مقالات الأهرام اليومى

الجماعة المحظورة‏..‏ وبناء الدولة الحديثة

مر ما يقرب من قرنين كاملين علي الأمتين العربية والإسلامية‏,‏ ومازالت مسيرتهما الفكرية والثقافية أسيرة عدد لم يتغير أو يتبدل من القضايا والمسارات الفكرية التي لم تتزحزحا عنها ولم تصلا إلي حل لها‏.‏ وهكذا ظلت قضايانا الكبري بلا حلول‏,‏ وظلت مساعينا نحو حلها أو تجاوزها عاجزة وغير قادرة علي إنجاز أي مهمة من تلك المهام‏.‏ ومازلنا بعد كل هذه السنين الطويلة نمارس الأساليب نفسها ونعيد إنتاج آليات الحوار ذاتها في مواجهة تلك القضايا‏,‏ وكأننا لم نعد نعي أو ندرك مفهوم الزمان‏.‏

إننا في مواجهة كل قضية نقطع بضع خطوات قليلة ثم نتراجع لنبدأ الطريق من بدايته‏.‏ مثل سيزيف الذي حكمت عليه آلهة اليونان ـ كما تقول الأسطورة ـ أن يصعد بالصخرة إلي قمة الجبل وكان ما إن يبلغها حتي تهوي الصخرة إلي السفح فيبدأ عذابه من جديد‏..‏ هكذا حالنا مع قضايا المرأة والديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية والدين والدولة والعلم والأصالة والمعاصرة وقائمة أخري من القضايا التي مازالت عالقة في ثقافتنا وتعوق كل رغبة في التقدم بمجتمعاتنا‏,‏ ولو خطوة واحدة إلي الأمام‏.‏

ولا أعتقد أن أمة من أمم الأرض التي عقدت العزم علي تجاوز ثالوث الفقر والجهل والتخلف يمكن أن تستمر معها مثل تلك القضايا علي هذا النحو لهذا العدد من السنين‏.‏ فلقد بدأنا حوار التحول من العالم القديم إلي العالم الحديث في وقت متزامن مع أمم أخري وفي كثير من الأحيان قبل كثير منها‏.‏ لكننا نري اليوم هذه الأمم وقد حسمت كثيرا من قضاياها‏,‏ وانطلقت لكي تخفف آلام الفقر والمرض‏,‏ وتطارد فلول الجهل‏,‏ وتقترب من مستويات الحياة المعاصرة‏.‏ أما نحن فمازلنا نراوح مكاننا بحثا عن حلول قديمة لمشكلات أقدم‏!‏

وفي كثير من التجارب التنموية العالمية كان هناك علي الدوام صراع بين الدولة والمجتمع بشأن التحديث‏,‏ وفي معظم الحالات كانت الدولة تقود خطي المجتمع القديم نحو التحديث مثلما هو الحال في مصر‏.‏ وفي حالات قليلة كانت المجتمعات الراغبة في التحديث تثور علي الدولة القديمة باحثة عن إطار سياسي أحدث يقود خطاها نحو عالم جديد‏..‏ وقد احتوي العالم الإسلامي تجارب من هذين النوعين‏,‏ بل واحتوت الدولة الواحدة عبر فترات زمنية متقاربة التجربتين معا‏.‏ لكن غاب عن العالم الإسلامي أن المجتمع القديم أعاق نمو الدولة الحديثة فأفقدها قدرتها علي التطور بالمجتمع ذاته‏.‏ أسامة سرايا

أقول ذلك بمناسبة الحوار الدائر هذه الأيام حول الدولة الدينية‏,‏ والذي فجره المرشد العام لجماعة الإخوان بإعلانه عزم جماعته تأسيس حزب سياسي‏.‏ وهو حوار يعيد ـ في معظمه ـ إنتاج ما سبقنا إليه كتاب ومفكرون وساسة منذ عقود طويلة‏,‏ وربما كنا الأمة الوحيدة التي تناقش مع مطلع القرن الحادي والعشرين قضية الدولة الدينية‏,‏ في الوقت الذي يمر فيه قرن كامل علي محاولة بدت في عصرها جريئة حين أقدم الشيخ علي عبد الرازق علي نفي الدولة الدينية في الإسلام في كتابه المعروف الإسلام وأصول الحكم‏,‏ ويبدو الأمر وكأن مائة عام لم تمر‏,‏ فنعيد الحوار نفسه بالحجج والأسانيد نفسها دفاعا وهجوما‏,‏ وإني أتساءل‏:‏ كم يلزمنا إذن من الزمن لكي نتجاوز تلك القائمة الطويلة من القضايا العالقة فنحسم أمرنا فيها وننطلق إلي آفاق فكرية أرحب قليلا مما وضعنا أنفسنا في أسره وقيوده؟

لقد كان طبيعيا أن يحظي تصريح كبير الإخوان بشئ من الاهتمام ولكن الذي حدث هو أن الذين تناولوه بالمناقشة لم يقفوا به عند حدود تصريح صادر عن رجل يعمل بالسياسة ومن أجل منافعها‏.‏ وإنما تجاوزوه إلي إعادة الحوار حول القضية القديمة التي لم يعد لها موقع‏,‏ في عالم اليوم‏,‏ فالقضية الآن ليست في أن نختار بين دولة مدنية وأخري دينية‏,‏ فهذا أمر لا أقول حسمناه بشكل قاطع ولكننا مارسنا الخيار فيه منذ سنوات طويلة ونحاول تدعيم ذلك الخيار الآن‏ وإنما القضية التي أعنيها هي أن تناقش تصريحات كبير الإخوان في سياق معطيات الواقع السياسي الراهن وألا يدفعنا أعضاء الجماعة المحظورة إلي إعادة الحوار حول قضية أكبر وأقدم عهدا من تلك الجماعة‏.‏ فالحوار الراهن يبدو وكأنه يعيد طرح الخيار بين الإخوان وبقية الأحزاب السياسية حيث تمثل الأولي الدولة الدينية‏,‏ وتمثل الثانية الدولة المدنية‏,‏ وهذه مغالطة كبري ومكانة لم ولن تبلغها الجماعة المحظورة‏.‏

فالإسلام أجل وأسمي من أن يختزل في مغامرين سياسيين‏.‏ والحوار حول الدولة الدينية والمدنية سابق بسنوات طويلة علي ظهور جماعة الإخوان‏,‏ وكان يتعلق بموقع الدين من الحياة السياسية والاجتماعية‏.‏ ولا أظن أن هناك خلافا علي أن الإخوان جماعة سياسية وليست دينية مهما تكن شعاراتها والعباءة الدينية التي تتحرك بها سياسيا‏,‏ وهي بذلك ليست بحال من الأحوال ممثلة للدين أو ناطقة باسمه ولايحق لها ذلك‏.‏

ويبدو أن نشطاء الجماعة يسعدهم كثيرا ذلك الاتجاه في الحوار من زوايا عديدة‏:‏
أولا‏:‏ أنه ربما أسهم في دعم جهودهم الرامية إلي دفع الوعي الجماهيري المصري العام إلي الربط بين الإسلام وبين ما يقولونه ويطرحونه‏.‏ وهو ربط لم يتحقق حتي الآن حتي لدي المستويات الاجتماعية والثقافية الدنيا في المجتمع‏.‏ إذ مازال المجتمع ينظر بكثير من الشك والريبة لما تطرحه الجماعة مغلفا بعبارات دينية‏.‏ فالوعي الجمعي المصري يختزن الكثير من خبرات خلط الدين بالسياسة علي الأقل في الأزمات الممتدة من العثمانيين إلي الفرنسيين وبعض ملوك أسرة محمد علي‏.‏

ثانيا‏:‏ أن الحوار في ذلك الاتجاه يسهل مهمة الجماعة في توجيه أجندة الحوار السياسي في المجتمع‏,‏ مما يجعلها في دائرة الضوء الذي ينحسر تدريجيا بفعل الاكتشافات المستمرة لنيات الجماعة وأهدافها لدي الرأي العام في مصر وخارجها‏,‏ والمتابع لوسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية يلمس كثافة الحديث عن الإخوان في مصر وهو ما يتجاوز كثيرا الحجم الفعلي للجماعة وتأثيراتها في المجتمع‏.‏

ثالثا‏:‏ إن الحوار بهذا الشكل يعطي انطباعات خارجية بمساحة خادعة للإخوان علي الساحة السياسية المصرية‏.‏ فالفراغ السياسي الذي خلفته الأحزاب القائمة لايعني خلو الساحة أمام الإخوان الذين مازالوا أبعد كثيرا عن ملء الفراغ السياسي‏,‏ وسوف يظل استثمار المخزون الديني العاطفي لدي المصريين مصدر الخطر في تحركات هذه الجماعة ومصدر بقاء لها في آن واحد‏..‏ كما أن الحوارات الكثيفة حول الإخوان تبدو خادعة لبعض من يراقب الحياة السياسية المصرية من الخارج‏.‏

وينبغي أن يكون واضحا أنني لا أقلل من خطورة الجماعة علي الحياة السياسية المصرية أو أقلل من تأثيراتها المحتملة‏,‏ ولكنني فقط أشير إلي خطورة طرح وجود الجماعة في إطار أنها الإسلام أو المتحدثة باسمه عن قصد أو دون قصد‏.‏ فالحقيقة هي أن وجود الإخوان ـ فعليا في الشارع المصري أو فكريا من خلال المعالجة المكثفة لوسائل الإعلام ـ يظل عائقا يحول دون تطور الحياة السياسية المصرية وقدرتها علي الاستجابة للتيارات الفكرية والاجتماعية في المجتمع‏,‏ فحالة التربص المباشر وغير المباشر بكل رأي أو فكر من جانب الجماعة تعوق كثيرا نمو سوق حرة للأفكار السياسية التي تخضع للانتخاب الطبيعي من جموع المصريين‏.‏

لقد أفاد الإخوان كثيرا ـ تاريخيا وآنيا ـ من بعض النظم السياسية المتعاقبة وكان استمرار وجودهم تعبيرا عن عدم القدرة علي بناء مجتمع سياسي قوي ومتماسك وقادر علي التطور‏.‏ فهذه الجماعة المحظورة بحكم القانون مازالت تمارس عملها علانية محليا وإقليميا وعالميا في مخالفات صريحة وقاطعة للقانون دون اكتراث منها أو ممن يتحتم عليهم تنفيذ القانون وفرض احترامه‏.‏ وبسبب تلك القبضة الرخوة تمكن الإخوان من العمل تحت اسم الجماعة في كل اتجاه‏,‏ وأصبح لهم وجود فعلي في المجالس النيابية والجامعات وغيرها‏,‏ ومن هنا يجب أن نبحث في ظل التعديلات الدستورية الجارية الآن عن وسائل لتسديد الثغرات التي شوهت بناء الدولة الحديثة‏,‏ ولابد أن نعي جميعا أن احترام القانون وإنفاذه هو القوة الحاكمة للمساواة والمواطنة‏,‏ واللبنة الأولي في بناء مستقبل مصر‏.‏
osaraya@ahram.org.eg

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى