مقالات الأهرام اليومى

مصر‏..‏ الدور والمكانة والتغيير بين عقلية المنتصرين والجماعة المحظورة‏!‏

عبر عصور التاريخ سكنت نفوس المصريين رغبة شديدة في البقاء والإبقاء علي مجتمعهم صحيحا ومتماسكا‏.‏ فكانت حضارتهم أكثر الحضارات احتفاء بالأبدية‏,‏ واقتربت هذه الرغبة من الغريزة الاجتماعية‏,‏ التي حفظت لمصر بقاءها وتماسكها في مواجهة تقلبات الزمن‏.‏ فعندما جاءها الغزاة من الشرق والغرب‏,‏ ومن الشمال والجنوب أذابتهم في ثقافتها فزالوا جميعا‏,‏ وبقيت هي بشموخها وعظمتها‏,‏ و في لحظات الدراما الوطنية كان المصريون يستحضرون دوافع البقاء الكامنة في الأعماق‏,‏ حفاظا علي بلادهم آمنة‏,‏ عزيزة وموحدة‏,‏ ووصف الحس الشعبي مصر بالمحروسة برغم كثرة الأعداء‏,‏ وتدافع الغزاة عبر أراضيها‏.‏ وإذا كان التاريخ لايعيد نفسه كاملا في كل دورة من دوراته المتعددة في هذه البلاد‏,‏ فإنه أبقي تلك الغريزة الاجتماعية متصلة عبر العصور وفي مواجهة جميع التحديات‏.‏

وهذا الدرس التاريخي لابد أن نستحضره ونحن نتابع مسيرة الأحداث في بلادنا ومن حولها‏.‏ فلقد طاب للبعض منا أن يرفع صوته‏,‏ بين وقت وآخر‏,‏ محذرين مما يصفونه بالفوضي والاضطراب اللذين يسكنان عقولهم لا لشئ إلا لأن أحدا لم ينصت لنصائحهم‏,‏ ولم يعمل بها‏,‏ أو لم يكن من حوارييهم يدور معهم حيث داروا فيما يطرحونه من أفكار وآراء حول الإصلاح السياسي‏,‏ وهذه النغمة الغريبة تتسرب من حين إلي آخر في كتابات بعض من يسمون أنفسهم بالمحللين السياسيين‏,‏ الذين امتلأت بهم الساحة من حولنا‏.‏ والغريب أنها تتخفي في شكل التحذير تارة‏,‏ والنصيحة تارة أخري حتي تتحول مع التكرار والإلحاح إلي هاجس يتردد في دوائر أوسع من باب النصيحة‏,‏ أو الخوف من المستقبل فتكتسب آراؤهم وتحليلاتهم قوة دفع إضافية‏.‏

ربما تناسي كثيرون من هؤلاء أن ما يحدث الآن في مصر دليل حياة وحيوية ورغبة جماعية في إعادة صياغة الواقع الذي نعيشه لبناء مستقبل آمن للأجيال المقبلة وليس نذيرا بشئ نخشاه‏.‏ فنحن نمضي إلي ما نريد‏,‏ ولن تتراجع خطانا عما حققناه من مكتسبات اقتصادية وسياسية واجتماعية‏,‏ ولن تنال من جهودنا الإصلاحية دعاوي التشكيك‏,‏ التي تريد بث روح اليأس‏,‏ ولن نجزع أو نخضع لأقوال مرسلة تنشرها بعض الصحف الصغيرة وبعض الفضائيات‏,‏ التي تريد النيل من همتنا وعزمنا علي مواصلة الإصلاح‏,‏ كما تريد أن تثنينا عما نراه صحيحا وفاعلا في الحفاظ علي أمننا واستقرارنا‏,‏ وتنقية صفوفنا من قوي الظلام المتربصة بكل إنجاز‏,‏ والمنتهزة كل فرصة لإهالة التراب علي واقع تتوالي إنجازاته يوما بعد آخر‏.‏

إن قراءة ما يحدث الآن في مصر تحتاج إلي بصيرة‏,‏ وفهم للشخصية الاجتماعية المصرية‏,‏ وطبيعة ما يمر به مجتمعنا من تغيرات وإصلاحات اقتصادية وسياسية‏,‏ تتجه جميعها نحو الأفضل‏,‏ إذ لاوجه للمقارنة بين ما كنا عليه وما نحن فيه‏,‏ وما نحن مقبلون عليه بفعل الإصلاحات التي تتسارع في جوانب عديدة‏,‏ وهذه الإصلاحات تتسع في تقويمها لوجهات نظر كثيرة ومتباينة‏,‏ ولكن لايختلف اثنان علي أنها خطوات إلي الأمام‏,‏ وقد لايريد البعض أن تكون تلك الخطوات إصلاحية‏,‏ وإنما يريدها ثورية تقلب الأوضاع رأسا علي عقب بين عشية وضحاها‏,‏ وهذا حق مكفول له طرحه وإبداء الرأي فيه‏,‏ في إطار حرية التفكير والتعبير‏,‏ ولكنه لابد أن يعي أن للآخرين كامل الحقوق في العمل من أجل أن تكون تلك الخطوات إصلاحية‏,‏ بحيث لاتقفز بالمجتمع خطوات غير محسوبة بكل ما يعنيه ذلك من أهمية التخلي عن التسلط ومحاولة فرض الآراء والتحليلات التي تأتي مذيلة بتحذير درامي من أوضاع مأساوية قادمة‏!‏

فلقد حذرت من قبل من عقلية الأرانب البرية التي تقفز أولا‏,‏ ثم تنظر إلي أين تهبط من قفزاتها‏,‏ فتمتليء بجثثها سفوح الجبال‏.‏ فهذه النظرة ورثناها من عقلية الهزيمة‏,‏ وكان من نتائجها المروعة مأساة‏1967‏ علي الصعيدين الداخلي والخارجي‏.‏ أما اليوم فإننا نعيش بعقلية مصر المنتصرة‏..‏ عقلية مصر‏1973‏ التي يقودها زعيم منتصر حقق لمصر الكثير‏,‏ فهو يقودها اليوم داخليا وخارجيا بعقلية المنتصرين الذين يعرفون حقيقة الدور ومعناه‏..‏ والنصر ومكافآته‏..‏ والتغيير الحقيقي ومكانته‏.‏ ولكننا في لحظات التغيير نجد من يفكر بعقلية المهزومين والباحثين عن أدوار وهمية‏..‏ نعم في مصر اليوم من يفكرون بهذه الطريقة القديمة التي أورثتنا الهزيمة والدور الخائب‏,‏ وإذا كان من حقهم أن يفكروا علي هذا النحو‏,‏ فإنه ليس من حقهم أن يفرضوا نمط تفكيرهم علي الجميع تحت ستار التحذير من فوضي قادمة‏,‏ أو من غياب دور‏,‏ أو التباكي علي ماضي المنهزمين وسلوكهم المعيب‏,‏ سواء في السياسة الداخلية أو الخارجية‏.‏

فحين نفكر في الإصلاح السياسي أو الاقتصادي لابد أن نعرف إلي أي واقع سوف ينتهي بنا هذا الإصلاح‏,‏ فلقد أضاعت عقلية الأرانب البرية دولا‏,‏ وهوت بكثير من الإمبراطوريات وأضاعت أجيالا‏,‏ وأهدرت موارد كثيرة‏.‏ فنحن لانقوم بالإصلاح لكي نوصف بأننا مصلحون‏,‏ ولكننا نعمل من أجل واقع أفضل ومستقبل أكثر أمنا‏,‏ وفرص أوسع للأجيال المقبلة لكي تعمل وتبدع‏,‏ وليس مهما أن نخرج من مساعي الإصلاح بحزمة من السياسات والإجراءات المملؤة بالوعود البراقة‏,‏ بل الأهم هو أن نخرج بحزمة من السياسات والبرامج التي يمكن تنفيذها بأمان وفاعلية‏,‏ تحفظ للمجتمع استمراره وتطوره‏,‏ وتفي بآماله وطموحاته‏.‏ وفي سبيل ذلك لابد أن يستمر الحوار بضوابطه وغاياته التي لاتخرج عن مصلحة المجتمع بفئاته المختلفة‏.‏ أسامة سرايا
…………………………………………..‏

والمشكلة الرئيسية التي نواجهها الآن تتمثل في التنظير الذي يخرج به كثيرون من محللي الصحف الصغيرة والفضائيات العربية‏,‏ حيث يعرضون أفكارا يستعيرونها من هنا وهناك‏,‏ ويريدون فرضها علي واقع مختلف‏.‏ فلم تعرف الديمقراطية في تطورها نسخة واحدة قابلة للتطبيق في كل مكان وزمان‏.‏ ولم تكن كذلك في تاريخها منتجا جاهزا للاستخدام دون تعديلات‏.‏ إذ إن لها مبادئ لا خلاف عليها‏,‏ ولكنها تحتمل آليات عمل كثيرة‏,‏ يتم تكييفها حسب ظروف كل مجتمع‏.‏

والحقيقة أنني بالحديث عن الواقع وأهميته في الإصلاح لا أريد أن أعطل مبدأ من مبادئ الديمقراطية‏,‏ أو أن أدافع عن وجهة نظر دون أخري‏,‏ ولكنني أشير فقط إلي أهمية استلهام الواقع في صياغة البرامج الديمقراطية حتي تؤتي ثمارها وتحقق أهدافها‏.‏

ولا أحد يجادل في أن المجتمع المصري يمر بحالة من الحوار النشيط والساخن خلال العامين الأخيرين‏,‏ وهي حالة ضرورية له لكي يتعافي من السلبية التي لازمته زمنا‏,‏ ولكي يتفاعل تفاعلا حيا مع معطيات واقعه السياسي‏..‏ وهذا الحوار اتسعت مناقشاته وتسارعت خطاه بفعل مبادرات حقيقية من الرئيس حسني مبارك‏,‏ بانتخاب رئيس الدولة انتخابا مباشرا وتعديل‏34‏ مادة من مواد الدستور‏.‏ ومن الطبيعي أن تشتد حرارة الحوار باختلاف الآراء والتوجهات دون أن يمس ذلك أمن المجتمع واستقراره‏.‏ ولكن علينا أن نعي أن الأمن والاستقرار يتعرضان للخطر حين يتحول الحوار إلي تحريض وتفريق وبث للأحقاد والكراهية‏.‏

وإذا بلغ الحوار حدود التهديد والخروج علي شرعية المجتمع وقوانينه‏,‏ فإنه يكون من حق المجتمع أن ينهض في مواجهة ذلك‏,‏ وأن يتخذ من الوسائل ما يمكنه من استعادة النظام وفرض الاستقرار‏.‏ صحيح أنه لا أحد يريد اللجوء إلي أي نوع من الإجراءات الاستثنائية ولكن قد يصبح اللجوء إليها أمرا حتميا في مواجهة ظروف خارجة عن الأوضاع الطبيعية‏..‏ وعندما تلجأ مصر إلي مثل هذه الإجراءات فإنها لاتبتدع وضعا جديدا‏,‏ وإنما تلجأ إلي أساليب تأخذ بها الدول الديمقراطية عند الحاجة‏.‏

لقد أراد البعض استثمار ظروف الحوار العام حول الحرية والديمقراطية والتعديلات الدستورية لتحقيق مصالح بعينها‏.‏ حيث ذهبوا به إلي ما هو أبعد من غاياته وأهدافه‏,‏ ووجدوه فرصة للنيل من كل شيء‏,‏ ومحاولة للتخلص مما رأوه مانعا يحول دون تحقيق أهدافهم‏.‏ بل إن منهم من اتجهوا إلي التشكيك في جدوي الحوار ذاته وكأنهم يريدون للمجتمع أن يفقد واحدة من الفرص السياسية الحيوية المتاحة الآن‏.‏ وكما اتجه الإخوان نحو الشارع لممارسة ضغوطهم في محاولة لفرض إرادتهم علي الجميع‏.‏
‏………………………………………………………………….‏

ماذا يريد الإخوان بالضبط؟
والحقيقة التي لابد أن يعيها الجميع هي أن الإخوان أو الجماعة المحظورة ـ كما قلت من قبل ـ يمثلون أكبر عقبة تحول دون تفاعل سياسي حقيقي‏,‏ معبر عن جميع تيارات المجتمع السياسية‏.‏ فهم ليسوا حزبا ولاجماعة لها كيانها القانوني المشروع‏,‏ ومع ذلك يتباكون علي الحرية والديمقراطية التي أتيح لهم منها مالم يتح لهم من قبل منذ إنشاء جماعتهم قبل ثمانين عاما‏.‏وموقف هذه الجماعة معروف للجميع فهي مضطرة للدفاع عن الحرية والتحالف مع الديمقراطية حتي تصل إلي بغيتها‏.‏

كما أن تاريخ الإخوان مع حرية الفكر والتعبير لايحتاج إلي بيان‏,‏ فهم يتباكون علي دولة القانون الذي يعملون خارج ولايته منذ سنوات طويلة‏.‏ ولو استعاد هذا القانون عافيته كاملة لما بقيت جماعتهم يوما واحدا‏..‏ وهي الجماعة التي مازالت مصدرا خصبا لكل نزعات التطرف والتعصب والخروج علي المجتمع‏.‏ والحقيقة أنها راضية في أعماق نفسها بوضعها الراهن الذي يخفي منها أضعاف ما يظهر‏,‏ فتظل بغموضها تداعب خيالات البسطاء‏.‏ ولو قدر لها أن تظهر في الضوء الكامل لتبدلت أوضاعها وظهر حجمها الحقيقي‏.‏ فالواقع أنها بهذا الوجود غير الشرعي والغموض الذي يكتنفها والستار الذي تختبئ وراءه‏,‏ قد تمكنت من زيادة عزلة الأحزاب السياسية التي تعاني ضعفا مزمنا‏.‏

ونأتي إلي التعديلات الدستورية‏,‏ فنجد أن حديث الجماعة عن هذه التعديلات وتأويلاتها لما هو مطروح منها‏,‏ يفتقر إلي أبسط قواعد المنطق‏.‏ إذ كيف يمكن لجماعة غير مشروعة وغير قانونية أن تشارك في صياغة الدستور؟‏..‏ أعتقد أنه قد أصبح ضروريا إصلاح الخلل في وجود تلك الجماعة المحظورة قانونا والقائمة واقعا‏,‏ وإلا فإنها سوف تظل آفة تعانيها الحياة السياسية‏,‏ وعلي من ينتمون إليها أن ينخرطوا في العملية السياسية الجديدة بقواعدها‏,‏ وأن يراعوا ضمير الأمة والضمير الديني الذي يتسترون خلفه كماركة لدغدغة حواس العامة‏..‏ وعليهم أيضا أن يستفيدوا من التطورات السياسية والتغيير المجتمعي والتطور الإيجابي الذي يحدث في مجتمعنا الآن ولأول مرة في تاريخه المعاصر‏.‏

إن اللغة الحقيقية التي نتكلم بها الآن نحو التطور والإصلاح والدور الحقيقي والمكانة المتميزة لمصر‏,‏ ستوجد نهرا من الحركة يستوعب كل المصريين‏,‏ ويجرف أمامه كل الخارجين علي القانون ويضعهم في حجمهم الطبيعي‏..‏ وبذلك تعود مصر أمة الحضارة والتقدم إلي سابق عهدها ونتطلع جميعا إلي مستقبل أفضل لنا ولمنطقتنا‏,‏ بل وللحضارة الإنسانية المعاصرة كلها‏..‏
osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى