة منذ ما يقرب من عامين‏,‏ وبالتحديد منذ طرح الرئيس مبارك تعديل المادة‏76‏ في فبراير عام‏2005‏ الذي كان فاتحة تحديث الدستور‏.‏ لكن الخطوة الأبرز‏,‏ كانت مطالبة الرئيس مبارك بتعديل حزمة من مواد الدستور‏34‏ مادة من أصل‏211‏ مادة يحتويها دستورنا الراهن‏,‏ تستهدف تجديد آليات العمل السياسي وتزويده بإمكانات تحقيق الاستقرار والتقدم معا خلال مرحلة التحول الديمقراطي‏,‏ مع تأهيل النظام السياسي لكي يصبح قادرا علي الانتقال إلي مرحلة الديمقراطية الكاملة‏.‏ وكانت عملية التأهيل هذه هي العمود الفقري لبرنامج الإصلاح السياسي الذي تضمنه برنامج الرئيس مبارك الانتخابي الذي دخل به أول انتخابات رئاسية في تاريخنا‏.‏

لقد تعرضت عملية صياغة التعديلات الدستورية لأكبر حوار عام واسع ومعمق من جانب كل التيارات السياسية والحزبية‏,‏ ليس داخل البرلمان بمجلسيه‏(‏ الشعب والشوري‏)‏ فحسب‏,‏ بل في شارع سياسي عريض‏,‏ وفي إعلام واسع ومفتوح‏,‏ لا يستطيع أحد إنكار مدي الحرية التي يتمتع بها‏,‏ حوار امتد بطول الوطن وعرضه‏,‏ في مدنه وقراه‏,‏ وكل محافظاته‏.‏ حوار بدأه الرئيس وهو يجوب المحافظات حاملا برنامجه الانتخابي‏(‏الوثيقة الوطنية‏),‏ الذي احتوي بحق علي أكبر وأضخم عملية إصلاح عبر تاريخ مصر الطويل‏.‏

لقد أصبحنا نري من حولنا نتائج عمليات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي تفرز وضعا جديدا‏,‏ وتحقق نتائج كبيرة‏,‏ وتري فيها جموع الشعب أننا تمكنا بالفعل من اجتياز مرحلة الاختبار الأصعب بنجاح‏.‏

في هذا الوقت الدقيق‏,‏ في هذه المرحلة المصيرية تدخل التعديلات الدستورية مرحلتها قبل الأخيرة في المناقشة‏,‏ قبل طرحها علي مجلس الشعب لإقرارها‏,‏ وقبل استفتاء الشعب عليها في الأسابيع المقبلة‏.‏ وخلال تلك الفترة القصيرة زمنيا‏,‏ الحاسمة مصيريا‏,‏ علينا أن نتحلي بروح جديدة‏,‏ تتناسب مع المتغيرات التي نعيش لحظات ولادتها لنستوعب تأثيراتها علي واقعنا الراهن والمستقبلي‏,‏ وألا نقع أسري لمحاولات البعض تخويفنا أو تهديدنا برؤي قاصرة‏,‏ عاجزة‏,‏ وهي تلك العقلية المترددة التي تجبن في اللحظة الحرجة عن إكمال المسيرة‏,‏ أو تقع أسيرة مخاوفها القديمة‏,‏ أو تحت طائلة البحث عن التمايز برؤية قاصرة تتمثل في اللجوء إلي أسلوب الإحجام عن المشاركة‏.‏

ولأن الحوار الديمقراطي له أعراف وأصول‏,‏ ليس من بينها الانسحاب أو المقاطعة‏,‏ أو توقف العقل حول الاتهامات المرسلة‏,‏ واللغة سابقة التجهيز‏,‏ التي تعبر عن العجز عن التفكير أو المواجهة الحقيقية أو العملية‏,‏ مع الاستمرار في عمليات الشحن والتزييف والفتن وزرع الأوهام‏,‏ فإن تعديل الدستور ـ كما يراه جموع المصريين ـ هو نقلة نوعية غير مسبوقة في مسيرتنا السياسية‏,‏ إذ لم يسبق في تاريخنا أن طرحت تعديلات أو صياغات دستورية لحوار بمثل هذا المستوي الذي كان رئيس الدولة نفسه هو الداعي إليه‏,‏ تدعيما للمشاركة الشعبية في القضايا الحيوية والمصيرية‏.‏

وتأكيدا لمبدأ يأمل أن يراه سائدا في حياتنا السياسية‏,‏ وهو ألا يغيب المصريون عن أمر يتعلق بجوهر نشاطهم العام‏.‏ وأن يدرك الجميع أن التعديلات الجديدة قد جمعت مابين الواقع الماثل أمامنا والمأمول الذي نسعي لتحقيقه‏,‏ في إطار يسمح بتطوير الواقع‏,‏ حتي لايمضي النص في اتجاه والواقع في اتجاه آخر‏,‏ وألا نقع أسري لدساتير قديمة‏,‏ تكفل الحرية والحقوق الأساسية والفرعية‏,‏ ولكن واقعها كان يمضي في اتجاه آخر عكس مايكتبون ويقولون‏.‏

وبالرغم من أسفنا علي من يتخوفون الآن ويترددون أو يبحثون عن الأوهام أو يريدون العودة بنا إلي الماضي‏,‏ فإننا سوف نصر علي التقدم إلي الأمام‏,‏ ولن تتوقف مسيرة الإصلاحات في كل المجالات‏,‏ وسيكون الإصلاح السياسي هو الضامن والحارس لكل التغييرات والتطورات الإيجابية في مصر الآن‏.‏

الشريف ـ جمال مبارك ـ محمد كمال ـ محمد الدكرورى ـ رمزى الشاعر أسامة سرايا
الشريف ـ جمال مبارك ـ محمد كمال ـ محمد الدكرورى ـ رمزى الشاعر

انتخاب الرئيس
لقد حققت التعديلات الدستورية‏,‏ التي نحن بصدد عرضها علي مجلس الشعب‏,‏ عدة أمور جوهرية في عملية الإصلاح السياسي‏:‏

أولها ـ أن تعديل المادة‏76‏ الخاصة بانتخاب الرئيس أعطي الأحزاب الموجودة علي الساحة فرصة مدتها عشر سنوات‏,‏ دون التقيد بالنسبة اللازمة للوجود داخل البرلمان‏,‏ بشرط وجود عضو واحد لها بمجلس الشوري أو مجلس الشعب‏,‏ كما انخفضت نسبة التمثيل من‏5%‏ في كل من المجلسين‏(‏ الشعب والشوري‏)‏ إلي‏3%‏ فقط ـ وهو تعديل واقعي يتناسب مع ظروف أحزابنا والحياة السياسية ويتيح للأحزاب فرصا متزايدة للمنافسة‏,‏ ويبطل كل الحجج التي ادعت ـ نظرا لعدم قدرة الأحزاب المصرية علي الوصول بأعضائها في البرلمان إلي النسبة السابقة ـ أن التعديل الدستوري قد أعادهم إلي النظام السابق ألا وهو الاستفتاء‏,‏ بما يعني أننا حافظنا علي حيوية القرار الاستراتيجي للرئيس مبارك بتعديل تلك المادة الدستورية عبر المنافسة‏,‏ والتي نعتبرها مفتاحا لتغيير النظام السياسي المصري‏,‏ لأنها أعطت الشعب‏,‏ لأول مرة الحق في اختيار رئيسه بالانتخاب الحر المباشر‏,‏ ولم تعد هناك أي قيود مانعة لإطلاق باب الترشيح والاختيار مع وجود ضمانات الجدية واحترام المنافسة علي منصب الرئيس‏.‏

برلمان يضع الموازنة ويختار الحكومة
الأمر الثاني هو تحقيق التوازن بين السلطات بتوسيع صلاحيات السلطة التشريعية في مجال الموازنة العامة للدولة‏,‏ ومنحها حق سحب الثقة من الحكومة‏,‏ وهي خطوة استراتيجية كبيرة‏,‏ لايمكن التقليل من أهميتها في فتح الرقابة الشعبية علي أموال الدولة وحماية حقوق دافعي الضرائب‏,‏ ومراقبة الحكومة التنفيذية في التصرف في الميزانية‏,‏ وتوجيهها لمصلحة الشعب بكل فئاته‏.‏

وكذلك تحقيق التوازن داخل السلطة التنفيذية نفسها بتقليل سلطات رئيس الجمهورية ومنح سلطة أكبر لرئيس مجلس الوزراء والحكومة التنفيذية‏,‏ في نظام حديث وكفء‏,‏ يقترب من النظام البرلماني‏,‏ ويعطي السلطة الرئاسية مكانتها ودورها‏,‏ للحفاظ علي الاستقرار‏,‏ وأن تكون حكما بين السلطات‏,‏ والتغيير هنا يحمل في طياته معني التدرج والتطور السياسي‏,‏ ويشير إلي قدرة المجتمع المصري علي التحول نحو نظام ديمقراطي عصري‏,‏ دون حدوث هزات أو فجوات‏,‏ والتدرج هنا علامة مميزة يجب الإشادة بها ووضعها في مكانها الصحيح‏,‏ وعدم التقليل منها لمصلحة أهواء‏..‏ أو جريا وراء الراغبين في القفز في الهواء دون معرفة موضع أقدامهم‏.‏

دستور يصون الحريات ويحمي الوطن من الإرهاب
أما الأمر الثالث والمهم فهو التطور الجوهري الذي يتعلق بأن التغييرات الدستورية الجديدة سوف تتيح لمصر إنهاء حالة الطوارئ التي طالت‏,‏ والانتقال للعمل وفق القوانين العادية‏,‏ مع تحصين المجتمع من الظاهرة الإرهابية التي هددت حياتنا طويلا في التسعينيات من القرن الماضي‏,‏ وحققت التعديلات الدستورية التوازن الدقيق بين الحريات العامة التي كفلتها المواد‏(41‏ و‏42‏ و‏45)‏ في الدستور للحريات العامة‏,‏ مع تحصين المجتمع ضد الجريمة الإرهابية عن طريق هدفين‏,‏ هما‏:‏ المساواة بين التلبس والجريمة الإرهابية في حالات الضبط‏,‏ علي أن تكون تحت رقابة القضاء اللاحقة‏,‏ وحق رئيس الجمهورية في إحالة الجريمة الإرهابية إلي محاكم عسكرية لسرعة البت في القضايا‏,‏ مع حمايتها وصيانتها للحريات الثلاث التي كفلها الدستور للمواطنين عامة‏(‏ الشخصية‏,‏ والمسكن‏,‏ والمراسلات‏).‏

وغالبا ما يقول البعض إن قانون العقوبات كاف لمواجهة الجريمة الإرهابية‏,‏ لكنه غير كاف لمكافحة الإرهاب‏.‏ ففي قانون العقوبات تتم العقوبة علي أثر الجريمة‏,‏ في حين أن قانون الإرهاب الجديد يستهدف مكافحة الجريمة قبل حدوثها بالمعني الوقائي العام‏.‏ فنحن أمام جريمة خطيرة‏,‏ تتطلب مواجهتها تشريع قانون‏,‏ يتناسب مع طبيعتها الخطيرة علي أمن وسلامة الفرد والمجتمع‏.‏ ولا مساومة في جريمة الإرهاب‏,‏ فهي ليست كأي جريمة أخري‏,‏ ويجب أن تحال إلي أي قضاء‏,‏ بما فيه القضاء العسكري‏.‏ فالجريمة الإرهابية ترتكب عادة بأدوات حرب‏(‏ ذخائر وصواريخ‏),‏ ويرتكبها أفراد وميليشيات ذات تنظيم شبه عسكري‏.‏ لذا‏,‏ فهي جديرة بأن تعرض علي محاكم تستطيع أن تفصل فيها‏,‏ بالخبرة والقدرة والسرعة معا‏,‏ وتحت رقابة كاملة من القانون‏.‏
ولنتذكر مخاطر الإرهابيين أسامة سرايا

فنحن أمام تطور يجب أن نساعد جميعا في تحقيقه‏,‏ وهو الحفاظ علي استقرار الوطن‏.‏ ولنتذكر جميعا أن حالة الأمن التي نعيشها الآن لم تكن متوافرة منذ أواسط السبعينيات وحتي اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات في عام‏1981,‏ وتنوعت مصادر الخطر الإرهابي الممثل في الجماعات المسماة دينية‏,‏ مثل الإخوان المسلمين‏,‏ والجماعة الإسلامية‏,‏ أو الجهاد‏,‏ وغيرها‏,‏ وجرائمهم متعددة من اغتيالات للمسئولين والوزراء والأدباء والكتاب‏,‏ حتي تهديدهم الاقتصاد القومي في مجالات عديدة‏,‏ وقد عشنا حالات عنف هذه الجماعات في عامي‏1982‏ و‏1984,‏ ثم عاد مؤشر العنف يتفاقم في عامي‏1993‏ و‏1994‏ بما أدي إلي انعكاسات سلبية علي الاقتصاد المصري الذي كان من الممكن أن يتعافي ويتطور‏,‏ لكن عقبة الإرهاب وقفت ضد مصلحة الشعب بعد أن عادت لتنظيم صفوفها في الخارج وأقامت تنظيمات جديدة لها في الداخل‏,‏ وهددت اقتصاد مصر‏,‏ وجمدت الحياة في الصعيد‏,‏ مما كان له أبشع الأثر علي حياة المواطنين في جنوب الوادي‏,‏ وأدي إلي هروب الاستثمارات‏,‏ وإلي انخفاض حاد في مستوي المعيشة‏.‏

ومن الواضح أن انحسار العنف بنهاية القرن العشرين لم يأت من فراغ بل كان نتيجة تطورين مهمين‏:‏ الأول هو اتباع استراتيجية أمنية تقوم علي أسلوب المبادرة والوجود الأمني المكثف والمستمر‏.‏ أما التطور الثاني فهو تكاتف المجتمع مع الدولة في مواجهة الإرهابيين‏,‏ خاصة بعد تعرض المواطنين الأبرياء للقتل في عمليات العنف التي قامت بها تلك الجماعات‏,‏ إذ روعوا الآمنين‏,‏ وهددوا استقرار المجتمع‏.‏

ويجب أن نعطي حالة الطوارئ حقها في هذا المضمار‏.‏ وإذا كنا نشعر الآن بنوع من الأمن‏,‏ ونلمس التطور الاقتصادي والنمو الذي بدا حقيقيا من عام‏2001.‏ حيث حققت مصر نسب نمو متفاوتة وصلت إلي‏6.9%‏ في العام الماضي‏,‏ فإننا لا ننكر دور هذه الحالة في تحقيقه‏,‏ وإذا كنا نتطلع للمستقبل ولاستمرار الإصلاحات فيجب أن نقف جميعا صفا واحدا وراء التغييرات الجديدة التي تكفل استمرار التوازن بين تحقيق أهداف الإصلاح ومواجهة التطرف والإرهاب‏.‏

لقد جاءت الصياغات الدستورية الجديدة دقيقة تحمل لنا بوضوح أن الدولة لن تقايض الأمن بالحرية‏,‏ أو الاستقرار بقمع التعدد‏,‏ ولأن أي نظام رشيد لايمكن أن يتخلي عن الأمن باعتباره مهمة أساسية للدولة‏,‏ بل هو الأولوية الأولي لأي نظام سياسي‏,‏ من أجل تعبئة الشعب للحفاظ علي البقاء في ظروف عالم يتغير بسرعة في كل المجالات‏,‏ كما يضطلع بمهام دفع المجتمع في اتجاه الاستجابة لتطلعات المواطنين في حياة كريمة لائقة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا‏.‏

نظام انتخابي متطور وانتخابات نزيهة
أما الأمر الرابع فقد استطاعت حزمة التعديلات الدستورية التعاطي بإيجابية مع رغبة المجتمع في تغيير النظام الانتخابي الراهن‏,‏ وطريقة إدارة العملية الانتخابية التي شابها في السنوات الماضية كثير من القصور وعدم القدرة علي التكيف مع المتغيرات عن طريق فتح الباب لظهور قانون انتخابي جديد‏,‏ حيث كان الدستور الحالي يقيده في شكل واحد‏,‏ هو الانتخاب الفردي‏,‏ وجعل النظام الانتخابي ـ وهذا شيء طبيعي ـ جزءا من القانون‏,‏ وليس من الدستور‏,‏ بما يساعد علي تقوية النظام الحزبي‏,‏ ويحافظ علي وجود المستقلين‏.‏

ولعل التغيير الأمثل الذي تم في أسلوب إدارة العملية الانتخابية بظهور لجنة عليا لشئون الانتخابات‏,‏ علي أن تكون مستقلة‏,‏ وتضم الخبرات المجتمعية بما فيها رجال القضاء الحاليون والسابقون مع تحصينهم للمهمة الانتخابية بما يحقق سرعة تنفيذها‏,‏ والقدرة علي إتمامها في يوم واحد‏,‏ مع تجاوز سلبيات الانتخابات السابقة التي كانت تجعل قاضيا لكل صندوق‏,‏ وإعاقتها للعملية الانتخابية‏,‏ لأن طبيعة القاضي وثقافته وتعليمه تجعله غير قادر علي تقديم خدمة البحث في الكشوف من الناحية الموضوعية مما‏,‏ يضع أعباء وصعوبات أمام الناخبين تجعلهم ينفرون من العملية الانتخابية لطول المدة وازدحام طوابير الانتظار وصعوبة الانتخاب‏.‏

ونستطيع أن نعتبر أن تلك الخطوة حققت الإشراف القضائي الحقيقي والفعال والمنجز علي العملية الانتخابية وتوابعها‏,‏ من الفرز وحتي إعلان النتيجة‏,‏ وتتحمل خلالها اللجنة الانتخابية الجديدة مهامها الواسعة‏..‏ السياسية أكثر من القضائية البحت مع تحصينها‏.‏

حماية النظام التعددي
وحظر الأحزاب علي أساس ديني

رشيد محمد ـ يوسف غالى ـ محمود محيى الدين أسامة سرايا
رشيد محمد ـ يوسف غالى ـ محمود محيى الدين

 

والأمر الخامس أن التطور الدستوري الجديد يشير إلي تغيير استراتيجي في بنية النظام السياسي المصري‏,‏ خاصة عندما تضمنت المادة الخامسة حماية النظام الحزبي والتعددي بحظر مباشرة العمل السياسي علي أساس ديني‏,‏ وهو في هذه المادة يحمي البلاد من الفتنة‏,‏ ويمنع أي التفاف علي العمل السياسي بالأساليب الملتوية أو الميليشيات أو العنف‏.‏

ووضع الدستور لأول مرة خطا فاصلا بين الجماعات التي تتبني برنامجا سياسيا ينذر المجتمع بكل الأخطار‏,‏ عبر خلط الأوراق بين ماهو سياسي وديني تلك الجماعات المحظورة التي استطاعت أن تخترق مؤسساتنا الدستورية‏,‏ بالمخالفة للقوانين وتوجد تحت قبة البرلمان لتمارس الآن نوعا من الفوضي‏,‏ وتقف ضد إصلاحاتنا الدستورية‏,‏ وأصبح واضحا أن الإصلاح سوف يأخذ مداه‏,‏ حيث تنص المادة الخامسة علي عدم مشروعية قيام حزب ديني أو عنصري أو طائفي‏.‏

ولأن دستورنا يعلي من قيمة المواطنة والمصالح الوطنية العليا التي تحقق المساواة‏,‏ فالعمل السياسي لابد أن يسعي إلي خدمة المواطنين جميعا علي اختلاف أديانهم وأعراقهم وطوائفهم‏.‏

ومازلنا نتذكر‏,‏ بل ونعايش‏,‏ كيف تتلاعب هذه الجماعة بشعارات تجد في الخلفية الدينية للمصريين شيئا من التعاطف‏,‏ حتي أدرك الجميع زيف تلك الشعارات‏,‏ ولو أن التعديلات الدستورية انتهت إلي تنقية حياتنا الدستورية من مثل هؤلاء لكفتنا شرورا كثيرة‏,‏ فليس في تلك التعديلات ما يمنع مواطنا مصريا مسلما أو قبطيا من ممارسة حقوقه في إطار أحزاب سياسية تستوعب الجميع دون تفرقة‏,‏ وتعمل من أجلهم دون تحيز‏.‏

إن قضية تعديل الدستور وصلت إلي مرحلة مهمة وحساسة من النضج والتكامل‏,‏ وعلينا جميعا أن نتكاتف حتي تصل التعديلات إلي بر الأمان‏,‏ وأن تزداد وتتحقق المشاركة السياسية لكل المواطنين‏,‏ فهي هدف الدستور الجديد‏.‏ ولندرك أن الإصلاح مستمر ولن يتوقف‏.‏

ولعلي أخيرا أتوقف أمام الدور المؤثر والفعال الذي قام به فريق الحزب الوطني وخبراؤه السياسيون والقانونيون في إدارة عملية الحوار الواسع حول التعديلات الدستورية‏.‏ وقد كانوا بالأمس في اجتماع لجنة السياسات واضحين ومعبرين ومستوعبين أن الدستور المصري لا يوضع لمصلحة حزب‏,‏ ولكن للوطن ككل‏,‏ بل إن أعضاء الحزب ولجنة سياساته مارسوا بحرية كاملة شرح آرائهم وتطلعاتهم للدستور‏,‏ واستمعوا وتناقشوا وخرجوا بالتصور الكامل‏,‏ من صفوت الشريف الأمين العام للحزب الوطني الذي شرح بعمق وأكد أن الدستور خرج من قلب الوطن وعمقه‏,‏ وأن مصر دولة مدنية وليست علمانية أو دينية وأن دستورها يحمي حرية ممارسة الشعائر الدينية‏..‏ وجمال مبارك أمين السياسات‏,‏ الدينامو الذي يضع عينه علي السياسات العامة والخطوط العريضة‏,‏ ولا تضيع منه التفصيلات‏..‏ والذي يحترم الجميع ويحترمه الجميع‏,‏ بدوره شرح كيف أن الدستور الجديد فتح الآفاق للمجتمع لاختيار النظام الاقتصادي الذي يتناسب معه‏,‏ وكيف وضع أمامه ونصب عينيه حماية البعد الاجتماعي للبسطاء‏,‏ وصيانة الحريات الأساسية‏.‏ وإحداث التحول أو النقلة النوعية لقيام قانون يحمي المجتمع علي المدي الطويل من الإرهاب وتبعاته‏..‏ وشخص التحول السياسي الكبير الذي تشهده مصر في ظل تحديث الدستور‏.‏

ويجب ألا ننسي أن جلسة المجلس الأعلي للسياسات أمس الأول كانت في حد ذاتها رسالة مهمة للمجتمع لم تقتصر علي تقديم الدستور المصري الجديد بعد التعديلات‏,‏ وتأثيرها الاستراتيجي علي شكل الإصلاح السياسي‏,‏ الذي يعتبر برنامج الرئيس وعموده الفقري‏,‏ ولكنه اهتم في الجلسة الثانية بوضع الشعب والحزب أمام المؤشرات الاقتصادية وسياسات تحفيز الاستثمار‏,‏ التي عكست أننا بدأنا بالفعل نجني ثمار العمل الجاد‏,‏ فالاقتصاد في عامه الأخير‏,‏ هو الأعلي في معدلات النمو وجذب الأموال‏,‏ ومعدلات التشغيل‏,‏ ومراعاة البعد الاجتماعي والخدمي وتحسين أوضاع العاملين‏,‏ والأهم أننا جادون في النقد والعمل لاستمرار الإصلاحات المالية والنقدية‏,‏ وزيادة الإنتاجية‏,‏ ولسنا قانعين‏,‏ ومازال أمامنا الكثير لنحققه في مجالات عديدة‏.‏

إن مجموعة الخبراء الذين قدموا الدستور‏:‏ السياسيون د‏.‏ مفيد شهاب ود‏.‏ علي الدين هلال ود‏.‏ محمد كمال والقانونيون محمد الدكروري ورمزي الشاعر ـ قادرون وملمون بمختلف التفاصيل‏,‏ ويجب أن نستمع إليهم جميعا بروح مختلفة‏,‏ فرغم حزبيتهم وانتمائهم للحزب الوطني لكننا لمسنا تجردهم وتطلعهم إلي الدستور الجديد للوطن ككل‏,‏ لأنه يحقق تطلعاتنا في اللحظة الراهنة‏,‏ ويعبد المسار نحو المستقبل ليفتح أمام مصر بابا سحريا للإصلاح السياسي‏.‏ وتحقيق بنية أساسية سياسية قادرة علي قيادة المجتمع إلي الأمام‏,‏ واستيعاب كل المصريين في حركة دءوب متطورة لعملية سياسية عصرية‏,‏ دون الانزلاق إلي الفوضي أو الردة لأي سبب من الأسباب‏.‏

والاقتصاديون د‏.‏ يوسف بطرس غالي ورشيد محمد رشيد ومحمود محيي الدين‏..‏ قدموا الاقتصاد والاستثمار‏:‏ رؤية الداخل وقياسات الخارج‏,‏ ومنظماته الإقليمية‏,‏ والدولية‏,‏ وتلك قصة أخري تستحق أن تكتب بالكثير من الفخر والاعتزاز أننا نتحرك في كل الجبهات‏,‏ وعملية البناء والتحديث لا تتوقف‏,‏ وبالتأكيد فإن ثمارها ستعود علي الجميع‏.‏

ولعلنا الآن نشعر ببداية العافية والتطور‏,‏ ولكن حان أوان المشاركة للجميع‏,‏ وعلي المترددين والخائفين‏,‏ وحتي المعوقين‏,‏ أن يراجعوا مواقفهم‏,‏ وأن يمدوا أيديهم‏,‏ فالحركة تستوعب الجميع والصورة مبشرة والمستقبل مشرق بكل تأكيد‏.‏

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى