مقالات الأهرام اليومى

الشعوب لا تهزم جريمة الأمريكيين ضد العراق

العراق عصى، ولن يحكمه بوش أو رامسفيلد أو مندوبهما جارنر، بالرغم من أن المعركة العسكرية حسمت، وأن نظام صدام حسين قد انهار، ودخلت القوات الأمريكية ـ البريطانية بغداد، ومعظم مدن العراق، لكن ساعة الحقيقة قد حانت، والنقطةالأولى فيها هى أن العراق لم يهزم عسكرياً، فالمدن والشعوب لا تهزم أبداً، وأن سقوط نظام صدام حسين ـ الذى كان من الضرورى أن يقع بعد الجرائم التى ارتكبها فى حق شعبه ـ هو نقطة الضعف التى استفاد منها الأمريكيون والبريطانيون، كما أن جرائمه تلك سقطت هي الأخرى.. وعلى المحتلين أن يسلموا بحقوق الشعوب، فالعراقيون لا يمكن أن يحكموا فى عام 2003، على نمط الحكم الاستعمارى فى القرن التاسع عشر.

أما النقطة الثانية فهى أن على العراقيين، خاصة المعارضين القادمين من الخارج، أن يحترموا اشقاءهم فى الداخل، الذين تحملوا ما لا طاقة لأحد به، من أسوأ أنواع الديكتاتوريات، التى فاقت فى فظاعتها وفظاظتها ˜دكتاتورية ستالين وتشاوشيسكو وهتلر من ˜فاشية ونازية وشيوعيةŒ فى القرون المعاصرة. مروراً بالديكتاتوريات القديمة. الحجاج بن يوسف الثقفى فى العراق إلى الحاكم بأمر الله الفاطمى فى مصر، فشعب العراق بالداخل، يجب أن يشارك فى الحكم ويأخذ النصيب الأكبر، لأنه هو من تعرض للاضطهاد ودفع ثمناً باهظاً فى عصر الديكتاتور.

وثالثاً على الأمريكيين أن يعترفوا بأنهم ارتكبوا جريمة كبرى فى حق الشعب العراقى بقتل الأبرياء وتدمير البنية الأساسية بحرب بشعة وهمجية وغير شرعية، استهدفت حياة الناس، وروعت الآمنين، وأنهم ساعدوا نظام صدام حسين على الدخول فى جرائم وحروب عبثية بدءاً بحربه ضد إيران، والتى كانت بمثابة الشرارة التى أضاعت العراق، لمدة 8 سنوات، فى حرب لم يستفد منها أحد، إلا الأمريكيون والأوروبيون، الذين تصوروا أن الثورة الإيرانية الإسلامية، التى اندلعت قبل الحرب مباشرة، قد تستهدف مصالحهم، وتصدر الثورة للخليج، فكانت فرصتهم لإشعال حرب ضروس، دفع إليها صدام .مع عدم إعفائه من المسئولية.، خسر العراق واستفادوا منها الأمريكيون وغيرهم، وأصبحت الحرب هى الغذاء الوحيد، الذى يلتهمه صدام ونظامه للاستمرار ولفرض القمع والجبروت على الشعب العراقى والمستفيدين من حزبه وجماعته، إلى الدخول فى حرب أخرى فى الكويت، وكانت من نتائجها الأوضاع التى تعيشها منطقتنا الآن، أما المتضرر الوحيد فهو شعب العراق، الذى حان لإعطائه حقوقه والتعامل معه باحترام وثقة، وأن يحصل على حريته كاملة غير منقوصة والسماح له بأن يمارس سيادته على أرضه ووطنه ويتحكم فى كل موارده، وهو قادر على ذلك فى ظل نظام رشيد وديمقراطى، فى سنوات قليلة ليصبح العراق واحداً من البلاد الغنية والمتقدمة والملهمة ليس للعرب وحدهم، ولكن للعالم كله.

على الأمريكيين والأوروبيين أن يصححوا النظريات الخاطئة، التى بررت حربهم ضد العراق، بل ضد الشعوب العربية، فليس هناك من يصدق، حتى السذج والبلهاء، أن الأمريكيين قدموا للعراق لكى يخلصوه من الديكتاتورية، ويقيموا نظاماً ديمقراطياً، فهم جاءوا لما هو أكثر، وهو الهيمنة وإرسال رسالة لكل القوى فى العالم بأنهم قادرون على استخدام فائض القوة لفرض نفوذهم، وتلك نظرية لا تهمنا فى الشرق الأوسط، فنحن لا نتنافس معهم على القوة أوالهيمنة، وهى رسالة لروسيا وفرنسا وألمانيا واليابان والصين، وحتى الحليفة إنجلترا، فتلك هى القوى المتنافسة فى حلبة الصراع العالمى، ونحن لسنا منها، ويجب ألا ندخلها لصالح أحد، فكيف أننا كنا ألعوبة فى عصر القوتين العظميين أمريكا والاتحاد السوفيتى السابق، ولم نستطع أن نحقق مصالحنا أو نحصل على الدولة الفلسطينية، بل وقعنا ضحايا بين فكى الأسد، وضاعت مصالحنا فى صراع عبثى بينهما، وقعنا فيه، وكأننا نشجع فريقاً للكرة، والمشجع لا يحصل على جوائز، بل يتحمل أعباء فقط، ويدفع ثمن إيرادات المباراة بين الفريقين، ويضرب فى الشارع عند الضرورة..

فالحرب التى شهدناها جاءت نتيجة لنظرية خاطئة، صنعها فريق من الأشرار، والمتعصبين فى إدارة الرئيس بوش، والذين صاغوا فيها نظرية ما بعد 11 سبتمبر، بأن جذور الإرهاب تكمن فى الشرق الأوسط، لأن مجتمعاته فاشلة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، فى حين أن الإرهاب خلق وتغذى بالفكر الاستعمارى القديم، وإفقار شعوب العالم الثالث، وتبديد مواردها ثم إيقاعها فريسة لدولة معتدية هى إسرائيل، سرقت شعباً عربياً هو الشعب الفلسطينى واحتلت أرضه بقرارات الشرعية الدولية، ثم قامت بحروب استعمارية ضد كل شعوب الشرق الأوسط، وكان يجب أن تكون الخطوة الأولى لوضع حد للتيارات المتطرفة والإرهابية هى حل مشكلة الصراع العربى ـ الإسرائيلى وإقامة دولة فلسطينية، وكل العقول الراجحة تصورت أن أمريكا التقطت خيط الأزمة، وأصبحت تفك شفرة الإرهاب والتطرف، عقب سقوط برجى مركزى التجارة بنيويورك، والاعتداء على البنتاجون فى واشنطن، لكن المتطرفين والمتعصبين جذبوا فكر الإدارة الأمريكية بعيداً، بل ذهبوا إلى حروب عبثية تؤجج وتزيد من التطرف، وتخلق مئات من .بن لادن وصدام حسين..

على الأمريكيين أن يعترفوا بأنهم ارتكبوا جريمة كبرى فى حق العراقيين وعن مسئوليتهم عن حروب صدام العبثية .. ويقروا بهزيمتهم السياسية أمام الشعب العراقى الذى يجب احترامه وتعويضه.

والخروج من تلك الأزمة أوالمستنقع، شديد الوعورة لن يكون بدون حل سريع وحاسم، يوقف مذابح ومجازر شارون والمتطرفين الإسرائيليين عند حدودهم، ويتجه لقيام دولة فلسطينية مستقلة، تكون قادرة على النمو ولها مستقبل، مع التسليم بحقوق الفلسطينيين، وتسليمهم مقدساتهم فى القدس الشرقية، وكفى استعراضاً للقوة وإهداراً للمقدسات، حتى تتعايش الأديان السماوية الثلاثة .الإسلام والمسيحية واليهودية. فى سلام وأمن قائم على احترام حقوق الجميع.

أمريكا أخطأت وارتكبت جرائم فى حق العرب والمسلمين، باستمرار دعمها لإسرائىل، ثم بحربها ضد العراق، مروراً باضطهاد المسلمين وتحميلهم كارثة 11 سبتمبر 2001، وهم منها براء، لأن الإرهاب نما فى أحضان أمريكية لأخطاء سياسية بدعم التطرف الإسرائيلى، أو كنتيجة أو أثر سلبى لحرب أفغانستان، ولا يمكن أن تدفع الشعوب العربية، ثمن كل هذه الجرائم والأخطاء لأن المتطرفين فى واشنطن وجدوا فى العرب فريسة سهلة لتحميلهم أخطاءهم وجرائمهم، وتصحيح كل ذلك، يجب أن يتم الآن باعتراف أمريكى صريح بالجرائم ودفع تعويضات مجزية للفلسطينيين والعراقيين، وليس بالتمادى فى السياسات، والجرائم، المعهودة، فنظل أسرى للتطرف والإرهاب، وتضيع الفرص الحقيقية للنمو التى تأتى عقب احتواء الكوارث والحروب وذلك بعد أن نكون قد تجاوزنا أخطاءها، فنمضى إلى الأمام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى