مقالات الأهرام اليومى

نحن وإفريقيا والقوي العالمية

رويدا رويدا تعود الأضواء لتسطع من جديد علي القارة السمراء‏..‏ أضواء تكشف وجها جديدا لأراض وشعوب ظلت قرونا في نظر الكثيرين مرتعا للأساطير والخرافات‏,‏ ورمزا للبدائية الباقية في الوجود الإنساني الحديث‏.‏

فإفريقيا التي تعرضت لأشد النكبات في التاريخ‏,‏ وظلت تنزف من البشر ما يكفي وقودا لتحقيق أحلام الإنسان في العالم الجديد‏,‏ تعود اليوم إلي دائرة الضوء والاهتمام‏.‏ فالقمة الإفريقية ـ الفرنسية التي عقدت في مدينة كان ليست إلا اطرادا لواقع جديد‏,‏ ترسم الدول الإفريقية قبل غيرها من القوي العالمية ملامحه‏,‏ وكان الوجود الإفريقي في هذا الملتقي العالمي مغايرا لمؤتمرات الماضي البعيد‏,‏ فلقد جاءت دول القارة بقضاياها المعبرة عن واقعها الجديد‏,‏ لتناقش وتحاور وتطرح حلولا ومبادرات‏,‏ وتبني مشاركة مع القوي السياسية والاقتصادية العالمية وفق منظور جديد‏,‏ فلقد وعي أبناء القارة السمراء الدرس جيدا‏,‏ وهم يرون القوي العالمية تتداعي علي بلادهم‏.‏

ونلمس في خطاب الرئيس حسني مبارك أمام القمة إشارة واضحة إلي المتغيرات التي شهدتها إفريقيا من تطور ونمو في الديمقراطية‏,‏ إلي تواصل في مسيرة الإصلاح والتنمية‏,‏ إلي جهود إعمار وتنمية لبناء مستقبل إفريقي واعد‏,‏ وأيضا في خطاب الرئيس الفرنسي جاك شيراك ما يشير إلي تغير في فهم الجميع لأهمية القارة حيث قال إن جهود العولمة لن تنجح بدون قارة إفريقية قوية واثقة بنفسها‏.‏ أسامة سرايا

وكانت مشاركة مصر في تلك القمة بوفد رفيع المستوي برئاسة مبارك تعبيرا عن ذلك التغير الذي تطرحه إفريقيا في معادلات القوي الكبري في عالم اليوم‏.‏ وهذا التعبير له مغزاه في تأكيد الانتماء المصري لإفريقيا‏,‏ والمشاركة المصرية الفاعلة في مشكلات القارة وهمومها وطموحاتها علي السواء‏,‏ وقد أكد الرئيس ذلك بوضوح كامل‏,‏ وكان حضوره هذا المؤتمر وتحركاته النشيطة والفاعلة بعد فترة وجيزة من مشاركته في القمة الإفريقية ـ الصينية في بكين دعما قويا للمساعي الإفريقية نحو إيجاد واقع إفريقي جديد علي الساحة العالمية‏.‏ فعلاقات الرئيس الواسعة والقوية مع جميع القوي العالمية يمكن أن تمثل رافدا مهما لدعم مصالح القارة وقضاياها‏,‏ وهذه حقيقة يدركها القادة الأفارقة جيدا‏.‏ فالرؤية المصرية لكل القضايا التي تمس حاضر ومستقبل القارة هي بالتأكيد دعم مهم لجميع الجهود الإقليمية والدولية لحل النزاعات وتحقيق الأمن والسلم والتنمية في ربوع القارة‏.‏

لقد بات واضحا أهمية حضور الرئيس تلك القمة علي الجانبين الفرنسي والإفريقي‏.‏ فقد اعتبر متحدث باسم قصر الإليزيه مشاركة مبارك في القمة الإفريقية ـ الفرنسية من دواعي النجاح لإيجاد حلول لمشكلات القارة الاقتصادية والبيئية والسياسية‏.‏ وكانت الموافقة الإفريقية ـ الفرنسية علي أن تستضيف القاهرة القمة المقبلة‏,‏ تعبيرا عمليا عن التقدير لشخص الرئيس مبارك وجهوده ومكانته‏,‏ بل إن دوائر البرلمان الفرنسي قالت‏:‏ إن عقد القمة المقبلة في القاهرة سيكون عنوانا لتحرك القارة سياسيا واقتصاديا لتأخذ مكانتها علي الساحة الدولية‏,‏ نظرا لموقع مصر السياسي علي هذه الساحة‏.‏ كما أشار سياسي فرنسي بارز إلي أن مصر الإفريقية تعد مكسبا كبيرا للعلاقات الفرنسية ـ الإفريقية نظرا للروابط الخاصة التي تربط مصر بفرنسا‏,‏ والدور الذي يقوم به مبارك علي الساحتين الإفريقية والدولية‏.‏

وفي ردهات المؤتمر تناول حديث السياسيين الأفارقة والفرنسيين محورية الدور الذي يمكن أن تقوم به القاهرة في المرحلة المقبلة‏,‏ لدعم المساعي الإفريقية إقليميا ودوليا من أجل التنمية ونشر السلام وتسوية النزاعات الإفريقية‏.‏ والحقيقة أن المحيط الإفريقي يستحق منا اهتماما متواصلا‏,‏ لاتنال منه القضايا الملتهبة والساخنة في المنطقة المجاورة‏.‏ فلا يخفي علي أحد أن بعض القوي الإقليمية والعالمية كانت ـ ومازالت ـ تسعي إلي إبعاد مصر عن محيطها الإفريقي لإيجاد فراغ سياسي‏,‏ تستطيع هذه القوي أن تمارس عليه نفوذها وتحقق فيه مصالحها‏.‏

فدعاوي الفصل بين الشمال الإفريقي وبقية أجزاء القارة عرقيا وثقافيا مازالت تتردد‏,‏ بهدف عزل القدرات المصرية عن العمل‏,‏ واختزال القارة الإفريقية في المنطقة الممتدة جنوب الصحراء لتخرج منها مصر‏,‏ ومازالت دول شمال إفريقيا هدفا للبعض حتي اليوم‏.‏ وهناك من يصور الأزمة في دارفور علي أنها صراع بين العرب والأفارقة‏.‏ لكن الحقيقة بالتاريخ القديم والحديث والجغرافيا البشرية والسياسية والأمن القومي تدحض كل هذه الدعاوي‏,‏ وتؤكد أن روابط وثيقة تربط مصر بمحيطها الإفريقي‏,‏ بل إن شريان الحياة المصرية يربط ـ عضويا ـ مصر بقلب القارة السمراء‏.‏

ولعل ما يتحقق الآن من جهود توحيد المواقف الإفريقية بشأن القضايا الإقليمية والعالمية يكون دافعا لدعم الاهتمام بالقضايا الإفريقية‏,‏ وتحقيق وجود مصري فاعل‏,‏ يليق بمكانة مصر ودورها التاريخي في إفريقيا‏,‏ ويليق أيضا بما يرجوه الأشقاء في جميع ربوع القارة من مصر ـ قيادة وشعبا‏.‏

وتشير تداعيات الأحداث إلي أن القارة السمراء أصبحت هدفا لكثير من القوي الكبري التقليدية والأخري الصاعدة‏,‏ بحثا عن ثروات القارة المعلنة وغير المعلنة‏.‏ وقد أصبحت المنافسة علي إفريقيا حقيقة واقعة‏.‏ فالصين تسعي نحو تأكيد مواقع لها في القارة الغنية بمواردها وثرواتها الطبيعية‏,‏ وكذلك الهند‏,‏ بالإضافة إلي منافسة حادة بين الأمريكيين والفرنسيين وقوي أخري في الطريق‏.‏ وفي الوقت نفسه فإن شعوب القارة لم تعد ترضي أن تكون مثلما كانت مصدرا للمواد الأولية التي تنتزع من أراضيها بأبخس الأسعار‏,‏ ليعاد تصديرها إليها شبه مصنعة بأثمان باهظة‏,‏ في الوقت الذي تدني فيه دخل المواطن الإفريقي إلي ما دون ما يقع عليه من ديون‏.‏ ففي عام‏2005‏ لم يتعد متوسط الدخل السنوي للفرد‏308‏ دولارات‏,‏ بينما يصل نصيبه من إجمالي الديون إلي‏365‏ دولارا‏.‏

وتستحق إفريقيا‏,‏ وهي محيطنا الإقليمي‏,‏ المزيد من الاهتمام والمبادرات المصرية وتوظيف قدراتنا وعلاقاتنا الدبلوماسية للدفاع عن مصالحها وحقوقها المشروعة في عالم اليوم‏.‏فلقد شاركت مصر أربع دول إفريقية في إطلاق مبادرة النيباد عام‏2001‏ وهي كل من جنوب إفريقيا والسنغال ونيجيريا والجزائر‏.‏ وهي ترأس اليوم اللجنة المشكلة لمتابعة تنفيذ المبادرة والتي تضم في عضويتها خمس عشرة دولة بواقع ثلاث دول لكل منطقة من مناطق القارة‏.‏ وسوف تتولي مصر من خلال رئاسة تلك اللجنة التنسيق مع الدول الصناعية الثماني الكبري‏,‏ لعرض مطالب القارة السمراء‏.‏ ولابد لهذا الجهد المصري أن يستمر ويتواصل‏.‏

وفي القمة الإفريقية ـ الفرنسية نوقشت ثلاث قضايا رئيسية تمثل أولويات العمل في المرحلة المقبلة وهي‏:‏

‏*‏ المواد الأولية والاقتصادات الإفريقية‏,‏ والبحث عن دور فاعل للقارة في المنظومة الاقتصادية العالمية وعدم الوقوف عند حدود أن تكون مصدرا رخيصا للمواد الأولية‏,‏ وهو ما عبر عنه الرئيس مبارك في كلمته بأنه قد مضت إلي غير رجعة مقولة إن إفريقيا قارة غنية وشعوب فقيرة‏.‏ فالقارة السمراء في حاجة إلي دعم جاد وملموس من الشركاء الدوليين‏,‏ بما يساعد الجهود الإفريقية في هذا الصدد‏.‏ فقائمة المشكلات طويلة في مواجهة الفقر والأمراض والديون المتراكمة ومكافحة التصحر والجفاف‏.‏

‏*‏ الواقع الإفريقي في عصر المعلومات‏,‏ حيث يعتمد الاقتصاد العالمي الآن علي صناعة المعلومات في الوقت الذي مازالت فيه أجزاء واسعة من القارة تقف عند حدود الثورة الصناعية‏,‏ وهو ما يحتم البحث عن سبل لدخول إفريقيا عصر اقتصاد المعلومات‏,‏ كما أنها بحاجة إلي من يساعدها علي نقل التكنولوجيا وتوطين صناعة المعلومات‏.‏

‏*‏ أما القضية الثالثة فهي قضية مكانة إفريقيا في العالم وصورتها في الإعلام العالمي‏.‏ وقد طرح الرئيس مبارك في المؤتمر آلية تنسيق بين مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي‏,‏ في ضوء حقيقة أن نحو‏60%‏ من القضايا التي تعرض علي مجلس الأمن تتعلق بالصراعات والأزمات في القارة‏,‏ وربما تفتح هذه الآلية الجديدة بابا أمام تفاعل نشيط بين التنظيمات الإفريقية ومشكلات القارة‏,‏ وتأكيد الدور الإفريقي في مواجهة المشكلات المحيطة بالتنسيق مع المنظمات الدولية والقوي العالمية‏.‏ وفي مداخلة للرئيس أمام المؤتمر أكد أن تعزيز مكانة إفريقيا في العالم يرتبط بقدرتنا علي الوصول بالرسالة والقضايا الإفريقية إلي الشركاء الدوليين‏,‏ وأن مبادرة النيباد تمثل إطارا مهما للمشاركة بين إفريقيا والقوي الكبري‏.‏ والحقيقة أن تلك المبادرة تحقق نجاحات متتالية علي صعيد العلاقات الإفريقية ـ العالمية‏.‏ فمجموعة الدول الثماني‏,‏ كما أعلن الرئيس مبارك‏,‏ تتجه نحو دعوة رئيس الاتحاد الإفريقي للمشاركة في قمة الدول الصناعية المقبلة في ألمانيا‏.‏

أما قضية الصورة الإفريقية في الإعلام الغربي فهي قضية لها تأثيراتها المدمرة علي جميع جوانب الحياة في القارة السمراء‏.‏ فقد دأبت وسائل الإعلام الغربية‏,‏ ومن ورائها كثير من وسائل الإعلام الأخري التي تعتمد عليها‏,‏ علي تصوير كل ما هو سلبي ومحبط‏,‏ حتي بدت إفريقيا أمام العالم قارة العجائب‏.‏ واستمرار هذه الصورة علي هذا النحو يكرس الواقع الإفريقي ومشكلاته ويمنع أي جهد يمكن أن يحاول مد يد العون لشعوب القارة‏.‏ ففي إفريقيا مثل غيرها من القارات مشكلات‏,‏ والكثير منها من صنع القوي الاستعمارية القديمة ولكن التركيز السلبي الدائم علي هذه المشكلات يبقي إفريقيا علي الدوام في دائرة الصراع ويعوق كل جهد من أجل تحقيق تنمية حقيقية‏,‏ ويغرس في نفوس شعوبها شعورا بالمرارة‏.‏

إن الإعلام الغربي لم يستفد من دروس الماضي حين أدت التغطية السلبية المستمرة لشئون القارة السمراء إلي لجوء عدد من الكتاب الأفارقة إلي تمجيد اللون الأسود فيما سمي آنذاك بحركة الزنوجة التي تحمس لها الرئيس السنغالي الأسبق ليوبولد سنجور‏,‏ لتكون رد فعل تجاه موقف الرجل الأبيض‏,‏ وواجهت تلك الحركة اتهاما بالعنصرية آنذاك‏.‏ وربما تستطيع مصر بقدراتها الإعلامية أن تقدم العون والمساعدة في أن تظهر القارة علي العالم بالشكل الذي يعكس حقيقة ما بها من المشكلات والجهود والآمال والطموحات والتطلعات‏.‏ فلقد طرحت مصر في القمة الفرنسية ـ الإفريقية الأخيرة فكرة إنشاء قناة فضائية تكون نافذة تطل بها إفريقيا علي العالم بغير الوجه الذي اعتادت أن ترسمه وسائل الإعلام الغربية‏,‏ وبما ييسر مهمة اندماج إفريقيا في المجتمع العالمي‏..‏ ومن هنا أقول‏:‏ إن دورا نشيطا ومطلوبا ينتظر مصر في ربوع القارة الإفريقية لعبور الفجوة التي حاول الكثيرون توسيعها‏.‏ وهذا الدور يرتبط بالأمن القومي المصري والعربي‏,‏ ويلبي آمالا كثيرة انعقدت في إفريقيا علي مصر والرئيس مبارك‏.‏
osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى