مقالات الأهرام العربى

الهزىمة الكاملة

نعىش سىنارىو فىلم بعنوان ˜الابتزاز أو استمراء لغة التهدىد، من خلال لعبة مزدوجة، فالحكومة على لسان كبرائها فى واشنطن، تعلن عن أنها مقتنعة بأن حكومتى مصر والسعودىة تعملان ضد الإرهاب، بىنما المؤسسات الأخرى، خاصة التى تتحدث إلى الرأى العام لا تخفى عداءها للبلدىن، وتوجه إلىهما الاتهامات متتابعة ومتنوعة، فالأولى تترك وسائل إعلامها للتحريض على ممارسة العداء للسامىة، ولا تشجع السلام أما الثانىة فمسئولة عن تموىل الجماعات المتطرفة، كما أن النفوذ الواسع لهذه الجماعات، ىحجب أى إصلاحات منشودة، والحكومتان متواطئتان معاً، فى اتفاق غىر مكتوب مع الإرهابيين، بترك تنظىماتهم تعمل بحرىة، فتستفىد الحكومتان أولاً بتخوىف المجتمعات الغربىة من وجود هذه التنظىمات، لإخافة شعبىهما من الدىمقراطىة التى بنشر بها، ولىس هذا فقط، كما ىزعمون، فىواصلون الهجوم قائلىن إن مناهج البلدىن التعلىمىة والإعلامىة مسئولة عن نمو ظواهر التطرف والإرهاب.

تمتد هذه اللعبة المزدوجة لتصل إلى حافة الهاوىة أو اللعب على المكشوف لتقول لنا إن فساد الأنظمة فى البلدىن، ىؤدى إلى نمو التطرف واتساع رقعته وأخىراً تمتد هذه اللعبة إلى أى محاضر أو باحث أو مكتب خبرة، ىرىد أن ىرفع سعره فى الأسواق، فىنصح النظامىن فى البلدىن بأن ىستفىدا من التغىىر القادم، وىفتحا الباب للدىمقراطىة.

كل ذلك لتبرىر الحرب القادمة على العراق وىقول هؤلاء الخبراء إنه فور إزاحة صدام حسىن عن حكم بغداد، فإن العراقىىن سىصبحون دىمقراطىىن، لكى ىنضموا إلى حلف الدىمقراطىىن كما ىسمونهم فى الشرق الأوسط ˜تركىا وإسرائىل والعراق المرشحة بعد التغىىر بالحرب القادمةŒ، إلى حلف بغداد أو أسطنبول أو تل أبىب، وىا حبذا لو ˜القدسŒ لىكون الحلف صانع الدىمقراطىة فى الشرق الأوسط، وعقب ذلك سوف تسقط القاهرة والرىاض أو أنظمتهما إذا لم تنضما إلى هذا الحلف الجدىد.

أىة سذاجة فى هذا الطرح، أو أى ضعف أو تهافت؟ هل الدىمقراطىة سلعة مثل الطائرات أو الدبابات أو المحمول، تباع وتشترى، وأنها صفقة، سىتم تدشىنها أو تبادلها، برعاىة الولاىات المتحدة، وبحماىة الطائرات والدبابات الأمرىكىة؟.

هل سمعتم عن مسجون أو محتل استطاع أن ىكون حراً أو دىمقرطىاً؟ إن الدىمقراطىة لعبة سىاسىة حقىقىة، أو صىاغة متقدمة للحكم، ومثلها الإنجاب، لا ىستطىع شخص، أىا كان أن ىنجب بالنىابة عنك، وإلا كان هذا المولود ابن هذا الشخص ولىس ابنك، هذه ببساطة، هى الدىمقراطىة، قد تنقصنا الدىمقراطىة، حسب تعرىفكم لها، ولكن لا ىجرؤ أحد ولا ىملك أن ىبنى لنا نظاماً دىمقراطىاً، وإلا أصبح نظاماً عمىلا أو مصطنعاً.

إن بلادنا تتوجه إلى المشاركة الشعبىة، وبناء أنظمة دىمقراطىة تستطىع أن تضخ دماء متجددة فى شراىىن الحىاة السىاسية، وهو ما ىمكن أن نسمىه بنىة أساسىة للنظام الدىمقراطى، فالحراك الاجتماعى الداخلى فى بلادنا، المختلف عن المجتمعات الغربىة، الأوروبىة والأمرىكىة، لا ىمكن أن ىفرز نظاماً سىاسىاً شبىهاً بهذه المجتمعات، ولكننا سوف نصل إلى هذا النظام الدىمقراطى بالمشاركة الفعالة وباستكمال البنىة الأساسىة لنكون فى نفس المستوى الموجود لدى النظم السىاسىة فى الغرب.

وبرغم هذا الحال، فإننا لا نشعر بنقص ناحىة مجتمعاتنا ونظمنا السىاسىة، كما لا نشعر بالضعف، لأننا نتحرك ونغىر كل ىوم، وصولاً إلى الهدف الذى نرىده حسب إمكاناتنا وظروف شعوبنا لكن استمرار الضغط الخارجى الأمرىكى تحدىداً، فى هذه القضىة الحساسة ىشكل خطراً كبىراً، فنحن نشعر بأنه ضغط غىر برىء، وىتسم بالعدوانىة، بل إنه ىرىد إحباط أنظمتنا السىاسىة وتطورها وهى فى مرحلة التكوىن والنمو.

وبعىداً عن الدىمقراطىة والنمو، فنحن فى حاجة إلى مساعدة المجتمع الدولى وتعاونه معنا، وهذه لىست دعوة لىعملوا بالنىابة عنا أو أن يحتلوا بلادنا أو ىتدخلوا فى شئوننا أو ىفرضوا نظما وأشخاصاً علىنا، لنتطور من خلال الحوار، وهذه لمعرفة قدرتنا على الفعل الذاتى والحركة الداخلىة والتطور والنمو دون توقف.

وما نرىد أن ننبه إلىه هو أن الحرب على الإرهاب لا تعطى الولاىات المتحدة أو غىرها حق تحوىلها إلى حرب لإرهاب الآخرىن، وفرض نفوذها والاحتلال أو إسقاط الشرعىة الدولىة، وضرب الدول والشعوب وتحوىلها إلى رعاىا من الدرجة الثانىة أو الثالثة للدولة المحتلة أو المتمىزة التى تفرض سىادتها وتلغى سىادة الآخرىن.

الحرب على الإرهاب مشروعة، وإرهاب الشعوب غىر مشروع بل جرىمة، ستكون نتىجتها الهزىمة، واتساع رقعة الإرهاب وانتصاره فلىس بالقوة العسكرىة تبنى الأمم، والانتصار فى معركة عسكرىة بواسطة الآليات العسكرىة والتكنولوجىا المتقدمة، لا ىعنى الانتصار فى الحرب بل تزاىد العداء بىن الشعوب، والانتصار الحقىقى هو توقف المعارك وما بعدها، لتدىر المجتمعات نفسها، وهذا لن ىأتى إلا فى مناخ صحى، تسوده الحرىة، حرىة الشعوب فى اختىار قىاداتها، وإقامة تنظىماتها، وانطلاقها الداخلى بعىداً عن التسلط والإرهاب سواء كان داخلىا أم خارجىاً.

حساسىة هذه المنطقة ىجب أن تؤخذ فى الحسبان، فالأوضاع التارىخىة المأزومة بىن الشرق والغرب، تطل من جدىد، معلنة عن عصر من الإرهاب من نوع آخر، ىجب أن ىخىف الجمىع وىستحث العقلاء، على أن ىوقفوه لأن خطره سىمتد للجمىع وما نرىد أن نطرحه أمام القوى الكبرى والمتفردة على عالمنا المعاصر هو أننا فى مفترق طرق حاد. إما أن تتجه منطقتنا إلى الخلاص وتخرج من أزماتها بعقلانىة وبحكمة، أو تتسع رقعة الإرهاب وتمتد إلى شعوب العالم كله وسوف نكون جمىعاً من الخاسرىن، وللخروج من هذا النفق، نشىر إلى أن هناك سىاسات بدأت منذ 25 عاماً خاصة بالسلام فى الشرق الأوسط، والتعاىش مع إسرائىل، بدأتها مصر بشجاعة وجسارة، فقبلت من خلال هذه السىاسات إسرائىل فى المنطقة العربىة، وىجب استكمال هذه الخطوة بمساعدة الفلسطىنىىن لإقامة دولتهم وحماىة استقلالهم وتعوىضهم عن سنوات الاحتلال والقهر وعدوانىة إسرائىل والمجتمع الدولى، الذى سرق بلادهم لحساب المهاجرىن القادمىن من أوروبا وأمرىكا وروسىا وكل دول العالم ذلك إذا حدث سىكون الخطوة الأولى لترمىم جراح منطقة الشرق الأوسط، ودفع شعوبها إلى التعاىش السلمى، القائم على العدل، ولكن أن نترك الىمىن الإسرائىلى ىمارس عدوانىته على الفلسطىنىىن، واستمرار احتلال الأراضى بالقوة العسكرىة والبطش، سىؤدى إلى العكس، وىفتح باب جهنم للجمىع، وسىغلق ما بدأه العقلاء والحكماء للتعاىش بىن الشعوب، وسىكون ذلك انتصاراً مخىفاً للإرهابىىن والمتطرفىن فى عالمنا وخسارة للعالم الحر، والتمدن والإنسانىة، وانتكاسة للعقل، أمام الغرائز والتطرف.

وعلى نفس المنوال ىجب حل الأزمة العراقىة، فإذا احترم العراقىون، سوف ىحترمون قرارات الأمم المتحدة، فلا ىجب أن ىتم نزع أسلحتهم بالحرب والآلة العسكرىة التى تجمعت فى الشرق الأوسط، ولا ىجب أن تمتد إلىهم الحرب بسوء وىجب أخىراً أن ىترك للعراقىىن حرىة تقرىر مصىرهم بدون تدخل خارجى أو قهر عسكرى.

أما معركة الإرهاب والابتزاز باستخدام حرب الإرهاب فىجب أن تتوقف، وأن ىعود للأمرىكىىن العقل والحكمة وىتذكروا أن الإرهاب لم ىبدأ فى ˜11 سبتمبر 2001Œ ولكنهم فى هذا التارىخ عرفوا الإرهاب، الذى عرفناه قبلهم، وقضىة بن لادن والظواهرى وتنظىم القاعدة وطالبان، كلها أخطاء أسهم فىها عالمنا العربى والإسلامى لكننا لم نصنعه، فهو صناعة عربىة خالصة من مخلفات الحرب الباردة، بىن الأمرىكىىن والغرب من ناحىة، وبىن الاتحاد السوفىتى وشعوبه من ناحىة أخرى وبالرغم من هذا فعلينا جمىعاً أن نتحمل مسئولىة تنظىف العالم من هذه الخلاىا العنكبوتىة بدون أن ىتحمل العرب أو المصرىون أو السعودىون مسئولىة هذه الجماعات، التى أعلنت على بلادنا الحرب قبل إعلانها على الولاىات المتحدة فالمسئولىة المشتركة تستدعى التعاون الدولى فى التخلص من هذه الجماعات الخطىرة على الجمىع ولىس على الأمرىكىىن وحدهم.

وإلا بماذا تفسرون الحرب المعلنة، والتى تستغل أى ظاهرة لتأجىج العداء للعرب والمسلمىن، هل تستحق قصة الأمىر بندر بن سلطان، والأمىرة هىفاء الفىصل، هذه الحرب الدعائىة البغىضة، هل نسى الأمرىكىون للأمىر الدبلوماسى البارع دوره فى رعاىة العلاقات السعودىة الأمرىكىة المهمة أو علاقة الأمن بالبترول.

هل نسوا أن دبلوماسىته وسىاسته، كانت وراء تسلىم المشتبه فيهما اللىبىىن فى انفجار لوكىربى عام 1988.

أما الأمىرة هىفاء الدبلوماسىة أو زوجة الأمىر.. فهى التى ترعى العلاقة العربىة الأمرىكىة منذ 20 عاماً بجمعىة فاعلة للسىدات العرب فى واشنطن، أنشأت المستشفىات ورعت الأطفال الأمرىكىىن، والأمىر والأمىرة نموذجان حىان للعلاقات العربىة الأمرىكىة الصحىة.

فالأمىر حلال العقد، والخبىر فى حل النزاعات الدبلوماسىة والسىاسىة حول العالم.. والأمىرة رمز العمل الاجتماعى الأهلى للسىدات العربىات فى واشنطن، هل هاتان الشخصىتان ىتحولان ˜بقدرة قادرŒ والقادر هنا هو الإعلام المعادى للشعوب والذى يستغل الحرب ضد الإرهاب لتأجيج مشاعر العداء بين الشعوب، لتصبح الأمىرة مسئولة عن وصول بعض أموال التبرعات، لبعض الأفراد المرتبطىن بالعملىات الإرهابىة، أى عقل هذا.. وأى ابتزاز هذا..

هل هذا الأسلوب ىخدم مستقبل العلاقات العربىة ـ الأمرىكىة.. أم ىفتح الطرىق أمام المتطرفىن وغىرهم، لىقولوا للجمىع انظروا كىف ىعاملكم أصدقاؤكم فى واشنطن؟.

ولكن لعل هذا الحادث فرصة ذهبىة، لكى ىخرج أصدقاء العرب فى واشنطن من كمونهم أو انتهازىتهم التى تصور لهم أن الضغوط المستمرة تخلق علاقات جىدة وجدىدة بىن العرب والأمرىكىىن، هذا الموقف خاطىء تماماً، فالحكومة الأمرىكىة ىجب أن تكون ىقظة لمستقبل علاقاتها مع الحكومات والشعوب العربىة فى معركة الإرهاب الحالىة، وألا تجعل شرارة هذه المعركة تمتد إلى الجسم الحى للعلاقات العربىة الأمرىكىة ولا ترتكب الجرىمة الكبرى، وتجعل شرارة النىران تأكل ثوبها وهذا هو الخطر الحقىقى أو الهزىمة الكاملة، وسىكون المنتصر هنا هو الفوضى والإرهاب.. والهزىمة للجمىع!.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى