مقالات الأهرام العربى

حرب عصابات أم سلام عبقرى؟

بقلم : أسامة سرايا

السباق الآن فى الشرق الأوسط وفى فلسطين ليس بين شارون وعرفات، بل بين أمريكا وشارون، فالمدرعات الإسرائيلية التى استقرت منذ حوالى شهرين على أعتاب باب عرفات، أول رئيس فلسطينى جعلته يبقى سجيناً فى رام الله، والذى ظل يعرفه قادة العالم خلال 30 عاماً من دوامة القتال، فدائياً ورئيساً للمنظمة، ثم سياسياً، يحاول استتباب السلام والوصول إلى مشروع لتسوية الصراع الفلسطينى ـ الإسرائيلى منذ التسعينيات،

هذه المدرعات أرغمته على أن يعود مرة أخرى ليقاتل من أجل بقائه ـ فقط ـ على قيد الحياة، عرفات منذ لحظة أن أصبح محاصراً بين تطرف شارون وغضب بوش الابن غير المبرر، ولحظة أن قال شارون صاحب السوابق فى جرائم الحرب والمذابح، إن العالم أصبح أضيق من أن يبقى فيه هو أى شارون، والرئيس الفلسطينى، ارتفع عرفات وأصبح فى مكانة سامية بين كل المنظمات الفلسطينية وفى العالم العربى وأيضاً عندما أشارت أمريكا إلى احتمالات قطع العلاقات مع السلطة الفلسطينية لقد اختار عرفات المكانة التى يريدها بالضبط،

فهو قد فعل كل ما عليه، وفتح باب السلام والتسوية لأعقد صراع فى العالم، وقدم للإسرائيليين والأمريكيين، هدية ثمينة ليغسلوا أيديهم من الجرائم التى ارتكبوها فى حق الفلسطينيين، بل قدم للضمير العالمى وليس للأمريكيين والإسرائيليين وحدهم فرصة تاريخية، لكى يتطهروا مما فعلوه فى الشعب الفلسطينى المسكين، والذى تعرض للاضطهاد العالمى بفعل أسطورة ليس لها جذور ابتلعت شعباً من أرضه ليحيا فيه كل المهاجرين اليهود من أنحاء العالم، تلك الحقيقة البسيطة التى يعرفها كل عربى وفلسطينى، لن يجرؤ أحد بعد الآن على تجاوزها، وسوف نعود قهقرياً ­ شئنا أم أبينا ­ إلى نقطة الصراع الأولى وما نقصده هو أن الصراع بين عرفات وشارون قد توقف،

لأن عرفات عند هذه النقطة سيسلم بحقيقة أنه يجب أن يستقيل، وعند هذه النقطة ستنتقل السلطة إلى فصيل آخر يسميه الغرب ˜حماسŒ أو ˜الجهادŒ ونسميه نحن الفوضى أو غيرها ولكن بلاشك فإن هذا الفصيل لن يكون هدفه أى تسوية سياسية فى المنطقة، وتلك الحقيقة الظاهرة ستحقق أهداف شارون، وهذه بالتأكيد لن تكون ضمن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية فكما يعترف كل المتابعين بأن الخيار الوحيد المتاح للفلسطينيين ­ ونحن معهم  ­هو إنهاء كل الاعتداءات والتعاون مع الولايات المتحدة بالضغط على شارون للعودة إلى التفاوض والاعتراف بالحق الفلسطينى حتى تتجنب المنطقة صراعاً لا ينتهى فى حين أنها تحتاج إلى مرحلة التقاط أنفاس وإنهاء الصراع لأنها تواجه مشاكل سياسية واقتصادية أعقد مما نتصوره،

تهدد بتفشى الحروب والإرهاب والصراعات التى لا تنتهى، ولكن ماذا سيكون المصير العربى والفلسطينى فى ظل حكومة إسرائيلية متطرفة يقودها شارون، ببساطة ينعدم الحل السياسى، ويتصاعد العنف، ولن يكون ذلك مسئولية عرفات، فشارون بحصاره للرئيس الفلسطينى قد أعفاه من مهمة ثقيلة ونقل شارون الصراع دون أن يدرى ليكون بينه وبين أمريكا فى المستقبل هذا هو السيناريو الأقرب إلى التحقق إذا استمر شارون فى السلطة وعجز الإسرائيليون عن أن يروا خطورة ما يفعله التطرف أما السيناريو الآخر الذى أرى أنه يمكن تحقيقه ليس من عندى،

ولكن يطرحه بريجينسكى ـ مستشار الرئيس كارتر ـ وأحد صناع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979 ويتلخص فى أن هناك أربع حقائق أساسية عن الصراع الإسرائيلى ـ الفلسطينى هى أولاً إن الإسرائيليين والفلسطينيين وحدهم هم فقط القادرون على القيام بحرب وليس صنع السلام، فكل طرف غير قادر على اتخاذ الخطوات النهائية الضرورية من أجل تصالح مؤلم وتاريخى ثانياً إن التأييد الدولى لإسرائيل لم يكن أبداً دون المستوى،

فإسرائيل كانت تتمتع باليد العليا المعنوية خلال الصراع الذى استمر نصف قرن، ولكنها تعرض نفسها للشبهة بسبب احتلالها القمعى وقتلها المتعمد للمدنيين الفلسطينيين ثالثاً المثير للتناقض أن الخطوط الرئيسية العريضة للصيغة الوحيدة القابلة للتطبيق من أجل تسوية ممتدة، رسمت من خلال المفاوضات المبكرة غير الحاسمة وأيضاً بسبب قرارات الأمم المتحدة رابعاً إن الولايات المتحدة فى سعيها للسلام، فى حين تتجنب تعريفه بدقة، تتسبب فى تأجيج الصراع، وفى الوقت نفسه القتل المتبادل فى كلا الجانبين،

وتدمير ما تبقى من عملية السلام ويعترف بريجينسكى بأن الصورة ستكون قاتمة إذا أظهرت حرب عصابات من النوع الذى كان يدور فى الجزائر وتقوم بعمليات ضد إسرائيل أما إذا أعملنا العقل، فأمامنا واقتراحات باراك فى سبتمبر 2000، وأوراق مفاوضات طابا التى تم إجهاضها فى يناير 2001  وخطاب كولن باول فى أكتوبر 2001 وقرارى مجلس الأمن 242 و348 وهى كلها تتطلب تجميعها فى أسلوب منظم وصيغة واحدة من أجل سلام عبقرى، تتعايش فيه دولة إسرائيل مع دولة فلسطين فى سياق إسرائيل آمنة، وفلسطين قابلة للحياة اقتراح بريجينسكى قابل للتطبيق ولكن أطراف الصراع لا يمكنها التوصل إلى تسوية من جانبها، والأمل الوحيد هو إزاحة شارون، وأن توضع على المائدة رؤية كاملة عامة عن السلام، على أمل أن يهيمن الحكم الصائب فى النهاية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى